إيران وإسرائيل : الصراع الصفري والاستراتيجية الإقليمية للمحور المقاوم
يُدرك صناع القرار في طهران، جيلاً بعد جيل، أن جوهر الاستراتيجية الإسرائيلية لا يتمحور حول تعطيل برنامج نووي أو كبح قدرة صاروخية، لأن تل أبيب تعلم قبل غيرها أن دولة بحجم إيران، وبتراكمها العلمي والمؤسسي، قادرة على إعادة البناء مهما كانت الضربات.
رسول حمزاتوف
يُدرك صناع القرار في طهران، جيلاً بعد جيل، أن جوهر الاستراتيجية الإسرائيلية لا يتمحور حول تعطيل برنامج نووي أو كبح قدرة صاروخية، لأن تل أبيب تعلم قبل غيرها أن دولة بحجم إيران، وبتراكمها العلمي والمؤسسي، قادرة على إعادة البناء مهما كانت الضربات. الهدف الحقيقي، كما تفهمه العواصم المعنية، هو إسقاط النظام السياسي نفسه واستبداله بسلطة وظيفية منسجمة مع الإرادة الإسرائيلية وتابعة للولايات المتحدة. ومن يقرأ الخريطة السياسية والأمنية بعمق، يدرك أن بقاء النظام في إيران ليس مسألة إيرانية داخلية فحسب، بل ركيزة حيوية لتوازنات كبرى تمس موسكو وبكين وإسلام آباد، بل يتجاوز في أهميته، من منظور جيوسياسي بارد، الأهمية التي يمثلها بقاء إسرائيل لواشنطن نفسها.
فباكستان، التي تواجه حكومة هندية معاصرة معادية لها ومتحالفة عضوياً مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ترى في أي نظام موالٍ لهذين الطرفين في طهران تهديداً وجودياً مباشراً. نظام كهذا سيكون، بحكم التموضع والتحالفات، أقرب إلى نيودلهي، ما يعني تطويق باكستان استراتيجياً من جهتين، وتعريض أمنها القومي وبرنامجها النووي للخطر. من هنا تصبح مصلحة إسلام آباد الحيوية، بل الوجودية، قائمة على دعم طهران ومنع تغيير نظامها، وجعل هذا الخيار بالغ الكلفة إلى حد الاستحالة.
أما الصين، فإن قيام نظام أمريكي الهوى في إيران يعني عملياً إغلاق غرب آسيا في وجهها، وقطع أحد المفاصل الأساسية لمشروع الحزام والطريق الذي تراهن عليه بكين في تجارتها العالمية ونفوذها الاستراتيجي. يضاف إلى ذلك أن إضعاف باكستان، الحليف الأوثق للصين في جنوب آسيا، يصب مباشرة في مصلحة الهند، الخصم التاريخي لبكين، في سياق تنافس ممتد وحروب متعاقبة لا تحتاج إلى تذكير. لهذا ترى الدوائر الصينية، كما تعكسه تحليلات مراكز بحثية وتقارير منشورة في الصحافة الاقتصادية والسياسية الدولية، أن استقرار إيران المستقلة شرط لازم لتوازن آسيوي أوسع.
وبالنسبة لروسيا، فإن خسارة إيران تعني تهديد الممر شبه الوحيد المتبقي لها نحو البحار الدافئة والخليج والمحيط الهندي، بعد انكفائها القسري في البلقان وتآكل مواقعها في المشرق. كما أن نظاماً غربياً في طهران يفتح الباب لاضطرابات تمس وحدة روسيا الترابية نفسها، خصوصاً في القوقاز الغني بالطاقة، فضلاً عن أن موسكو تعتمد اليوم على شراكتها مع إيران في ملفات متعددة، من أوكرانيا إلى آسيا الوسطى، في إطار موازين قوى دقيقة تناولتها مراراً تقارير صحفية وتحليلية في منصات دولية معروفة.
من هذا المنظور، يتضح أن انتصار إسرائيل، بالمعنى الاستراتيجي، لا يكتمل إلا بإسقاط النظام في إيران، وهو احتمال يقترب من المستحيل في ضوء توازنات الداخل والإقليم. وفي المقابل، فإن انتصار إيران الكامل لا يتحقق إلا بزوال النظام الإسرائيلي، وهو سيناريو بات مطروحاً في حسابات الصراع طويل الأمد. إنها حرب صفرية بطبيعتها، لا منطقة وسطى فيها، وستستمر بأشكال مختلفة حتى لو توقف إطلاق النار غداً أو تكاثرت الهدن، لأن وقف النار لا يعني وقف الحرب.
وقبل أي سقوط محتمل للنظام الإسرائيلي، سيواصل هذا الكيان محاولاته لإسقاط النظام الإيراني بأدوات أخرى: الاختراق، التخريب، التحريض الطائفي، والحرب النفسية. فالتجربة التاريخية تثبت أن إسرائيل في السلم أشد مهارة في العدوان منها في الحرب المفتوحة. ونموذج وقف إطلاق النار في لبنان، كما سبقه من هدنات متكررة في غزة، شاهد على ذلك، حيث استمرت سياسات التجويع والحصار والإبادة البطيئة حتى في فترات الهدنة. في هذا السياق، تتحول الهدنة نفسها إلى أداة قتال، بل إلى وسيلة غدر واغتيال، ولا بد من التذكير بأن إسرائيل لم تنشأ أصلاً إلا على قاعدة هدنة استُغلت قبل سبعة وسبعين عاماً لترسيخ واقع استعماري دائم.
وعليه، فإن هذه المواجهة ستبقى صفراً مقابل صفر، وتستمر بأشكال غير مباشرة إذا توقف إطلاق النار، إلى أن يقضي أحد النظامين على الآخر. ومصلحة الأمة بأسرها، من منظور استراتيجي شامل، تكمن في الانتصار الكامل لإيران، لأن البديل كارثي بكل المقاييس. فالحرب اندلعت لأن إسرائيل تواجه خطرين وجوديين متلازمين: محور مقاوم تقوده إيران، وأغلبية عربية متجذرة في فلسطين التاريخية. وإذا نجحت إسرائيل، لا سمح الله، في ضرب قلب هذا المحور عبر طهران، أو حصلت على هدنة طويلة تتيح لها التقاط الأنفاس، فلن تتوقف عند ذلك، بل ستواصل السعي لتصفية الخطر الثاني، أي الوجود العربي نفسه، وستبقى غزة، بكثافتها السكانية وقدرتها القتالية، رأس الحربة في هذا الاستهداف.
الكيان المتغول، الذي لا يرى لخصومه إلا الفناء، لا يحتاج في نهاية المطاف إلى وسطاء أو حتى إلى حلفاء، بل إلى أتباع خاضعين، وإلى السيطرة على ثرواتهم التي تملأ عينه أطماعاً. وهذه الأطماع نفسها ستكون موضع تقاسم مع أي نظام جديد يأمل الغرب وإسرائيل في تنصيبه في طهران. بل إن نظاماً كهذا سيكون، بحكم ما يمتلكه من نفط وغاز وموقع استراتيجي بين روسيا والصين، وبحجم إيران الجغرافي والبشري، أقرب إلى إسرائيل والولايات المتحدة من أي نظام آخر في المنطقة، ما سيقلص الوزن النسبي لبقية الحلفاء والوسطاء، ويعيد تشكيل الخريطة الإقليمية لمصلحة محور واحد.
من هنا، يصبح واضحاً أن ما يجري ليس خلافاً عابراً، بل ثأراً عاماً للأمة. ومن يقدّم ثأره الخاص أو حساباته الضيقة على هذا الاستحقاق الجمعي، كمن يقدّم مصلحته الفردية على مصلحة الأمة، وهو ما تسميه الشعوب خيانة بلا مواربة. الطائفية اليوم هي السهم الأوحد المتبقي في جعبة العدو، والحياد في مثل هذه اللحظة ليس موقفاً أخلاقياً، بل منحة مجانية للخصم، مكافأة على ما ارتكبه.
لقد ارتكبت إسرائيل خطأً استراتيجياً قد يكون ثاني أكبر أخطائها بعد خطأ تأسيسها في هذه الأرض، حين ربطت بقاءها بإهلاك محاربيها ومسالميها معاً. والخطأ الأكبر أن يُعفى هذا الكيان من عواقب ما صنع لأي سبب كان، لأنه لن يعفو أحداً إذا امتلك زمام الأمر. إن قراءة مسار الأحداث، كما تؤكدها تحليلات منشورة في صحف عالمية ومراكز تفكير غربية وشرقية على حد سواء، تدل على أن المواجهة اليوم، مهما كانت كلفتها، تبقى أقل كلفة من تأجيلها. فمن خاف اليوم أو آثر الانتظار، لن يجد عدواً يؤجل له الغد.
#شبكة_انفو_بلس