مضيق هرمز بين حسابات القوة ومعادلات السوق : شريان الطاقة العالمي على حافة التصعيد
إن أي تصعيد عسكري داخل هذا الممر، حتى من دون إعلان رسمي لإغلاقه، كفيل بإحداث شلل فعلي في حركة الملاحة. شركات التأمين ترفع أقساطها فوراً
رسول حمزاتوف
في قلب المعادلة الجيوبوليتيكية للطاقة العالمية يقف ممر بحري واحد بوصفه شرياناً لا غنى عنه للاقتصاد الدولي، هو مضيق هرمز، الذي تمر عبره يومياً نحو عشرين مليون برميل من النفط، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي. هذه الكتلة الهائلة من الإمدادات لا تمثل مجرد أرقام في جداول التجارة الدولية، بل تجسد توازناً دقيقاً بين العرض والطلب، وأي اهتزاز فيه يتردد صداه في كل بورصة وكل مصنع وكل منزل حول العالم. ويضاف إلى النفط عنصر أكثر حساسية هو الغاز الطبيعي المسال، إذ يمر عبر المضيق ما يقارب خمس تجارة الغاز المسال عالمياً، بينما تضخ قطر وحدها قرابة 9.3 مليارات قدم مكعب يومياً من الغاز عبر هذا المسار الحيوي، ما يجعل أي تعطيل فيه تهديداً مباشراً لمنظومات الكهرباء والصناعة في آسيا وأوروبا على حد سواء.
إن أي تصعيد عسكري داخل هذا الممر، حتى من دون إعلان رسمي لإغلاقه، كفيل بإحداث شلل فعلي في حركة الملاحة. شركات التأمين ترفع أقساطها فوراً، وشركات الشحن تعيد حساب مساراتها، وبعض الناقلات تتوقف بانتظار اتضاح المشهد. الأسواق لا تنتظر وقوع النقص الفعلي كي تتفاعل؛ فهي تسعر المخاطر سلفاً. خلال الساعات الاثنتين والسبعين الأولى من أي تعطيل واسع، من المرجح أن يقفز سعر البرميل إلى حدود 100 دولار، مع تقديرات تضعه عند 110 دولارات، وفق ما درجت على تحليله مؤسسات مالية كبرى وتقارير دورية صادرة عن صحف اقتصادية عالمية مثل فايننشال تايمز ووكالات مثل بلومبرغ ووكالة الطاقة الدولية. هذه الزيادة لا تعكس نقصاً مادياً فورياً بقدر ما تعكس ذعراً استباقياً وتوقعات بعجز وشيك.
وإذا استمر التعطيل لأسبوع، فإن المشهد ينتقل من مستوى الخوف إلى مستوى العجز الفعلي. فحجم النفط الذي يمر عبر المضيق يتراوح بين 20 و21 مليون برميل يومياً، في حين أن البدائل المتاحة محدودة للغاية. هناك خط الأنابيب السعودي الممتد إلى البحر الأحمر الذي يستطيع نقل نحو خمسة ملايين برميل يومياً، وخط إماراتي إلى الفجيرة بطاقة تقارب مليوناً ونصف المليون برميل يومياً. أي أن أقصى تحويل سريع لا يتجاوز ستة ملايين ونصف المليون برميل يومياً، ما يترك فجوة نظرية قد تصل إلى أربعة عشر مليون برميل يومياً، وهو رقم يفوق قدرة السوق على الامتصاص السلس، ويضع منظومة الطاقة العالمية أمام اختبار غير مسبوق في العقود الأخيرة.
قد يُطرح المخزون الاستراتيجي للولايات المتحدة كصمام أمان. غير أن القدرة القصوى للسحب اليومي تقدر بنحو 4.4 ملايين برميل، فضلاً عن أن تدفق هذه الكميات إلى السوق يحتاج إلى ما يقارب ثلاثة عشر يوماً من لحظة اتخاذ القرار، ما يجعله أداة لشراء الوقت وتهدئة الأسواق أكثر منه حلاً جذرياً للفجوة المحتملة. كما أن أي سحب واسع النطاق يظل إجراءً مؤقتاً لا يعوض فقدان شريان دائم بحجم هرمز.
غير أن التأثير الأعمق قد يأتي من جانب الغاز. فتعطل نحو 20 في المئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال سيصيب الصناعة العالمية في مقتل. الاقتصادات الآسيوية الكبرى ستواجه ارتفاعاً حاداً في كلفة الكهرباء، ما ينعكس فوراً على الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، من البتروكيماويات إلى الأسمدة والصلب. هذا الارتفاع يغذي موجة تضخمية جديدة، ويضغط على سلاسل الإمداد العالمية التي لم تتعافَ بالكامل من اضطرابات الأعوام الماضية. ومع اتساع الفجوة بين كلفة الطاقة وقدرة المستهلكين، تجد البنوك المركزية نفسها أمام معضلة: إما تشديد السياسة النقدية لمواجهة التضخم، بما يحمله ذلك من كبح للنمو، أو ترك الأسعار ترتفع مع ما يرافق ذلك من تآكل القوة الشرائية.
الأسواق المالية بدورها تدخل في حالة تقلب حاد؛ الأسهم تتأرجح بين قطاعات رابحة وأخرى خاسرة، والذهب يتحرك بوصفه ملاذاً آمناً، فيما تتعرض عملات الدول المستوردة للطاقة مثل الهند ومصر واليابان وكوريا الجنوبية لضغوط إضافية على ميزان المدفوعات. هذه التداعيات ليست نظرية، بل تستند إلى تجارب سابقة أكدت فيها تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أن صدمات الطاقة الكبرى تترك آثاراً مباشرة على معدلات التضخم والنمو والاستقرار المالي.
وعليه، فإن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي ضيق بين سواحل متقابلة، بل هو نقطة ارتكاز في بنية الاقتصاد العالمي، وزر استراتيجي تتحسس العواصم الكبرى تبعات الضغط عليه. إغلاقه أو حتى تعطيل الملاحة فيه يمكن أن يدفع أسعار النفط إلى مستويات لم يشهدها العالم منذ سنوات، ويضع الاقتصاد الدولي أمام اختبار قاسٍ لقدرة أنظمته المالية والنقدية على امتصاص الصدمات. في لحظة كهذه، لا يتعلق الأمر بسعر برميل فحسب، بل بمستقبل الاستقرار الاقتصادي العالمي وتوازنات القوة في النظام الدولي، وما إذا كانت الأطراف الفاعلة ستختار مسار التصعيد أو ستدرك أن كلفة الانفجار تتجاوز حدود الجغرافيا لتصيب العالم بأسره.