هشاشة القوة العظمى : حاملات الطائرات الأمريكية بين وهم التفوق وتحديات الحرب غير المتماثلة
قدّم التاريخ القريب مثالاً بالغ الدلالة على ذلك في حادثة المدمرة الأمريكية يو إس إس كول، حين تعرضت في الثاني عشر من تشرين الأول/أكتوبر عام 2000 لهجوم انتحاري بزورق مفخخ أثناء تزوّدها بالوقود في ميناء عدن، ما أدى إلى مقتل سبعة عشر بحاراً أمريكياً
رسول حمزاتوف
إن تضخيم القوة المادية للسفن الحربية الكبرى، ولا سيما حاملات الطائرات الأمريكية التي تُعد الأضخم والأكثر كلفة وتسليحاً في التاريخ المعاصر، كثيراً ما يُغري بالاعتقاد بأنها كيانات منيعة لا تُقهر، غير أن التحليل الاستراتيجي الرصين يُظهر أن كل منظومة عسكرية، مهما بلغت من التعقيد والتطور، تنطوي على نقاط هشاشة بنيوية ووظيفية، تتصل بطبيعة اعتمادها الكثيف على أنظمة القيادة والسيطرة والاتصال والحوسبة والاستشعار، وهي منظومات أصبحت اليوم في مرمى أدوات قتال غير متماثلة منخفضة الكلفة وعالية الأثر، كالمسيّرات والقدرات السيبرانية والتشويش الإلكتروني، الأمر الذي يفرض إعادة تقييم عميقة لمعادلة الكلفة والعائد في القوة البحرية الحديثة.
وقد قدّم التاريخ القريب مثالاً بالغ الدلالة على ذلك في حادثة المدمرة الأمريكية يو إس إس كول، حين تعرضت في الثاني عشر من تشرين الأول/أكتوبر عام 2000 لهجوم انتحاري بزورق مفخخ أثناء تزوّدها بالوقود في ميناء عدن، ما أدى إلى مقتل سبعة عشر بحاراً أمريكياً وإصابة العشرات وإحداث ثغرة واسعة في هيكل السفينة، وانتهت العملية بسحب المدمرة وإخراجها من الخدمة القتالية لفترة طويلة بكلفة إصلاح تجاوزت مئات الملايين من الدولارات، فضلاً عن آثار سياسية وأمنية عميقة على الوجود البحري الأمريكي في المنطقة.
ولم تكن تلك الحادثة معزولة في سجل البحرية الأمريكية؛ فقد سبقتها ولاحقتها وقائع أخرى كشفت قابلية السفن المتطورة للتعطيل أو الاستهداف، من بينها حادثة الفرقاطة يو إس إس ستارك عام 1987 التي أُصيبت بصاروخين خلال الحرب العراقية–الإيرانية، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى، وكذلك استهداف السفينة يو إس إس صامويل بي. روبرتس بلغم بحري عام 1988، إضافة إلى حوادث حديثة تناولتها كبريات الصحف والمؤسسات البحثية العالمية مثل رويترز ونيويورك تايمز والإيكونوميست ومعاهد الدراسات الاستراتيجية، والتي ناقشت بعمق تحولات التهديد في البيئات البحرية، وتنامي فعالية الوسائل غير التقليدية في فرض معادلات ردع جديدة.
إن الخلاصة الجيوسياسية التي تتقاطع عندها هذه الوقائع هي أن التفوق الكمي والنوعي، مهما بلغ، لا يُغني عن إدراك محدوديات القوة الصلبة حين تواجه ابتكارات غير متماثلة تُربك أنظمة السيطرة وتُعطّل سلاسل القرار، وأن الخطاب السياسي الدعائي الذي يركّز على الحجم والكلفة والهيبة وحدها يتجاهل دروس الواقع المتغيّر، حيث باتت معادلات الأمن البحري مرهونة بمرونة المنظومات وقدرتها على الصمود والتكيّف بقدر ارتهانها للضخامة والتسليح.