إيران تدير حرب الزمن وتستنزف واشنطن بإطالة أمد الصراع
انهيار الحسابات الأمريكية
انفوبلس..
تُظهر التطورات الميدانية والسياسية للحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران أن طهران نجحت في تحويل عامل الزمن إلى عنصر أساسي لصالحها، فقد قامت إيران، منذ اللحظة الأولى، بتفعيل عقيدتها القائمة على "الدفاع الفسيفسائي" وتحويل الحرب إلى صراع طويل المدى، مُعتمدةً على توزيع القيادة، وتعبئة القواعد.
هذا الأسلوب الاستراتيجي شكّل فرملة لمسار الحسم السريع الذي خططت له واشنطن وتل أبيب؛ إذ حوَّل النقاش نحو مفاوضات تأخذ وقتًا طويلاً، ورفع كلفة الحرب تدريجيًا على الاقتصاد الأمريكي والعالمي.
وفي أثناء ذلك، تمكّنت إيران من إدارة الصراع داخل أراضيها وبقيادة لامركزية، ما منع انهيار قيادتها رغم بعض الخسائر المبكرة.
أظهرت الحرب أن إيران كانت تضع ضمن أولوياتها استغلال مضيق هرمز كعنصر ضغط بحري، والركون إلى صبر داخلي ودعم شعبي مبني على سردية مقاومة متجذرة.
وقد أجمعت تصريحات مسؤولين من طهران على أن الصمود الطويل سيُجبر واشنطن في النهاية على التراجع، فيما حذر مسؤولون أمريكيون من أن طهران تسعى لكسب الوقت استراتيجياً.
وتؤكد الأدلة التاريخية والعملية أن استراتيجية إطالة الصراع خلقت توازنًا سياسياً لصالح إيران وأرهقت خصمها، ما يطرح معادلات جديدة في إدارة الصراع الدولي.
العقيدة الإيرانية: من الحسم إلى حرب الاستنزاف
تؤكد مصادر غربية وإيرانية معاً أن النخبة العسكرية الإيرانية لم تبن جيشاً من أجل حسم نزاع سريع، بل من أجل خوض صراع طويل، فقد ذكرت تقارير أن وزير الخارجية عباس عراقجي قال إن طهران أمضت عقدين من الزمن تدرس حروب واشنطن لبناء نظام قادر على القتال حتى لو قُصفت العاصمة.
ويعكس ذلك عقيدة الدفاع الفسيفائي الإيرانية التي تفترض أنه "في أي حرب مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، قد يفقد الإيرانيون قادتهم ومراكزهم وسيطرتهم المركزية، لكن يجب أن تظل قادرة على القتال".
برأي خبراء عسكريون، هذه العقيدة ترتكز على مبدأ نقل الصراع إلى اختبار صمود؛ فقد صاغت القيادة الإيرانية رؤيتها الجديدة بعد سقوط الحكم المركزي في العراق (2003)، إذ قررت التركيز على البقاء والصبر بدلاً من المواجهة المتماثلة.
وبذلك أصبح الهدف ليس الحسم العسكري السريع بل استنزاف العدو؛ فكل طائرة مسيّرة أو صاروخ إيراني رخيص الثمن يكلف الدفاع الأمريكي والصهيوني ثمناً أعلى، الأمر الذي يجعل "إطالة الحرب بحد ذاتها وسيلة ضغط".
يشرح تحليل لمنصة “منتدى الخليج الدولي "أن هدف إيران الرئيسي هو صمود كافٍ ليجبر واشنطن على التراجع سياسياً، فكل زيادة في أسعار النفط أو تعطيل في الملاحة البحرية يعزز من الضغط الداخلي على الإدارة الأمريكية.
كما أشار محللون سياسيون، إلى أن "إطلاق كل طائرة مسيّرة، وتأخير كل ناقلة نفط، وارتفاع الأسعار، ينقل الحرب تدريجيًا من ميادين القتال إلى الساحة السياسية، حيث يبدأ الضغط الشعبي والاقتصادي بالتأثير في قرارات واشنطن".
تجسيد الاستراتيجية: قيادة لا مركزية ومقاومة شعبية
ترجمةً لهذه العقيدة، عمدت إيران إلى تفكيك هرم القيادة وإعداد خطة للخلافة عند الحاجة، فالجيش الإيراني والقوات الشعبية (الباسيج) تمّ بناؤهم للعمل بشكل موزّع؛ فإذا استُشهد قائدٌ ما، يتولى آخر محله فوراً.
كما هو الحال حسبما أعلن نائب وزير الدفاع الإيراني رضا طلائي أنه "تم تنظيم مهام كل وحدة وقسم بطريقة إذا ما قُتل أي قائد، يتولى الذي خلفه مهامه فورًا".
هذا الانتشار اللامركزي سمح لإيران بـ"إدارة الحرب من الأسفل"؛ وبذلك فإن الحرب يمكن أن تستمر من الأسفل حتى لو تدهور القياديُّ الأعلى.
وقد ظهر هذا جليّاً حينما واصلت قوات حرس الثورة الإسلامية عملياتها رغم استشهاد القيادة العليا في الغارات الأولى، ويرى خبراء أن تفوُّق طهران كان في تحجيم تأثير الضربة الأولى، مما حول الصراع إلى غرفة مقاومة متتابعة بدل الاعتماد على حسم واحد.
الحصار البحري والطاقة
اتخذت إيران من مضيق هرمز نقطة مركزية لاستراتيجيتها الزمنية؛ إذ يمثل إغلاقه أو تهديد الملاحة فيه ضغطًا اقتصادياً عالمياً، فقد أغلقت إيران المضيق فعليًا، ما عطّل نحو 20% من إمدادات النفط العالمية.
وكشفت مصادر أمريكية أن طهران قدّمت مقترحًا عبر وسطاء يفصّل أولوياتها: "إنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز أولاً، وتأجيل المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة" وهذا يشير إلى أن إيران تربط استمرار وقف الحرب بتخفيف الحصار.
يسلط هذا الضغط الاقتصادي المتزايد على واشنطن أعباء داخلية وخارجية، فقد ارتفعت أسعار النفط إلى ما يزيد على 100 دولار للبرميل بعد انقطاع إمدادات الخليج، ما ضغط على الأسواق العالمية والناخبين الأمريكيين على حد سواء".
وبحسب مسؤول في البنتاغون، بلغت تكلفة الحرب على الخزينة الأمريكية 25 مليار دولار حتى نهاية أبريل 2026، كما أوردت وكالة "رويترز" أن شركات النقل النفطية التجارية تغيّرت توجهاتها خوفًا من تصعيد إيراني.
إرباك وتخبط أمريكي - إسرائيلي
أدركت واشنطن سريعًا أن المعادلة اختلفت، فالرئيس ترامب أعلن في الأيام الأولى للحرب أن القوات الأمريكية "أسقطت تقريبًا كل الأهداف"، متوقعًا أن تنتهي العملية "خلال 4-5 أسابيع".
إلا أن جمود الموقف الإيراني وخيارات طهران التفاوضية أظهرا عكس ذلك، فقد غرّد ترامب مطلع مايو: "إنهم لا يعرفون كيف يبرمون صفقة من دون النووي"، بينما تراجع موقفه ببطء مع ارتفاع خياره السياسي داخليًا.
من جانبها حذّرت أوساط أمريكية من أن إيران "تحاول كسب الوقت" عبر هذه المقترحات، فصرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قائلاً إن "على واشنطن أن تضمن ألا تسمح لإيران بالتمكن من إطلاق سلاح نووي في أي وقت"، مضيفًا: "إنهم مفاوضون جيدون ويحاولون شراء الوقت".
تعزيز الاستنزاف وسقوط شعبية ترامب
وبالفعل، أشار خبراء أمريكيون إلى أن تشديد واشنطن لنظام العقوبات كفيل بإطالة أمد الصراع، وأن أي تصعيد إضافي — مثل فرض حصار بحري كامل أو تنفيذ ضربات جديدة — قد يعزز استراتيجية الاستنزاف التي تعتمدها إيران.
على الأرض، انعكست الحرب أيضًا في هزات سياسية داخل الولايات المتحدة، فمع تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع أسعار البنزين، سقطت شعبية ترامب إلى أدنى مستوياتها في استطلاعات الرأي.
وحتى في الأوساط الإسرائيلية، لاحظ المحللون صعوبة تحقيق أهداف سريعة؛ فقد ذكر رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلي أن الحرب لن تنتهي إلا بتغيير النظام في طهران، فيما يعد هذا الطرح الأصعب على إيران سياسياً.
مناورات الوقت وانعكاساتها
نجحت إيران في وضع واشنطن أمام معضلة زمنية: إما الاستمرار في حرب قد تستنزفها تدريجياً، أو التراجع وتكريس انتصار سياسي لطهران، ففي السيناريو الأول، لو دخلت الحرب مرحلة طويلة، فإن من شأنها أن تعمّق حالة التعب لدى الرأي العام الأمريكي وحلفائه الخليجيين الذين تضررت منشآتهم، وقد تدفعهم لإعادة تقييم ثقتهم بنوايا واشنطن، أما السيناريو الثاني، فتعتبره طهران على "انتصار باقٍ" يخرج فيه القوة العظمى خاسرة سياسياً، مما يعزز من مكانة نظام المقاومة في المنطقة
من الناحية الاقتصادية، سُجلت بالفعل خسائر مؤثرة على واشنطن ودول الخليج المنتجة: ارتفاع عام في التضخم وتراجع أسعار الأسهم قبيل النصف الثاني من 2026، بالإضافة إلى الضغط على ميزانية الدفاع الأمريكية بسبب تكلفة الحروب وعمليات الانتشار.
ضخامة التكلفة
أظهرت تجربة الحرب أن الزمن نفسه أصبح سلاحًا استراتيجيًا في النزاع، فإيران بعقيدتها المدروسة ومبنياتها اللوجستية والأيديولوجية، حولت مقاومتها إلى صبر مديد استطاع استنزاف الثقة الأمريكية.
أما واشنطن فتلقّت درساً من أثر الخصم طويل النفس: فقد بات واضحاً أن أي حسم عسكري سريع ضد نظام مصمم على الصبر سيعقّد الحسم نفسه.
وفي ضوء المعطيات المتراكمة، يتضح أن استمرار العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران يفرض كلفة متصاعدة تتجاوز البعد العسكري إلى تداعيات اقتصادية وسياسية عميقة، ما يستدعي مراجعة جدية لمسار التصعيد، ففاتورة الحرب التي بلغت مستويات غير مسبوقة، إلى جانب انعكاساتها على التضخم العالمي وأسواق الطاقة، تضع واشنطن أمام معادلة معقدة قد تدفعها لإعادة تقييم استراتيجيتها.
وتشير تقديرات الخبراء إلى أن المسار الدبلوماسي لم يعد خيارًا ثانويًا، بل يمثل المخرج الواقعي الوحيد، عبر إطلاق عملية تفاوضية تبدأ بوقف الحرب ورفع الحصار الاقتصادي، ثم الانتقال إلى معالجة الملفات الخلافية ضمن جدول زمني واضح وضمانات متبادلة.
وفي المقابل، يتطلب استمرار إيران في مواجهة الضغوط، الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية وتعزيز وحدة الموقف الشعبي، وهو ما أشار إليه محمد باقر قاليباف بقوله إن الحفاظ على الوحدة يمثل الركيزة الأساسية لمواجهة الضغوط الخارجية.
إدارة الوقت تساوي إدارة ميادين
على مستوى الإقليم، يكشف مسار الحرب عن هشاشة الرهان المطلق على الحماية الأمريكية، ما يدفع بعض الدول إلى إعادة النظر في مقارباتها الأمنية والاقتصادية، خصوصًا في ظل تقلبات أسواق الطاقة، والبحث عن توازنات جديدة تقوم على تنويع الشراكات وتعزيز التعاون الإقليمي.
في خضم هذا الصراع، أثبتت إيران أن إدارة الوقت تساوي إدارة ميادين القتال، والزمن ليس عامل انتظار بقدر ما هو حلبة ضغط، وكل يوم من التأخير يقلب الموازين شيئاً فشيئاً، يتطلب الموقف الآن حذراً متبادلاً وحلّاً سياسياً سريعاً قبل أن يترتب مزيد من الخسائر على الجميع.
