العراق يحدد 2028 لوقف حرق الغاز وخارطة تحول شاملة لقطاع الطاقة الوطني
فجوة طموح وواقع
انفوبلس..
يمضي العراق بخطوات متسارعة نحو إعادة رسم خريطة قطاع الطاقة، عبر خطط تستهدف إنهاء حرق الغاز المصاحب، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الوقود، وتعزيز أمن الكهرباء، ضمن جداول زمنية تمتد حتى عامي 2028 و2030.
هذه التحركات، التي تتقاطع مع التزامات بيئية واقتصادية، تواجه تحديات استثمارية وحكومية، لكنها تسجّل في الوقت ذاته مؤشرات تقدّم لافتة على مستوى الإنتاج والمشاريع الاستراتيجية.
خارطة طريق لوقف حرق الغاز
حددت بغداد عام 2028 موعدًا نهائيًا لوقف حرق الغاز في العراق، بالتزامن مع تسجيل أعلى معدلات إنتاج للطاقة الكهربائية بلغت قرابة 29 ألف ميغاواط. ويأتي هذا التوجه ضمن استراتيجية حكومية أوسع تهدف إلى تقليص الاعتماد على الاستيراد، وتعظيم الاستفادة من الموارد الوطنية.
وقال رئيس حكومة تصريف الأعمال، محمد شياع السوداني، في تصريحات صحفية، إن العراق يستهدف إيقاف استيراد الغاز بشكل كامل بحلول عام 2028، مع التوقف التام عن حرق الغاز المصاحب للعمليات النفطية.
وأوضح السوداني، خلال مشاركته في مؤتمر العراق للطاقة 2026، أن البلاد تعمل وفق خطة طموحة لتطوير قطاع الطاقة، تتضمن الوصول بحلول عام 2030 إلى تصدير 40% من النفط الخام على شكل مشتقات نفطية عالية القيمة.
وبيّن أن هذه الخطة تستند إلى زيادة قدرات قطاع التصفية، وإنهاء عمليات استيراد المشتقات، إضافة إلى استثمار 74% من الطاقة الغازية المتاحة، وإيقاف استيراد الغاز خلال السنوات القليلة المقبلة.
ويُنظر إلى وقف حرق الغاز واستثماره بوصفه أحد الحلول الرئيسة لتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتقليص فاتورة الاستيراد، فضلًا عن الوفاء بالتعهدات المناخية التي التزم بها العراق على المستوى الدولي.
مشاريع الغاز والطاقة الكهربائية
ينفّذ العراق حزمة من المشروعات الهادفة إلى وقف حرق الغاز المصاحب، ضمن مساعيه لتأمين احتياجات محطات الكهرباء والصناعات المختلفة من الوقود المحلي. ورفعت وزارة النفط إنتاج الغاز الجاف من 1.3 مليار قدم مكعبة قياسية يوميًا إلى 1.8 مليار قدم مكعبة قياسية يوميًا، عبر إنجاز عدد من المشاريع التي نفذتها الشركات الوطنية بالتعاون مع شركات عالمية متخصصة.
وتمكّن العراق خلال عام 2025 من خفض كمية الغاز المحروق إلى نحو 20%، في إطار جهود متواصلة لتلبية الطلب المتزايد والحد من الاستيراد. ويستهدف البرنامج الحكومي الوصول إلى معدل إنتاج يبلغ 3 مليارات قدم مكعبة قياسية يوميًا بحلول عام 2030، مع إيقاف حرق الغاز في الحقول النفطية خلال السنوات القليلة المقبلة.
وتضمنت الخطة الحكومية تحويل الغاز المحروق إلى مصدر طاقة نظيفة لدعم محطات الكهرباء والصناعات المرتبطة بها، بما ينسجم مع متطلبات الحفاظ على البيئة والصحة العامة، والالتزامات الدولية، ومنها اتفاق باريس للمناخ لعام 2016، الذي يهدف إلى خفض الانبعاثات الحرارية بحلول عام 2030.
الكهرباء وأمن الطاقة والتحول الأخضر
على صعيد الكهرباء، بلغت معدلات الإنتاج في العراق نحو 29 ألف ميغاواط، في وقت يجري فيه العمل على إضافة 7500 ميغاواط من الطاقة الكهربائية عبر مشاريع الطاقة الشمسية، موزعة على 15 مشروعًا في عدد من المحافظات. كما يشهد القطاع تعاونًا مع شركتي جنرال إلكتريك الأميركية وسيمنس الألمانية لإنشاء محطات جديدة وتطوير القدرات القائمة.
وأنجز العراق شبكة كهرباء عالية الكفاءة من خلال تحديث قطاعي النقل والتوزيع وتقليل الضائعات، إلى جانب إطلاق مشاريع استراتيجية في حوكمة الموارد المائية، وتحقيق توازن تدريجي بين الاقتصاد الكربوني والاقتصاد الأخضر. ويمثل تعزيز أمن الطاقة والمياه ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد الوطني وتنويع مسارات الطاقة في الإنتاج والتصدير.
وفي هذا الإطار، كثّف العراق جهوده للانضمام إلى مبادرات دولية تهدف إلى القضاء على حرق الغاز المصاحب، مستهدفًا إنهاء الحرق الروتيني بالكامل بين عامي 2028 و2030، بما يسهم في تقليل التلوث والاستفادة من الطاقة المهدرة. ويبرز التعاون مع البنك الدولي، ومبادرة (ZRF)، ومشروع توتال إنرجيز ضمن أبرز المسارات الرامية إلى استثمار الغاز بشكل كامل، ودعم التحول نحو الاقتصاد الأخضر.
التحديات الاستثمارية وانبعاثات الميثان
رغم هذه الخطوات، لا تزال تحديات ضعف الاستثمارات ماثلة في قطاع الغاز. وفي هذا السياق، قالت مدير معهد حوكمة الموارد الطبيعية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، لوري هايتايان، إن العراق يمثل حالة كاشفة للتحديات الهيكلية، فعلى الرغم من كونه ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك، فإنه لا يزال مستوردًا صافيًا للغاز الطبيعي، نتيجة عقود من حرق الغاز المصاحب وضعف الاستثمارات في التقاطه ومعالجته.
وأضافت هايتايان أن العراق كان يحرق حتى وقت قريب نحو 18 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا، ما وضعه في المرتبة الثانية عالميًا بعد روسيا، مشيرة إلى أن ذلك أدى إلى ارتفاع كثافة انبعاثات الميثان، نتيجة الحرق الروتيني والتسربات وتهالك البنى التحتية.
وأوضحت أن غاز الميثان يُعد من أخطر الغازات الدفيئة على المدى القصير، إذ يفوق تأثيره الاحتراري ثاني أوكسيد الكربون بعشرات المرات، وأن قطاع النفط والغاز يسهم بنحو ربع انبعاثات الميثان عالميًا، ما يجعل أداء شركات النفط الوطنية عاملًا حاسمًا في أي جهود جادة لمواجهة تغيّر المناخ.
واستدركت هايتايان بالإشارة إلى التطورات الإيجابية التي شهدها العراق، ولا سيما إطلاق مشاريع كبرى لالتقاط الغاز، أبرزها مشروع مجمع غاز أرطاوي، إلى جانب مشاريع أخرى في الحقول الجنوبية والشمالية. كما انضم العراق إلى مبادرات دولية لإنهاء الحرق الروتيني بحلول عام 2028، غير أن الفجوة بين الطموحات والنتائج لا تزال قائمة.
وفي السياق ذاته، لفتت إلى أن معهد (NRGI) أصدر في تشرين الأول 2025 تقريرًا بعنوان “القياس من أجل الإدارة”، أظهر تفاوتًا واضحًا في أداء شركات النفط الوطنية في قياس انبعاثات الميثان والإفصاح عنها، مؤكدة أن التحدي في العراق لا يقتصر على الجانب التقني، بل يمتد إلى الحوكمة والمساءلة والشفافية، وضرورة التعامل مع الميثان كقضية أمن طاقة واقتصاد وطني.