التعرفة الجمركية والاحتساب المسبق يُغيّران قواعد التجارة ويرفعان المخاوف المعيشية
إصلاح متأخر مكلف
انفوبلس..
مع دخول عام 2026، وجد السوق العراقي نفسه أمام واحدة من أكثر التحولات الاقتصادية حساسية منذ سنوات، بعد الشروع الفعلي بتطبيق التعرفة الجمركية، والاحتساب الكمركي المسبق، ونظام التأمينات الضريبية.
هذه الإجراءات، التي ظلت مؤجلة لأكثر من عقد رغم إقرارها قانونياً، أعادت فتح ملف العلاقة المعقدة بين الإصلاح الاقتصادي والاستقرار المعيشي، وسط تساؤلات حادة حول جاهزية التطبيق، وحدود انعكاساته على الأسعار، وحركة التجارة، وقدرة الدولة على حماية المواطن من تبعات قرارات وُصفت بأنها صحيحة في جوهرها، لكنها إشكالية في توقيتها وآليات تنفيذها.
متغيرات 2026… الاقتصاد يدخل مرحلة التنفيذ المؤجل
برزت مع إطلالة العام الجديد متغيرات أساسية أعادت رسم مشهد استيراد السلع في العراق، تمثلت بتفعيل التعرفة الجمركية، واعتماد الاحتساب الكمركي المسبق، وتطبيق التأمينات الضريبية، وسط قلق متصاعد من انعكاساتها المباشرة على الأسعار واستقرار السوق المحلية.
مراقبون اعتبروا أن هذه التحولات، التي دخلت حيز التنفيذ مطلع 2026، كشفت فجوة مزمنة بين النص القانوني والتطبيق العملي، وأعادت إلى الواجهة نقاشاً مؤجلاً حول طبيعة الإصلاحات الاقتصادية وحدود أثرها الاجتماعي، خصوصاً في بلد يعتمد بدرجة عالية على الاستيراد لتغطية احتياجاته الأساسية.
وبحسب مختصين، فإن التعرفة الجمركية التي بدأ العمل بها ليست قراراً طارئاً أو وليد ظرف سياسي جديد، بل تنفيذا متأخرا لقانون نافذ منذ عام 2010، ظل معطلاً لأكثر من عقد بفعل اعتبارات سياسية وإدارية، ما جعل الأسواق تتعامل طويلاً مع واقع لا يعكس الكلفة الحقيقية للاستيراد، وأسهم في تشوهات واسعة داخل المنظومة التجارية.
خبير يشرح ما تغيّر في عمليات الاستيراد
قدّم الخبير الاقتصادي والأكاديمي منار العبيدي قراءة تفصيلية لما جرى في عمليات الاستيراد منذ 1 كانون الثاني/يناير 2026، موضحاً أن عدداً كبيراً من التجار تفاجأ بتطبيق حزمة من الإجراءات الجديدة، رغم أنها لم تكن مفاجئة من حيث المبدأ، إذ سبقتها أشهر من الندوات والحوارات والاجتماعات مع الجهات المعنية.
ويؤكد العبيدي أن المشكلة تكمن في أن إدراك أبعاد التغيير لا يحدث فعلياً إلا بعد دخوله حيز التنفيذ، وهو ما تكرر مع هذه الإجراءات.
ويلخص العبيدي ما جرى بثلاث نقاط رئيسية، أولها تطبيق التعرفة الكمركية، حيث يعتقد البعض أن الحكومة الحالية استحدثت هذا القرار، بينما الحقيقة أن التعرفة مقرّة قانوناً منذ عام 2010 بموجب قانون التعرفة الكمركية رقم (22)، لكنها لم تُطبق فعلياً طوال السنوات الماضية.
وبذلك، فإن ما جرى مطلع 2026 لا يُعد تشريعاً جديداً، بل تنفيذا متأخرا لقانون أقرته السلطة التشريعية قبل أكثر من عقد.
ضبط التحويلات وحقوق الدولة
النقطة الثانية التي يشير إليها منار العبيدي تتعلق بالاحتساب الكمركي المسبق، وهو إجراء جاء استجابة مباشرة للمخاوف المرتبطة بتهريب الأموال وتضخيم الفواتير.
ووفق هذه الآلية، يتم تحديد الرسوم والالتزامات الكمركية قبل إجراء التحويل المالي، على أن تُستوفى عند دخول البضائع فعلياً.
ويهدف هذا الإجراء إلى قطع الطريق أمام التحويلات الوهمية، والحد من تضخيم الفواتير، وضمان دخول البضائع بصورة رسمية وقانونية، مع تحصيل حقوق الدولة كاملة.
أما النقطة الثالثة، فتتمثل بتطبيق نظام التأمينات الضريبية بالاستفادة من نظام الأسيكودا، حيث تُفرض تأمينات ضريبية على البضائع المستوردة عند وصولها وفق نسب معلنة مسبقاً، على أن تُجرى في نهاية السنة المالية تسوية ضريبية نهائية، تُحتسب خلالها الضريبة المستحقة على الشركة وتُخصم من مبالغ التأمينات التي جُبيت خلال عمليات الاستيراد.
ويؤكد العبيدي أن هذه الإجراءات الثلاثة تمثل جوهر ما بدأ تطبيقه مطلع عام 2026، مشدداً على أن نسب التعرفة ليست من صلاحيات السلطة التنفيذية، بل من اختصاص السلطة التشريعية التي أقرت القانون عام 2010، وبالتالي فإن أي تعديل يجب أن يتجه نحو مجلس النواب.
تضخم متوقع وقرارات جراحية
يتطرق منار العبيدي إلى سبب ارتفاع سعر الدولار، معتبراً أنه يعكس جانباً مهماً من انحسار تهريب العملة وتضخيم الفواتير. فمع تشديد الرقابة وتطبيق الإجراءات الجديدة، اتجه الباحثون عن الدولار لأغراض غير مشروعة إلى السوق الموازي لتعويض النقص الذي طرأ على السوق الرسمي.
وبشأن شكاوى بعض التجار من صعوبة الدخول إلى المنصات أو ضعف تجاوب بعض المصارف، يرى العبيدي أن هذا الأمر متوقع في المراحل الأولى من التطبيق، وسيحتاج إلى وقت لاستيعاب جميع التجار وتنظيم عملياتهم والتحقق من سلامة الإجراءات وصحتها القانونية.
وعند الحديث عن الأسعار، يتساءل العبيدي عما إذا كانت سترتفع، ليؤكد أن ارتفاع سعر الدولار لن يكون العامل الوحيد، إذ يُتوقع أن ترتفع أسعار العديد من السلع، لا سيما الاستهلاكية منها، ما سيؤدي إلى زيادة معدلات التضخم.
وفي هذا السياق، تصبح الحاجة ملحّة لاتخاذ إجراءات اقتصادية “جراحية” لزيادة الإيرادات غير النفطية، رغم ما قد تفرضه من آثار مباشرة على المواطن في المرحلة المقبلة، مع بقاء التحدي الأهم متمثلاً بالحفاظ على استقرار أسعار الغذاء والدواء والنقل.
التطبيق الصادم.. طريبيل يحتضر والتجار ينسحبون
رغم الطابع القانوني للتعرفة، جاءت نتائج التطبيق على الأرض صادمة. فقد شهدت المنافذ الحدودية شللاً شبه كامل، وارتفاعاً حاداً في الأسعار وصل إلى 100% على بعض السلع، مع هروب جماعي للتجار نحو منافذ إقليم كردستان التي لم تطبق القرار.
منفذ طريبيل الحدودي، الذي كان يستقبل أكثر من 200 شاحنة يومياً، بات يستقبل نحو 10 شاحنات فقط، وفق ما أكده قائممقام قضاء الرطبة عماد الريشاوي، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى انهيار كامل للنشاط التجاري في المنفذ.
في المقابل، توقعت الهيئة العامة للجمارك ارتفاع إيراداتها إلى أكثر من 10 تريليونات دينار بحلول نهاية 2026، بعد أن بلغت الإيرادات في 2025 نحو 2.5 تريليون دينار، وهو رقم غير مسبوق. وأوضح مسؤولون أن التعرفة تشمل 16,400 بند جمركي بنسب تتراوح بين 5% و30%، موزعة على أربع شرائح.
القطاع الخاص والأسواق… آيفون نموذجاً للارتباك
يرى الخبير الاقتصادي عامر الكبيسي أن النظام الجمركي الجديد صحيح اقتصادياً، لكنه كارثي في التطبيق، محذراً من أن التسرع وغياب التمهيد والدعم للسلع الأساسية أدى إلى ارتفاع الأسعار بنسب تراوحت بين 10% و100%.
بدوره، حذر رجل الأعمال أحمد الصفار من أن القطاع الخاص لم يعد قادراً على تحمل تبعات التخبط الإداري، مشيراً إلى أن شمول أكثر من 16 ألف مادة بالتعرفة، ورفع الرسوم على السيارات، أدى إلى توقف استيراد العديد من السلع.
وتجسد ارتفاع أسعار الآيفون مثالاً واضحاً على انعكاسات القرار، إذ ارتفعت الأسعار بسبب الرسوم الكمركية المفروضة على الهواتف المستوردة، إلى جانب ارتفاع كلفة التصنيع عالمياً والتغيرات في الرسوم الدولية، ما دفع المستهلكين للإقبال على الشراء المبكر، وخلق طلب مؤقت زاد من اضطراب السوق.
وبين إصلاح اقتصادي طال انتظاره، وتطبيق أربك الأسواق، يقف العراق اليوم أمام اختبار حقيقي لقدرة الدولة على المواءمة بين تحصيل الإيرادات وحماية الاستقرار المعيشي، في معركة لا تُحسم بالقوانين وحدها، بل بكيفية تنفيذها.