الفتنة العابرة للحدود.. شخصيات وحسابات عراقية تحرّض على التظاهرات في إيران؟
انفوبلس/..
شهدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مؤخراً موجة احتجاجات مدعومة بشكل صريح من الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل"، استُخدمت خلالها أدوات “الحرب الناعمة” بعد إخفاق الخيارات العسكرية المباشرة. وفي الأيام الأخيرة، عادت هذه الإشكالية إلى الواجهة، ليس فقط داخل المدن الإيرانية، بل أيضاً في الفضاء الإعلامي والسياسي العراقي، حيث تحولت الاحتجاجات إلى مادة للتوظيف الطائفي والتحريض السياسي وتصفية الحسابات العابرة للحدود.
منذ اللحظة الأولى لاندلاع الاضطرابات، برز خطاب إيراني رسمي يؤكد أن ما جرى لا يخرج عن كونه محاولات فوضوية تقف خلفها جهات خارجية، مدعومة بأجهزة استخبارية معادية، تسعى إلى زعزعة الاستقرار الداخلي بعد فشلها في تحقيق أهدافها عبر المواجهة العسكرية المباشرة.
هذا الطرح يستند إلى قراءة أوسع للمشهد الإقليمي، لا سيما بعد ما تعتبره طهران “حرب الاثني عشر يوماً”، التي فشلت في كسر معادلات الردع أو إضعاف بنية النظام. وعليه، جرى الانتقال إلى استراتيجية بديلة، عنوانها الضغط من الداخل وإشعال الشارع وإرباك الدولة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي والشبكات العابرة للحدود.
مدونون عراقيون يدعمون الاحتجاج!
غير أن اللافت في هذه التطورات، لا يقتصر على ما يحدث داخل إيران، بل يمتد إلى كيفية تلقّيها وتوظيفها في دول الجوار، وعلى رأسها العراق، فبدلاً من التعاطي معها بوصفها شأناً إيرانياً داخلياً، دخلت أطراف عراقية خصوصاً عبر منصات التواصل على خط التحريض والتجييش، مستخدمة خطاباً طائفياً حاداً، ومروجة لمقاطع فيديو قديمة أو مفبركة، في محاولة لرسم صورة سوداوية تهدف إلى تضخيم الحدث، وبث الكراهية، وخلق اصطفافات داخل المجتمع العراقي نفسه.
حملات غير عفوية
بحسب مراقبين، فإن هذه الحملات الرقمية لم تكن عفوية، بل اتسمت بنمط متكرر صفحات تحمل أسماء محافظات عراقية، ومدونون معروفون بانتماءاتهم السياسية والطائفية، ركزوا فجأة على الشأن الإيراني، رغم أنهم لم يولوا اهتماماً سابقاً بما يجري داخل الجمهورية الإسلامية، سواء في أوقات الاستقرار أو الأزمات.
ويذهب محللون إلى أن بعض هذه الأطراف لا تتحرك بدافع التعاطف مع “الشعب الإيراني” أو دفاعاً عن حقوقه المعيشية، بقدر ما تحركها رغبة سياسية في رؤية خصم إقليمي يتراجع أو ينهار.
في هذا السياق، يبرز التناقض الصارخ في الخطاب الإعلامي لبعض الصفحات والشخصيات، التي ترفع صوتها عالياً عند أي اضطراب داخل إيران، لكنها تلتزم الصمت، أو تمارس التبرير، إزاء احتجاجات واسعة في دول أخرى.
فالتظاهرات التي شهدتها تل أبيب للمطالبة بإسقاط حكومة بنيامين نتنياهو، أو الاحتجاجات المستمرة في مدن أمريكية مثل مينيابوليس، وما رافقها من استخدام مفرط للقوة، لم تحظَ بالاهتمام ذاته، ولم تقدم بوصفها “ثورات” أو “انتفاضات شعبية”، كما هو الحال مع المشهد الإيراني.
انتقائية تفضح التمويل والتوجيه
هذا الانتقائية، بحسب متابعين، تكشف عن طبيعة التمويل والتوجيه، وتؤكد أن القضية ليست مبدئية، بل خاضعة لحسابات سياسية واضحة، فحين تكون الاحتجاجات في دولة مصنفة ضمن “محور المقاومة” تضخم وتستثمر وحين تقع في دول حليفة للغرب تهمش أو تبرر.
على المستوى العراقي، تثير هذه التطورات إشكاليات قانونية وأمنية. فالدستور العراقي ينص صراحة على مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، كما أن القوانين النافذة تجرم التحريض الطائفي، والدعوة إلى الفتنة، أو استخدام الأراضي والمنصات العراقية لاستهداف دول الجوار. ويشير قانون تجريم التطبيع، الذي أُقر بعد عام 2022، إلى عقوبات صارمة بحق أي نشاط يفسر على أنه دعم أو ترويج لمشاريع معادية تتقاطع مع الأجندة الصهيونية.
من هنا، تتعالى أصوات تطالب الحكومة العراقية بتحمل مسؤولياتها، ومتابعة الصفحات والشخصيات التي تجاوزت حدود النقد السياسي إلى التحريض الطائفي وتهديد مكونات اجتماعية عراقية، مستغلة الأحداث في إيران ذريعة لإشعال فتنة داخلية. ويرى قانونيون أن ترك هذا الخطاب دون مساءلة، يفتح الباب أمام انزلاقات خطيرة، خصوصاً في مجتمع لا يزال يتعافى من آثار الانقسام والصراع.
اجندات
في هذا الإطار، يقول المحلل السياسي حيدر عرب الموسوي إن “الأحداث الأخيرة كشفت الكثير من الوجوه التي كانت تخفي أجنداتها الحقيقية”، مشيراً إلى أن الخطاب الطائفي عاد إلى الواجهة بأدوات جديدة، لكن بذات العقلية القديمة. ويضيف أن “هناك من ينظر إلى الجمهورية الإسلامية من زاوية مذهبية ضيقة، ويختزل العلاقة معها في بعدها الطائفي، متجاهلاً حقائق الجغرافيا والسياسة والمصالح المشتركة”.
ويرى الموسوي أن الأصوات التي ارتفعت مؤخراً هي ذاتها التي هللت سابقاً لسقوط أنظمة في المنطقة، وراهنَت على انتقال الفوضى إلى العراق، مؤكداً أن هذه الرهانات فشلت، لأن الدولة العراقية اليوم أكثر تماسكاً، وأقدر على حماية حدودها واستقرارها الداخلي.
ويشدد على ضرورة تحرك الجهات الأمنية والقضائية لمحاسبة مروجي الفتن، وفق القانون، حفاظاً على السلم الأهلي.
تراجع الاحتجاجات
أما في الداخل الإيراني، فتشير التقارير إلى أن الاحتجاجات تراجعت بشكل ملحوظ، وأن القوات الأمنية فرضت سيطرتها على الأوضاع، مع الإعلان عن اعتقال عدد من مثيري الشغب.
كما أكدت الحكومة الإيرانية التزامها بمعالجة الأسباب الاقتصادية التي استُغلت لإشعال الاضطرابات، ووعدت بخطوات إصلاحية تهدف إلى تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين.
ويرى متابعون أن قدرة إيران على احتواء مثل هذه الأزمات لا تنبع فقط من أدواتها الأمنية، بل من تجربة تراكمت على مدى أكثر من أربعة عقود، واجهت خلالها حروباً، وعقوبات، ومحاولات عزل دولية، دون أن تفقد تماسكها الداخلي. ويؤكد هؤلاء أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاحتجاجات بحد ذاتها، بل في كيفية إدارتها، والتمييز بين المطالب المشروعة، ومحاولات الاختراق الخارجي.

