تآكل الانضباط: الوجه المليشياوي لجيش الاحتلال الإسرائيلي في عام 2026
انفوبلس/ تقرير
منذ السابع من أكتوبر 2023، لم تكن العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، والضفة الغربية، وجنوب لبنان، وصولاً إلى العمق السوري، مجرد عمليات قتالية تقليدية، بل تحولت إلى مسرح لانتهاكات واسعة النطاق أثارت تساؤلات جوهرية حول هوية الجيش الإسرائيلي.
لم يعد السؤال "هل يلتزم الجيش بالقانون الدولي؟"، بل أصبح "هل لا يزال الجيش الإسرائيلي مؤسسة منضبطة أم تحول إلى تكتلات مليشياوية خارجة عن السيطرة؟". يكشف هذا التقرير، الممتد عبر رصد دقيق للوقائع حتى مايو 2026، كيف أن "الحمض النووي المليشياوي" لجيش الاحتلال، الذي نشأ قبل تأسيس الدولة، قد طغى على قواعد الانضباط.
الحمض النووي المليشياوي.. الجذور التاريخية للاختلال
لفهم لماذا ينهب الجندي الإسرائيلي مقتنيات مدنية أو يعذب أسيراً علناً، يجب العودة إلى "دليل راوتليدج للأمن الإسرائيلي". يؤكد الخبير العسكري يعقوب عميدرور أن الجيش لم ينشأ كجيش نظامي تقليدي، بل كان نتيجة دمج أربع ميليشيات: "الهاغاناه، البالماخ، الإرغون، وشتيرن".
هذه الميليشيات ورثت الجيش "ثقافة المبادرة الفردية" على حساب "الانضباط الصارم". في الجيش الإسرائيلي، يُنظر إلى تجاوز التعليمات بوصفه "إبداعاً تكتيكياً" وليس خرقاً للقانون.
نظام التجنيد الإلزامي الذي يدفع بشباب في سن الـ 18 إلى مواقع قيادية دون تكوين نظري أو تاريخي طويل خلق "نمطاً قيادياً" يقدس المبادرة الفردية للقائد الميداني، مما يجعله سلطة مطلقة في وحدته، لا يخضع لرقابة حقيقية إلا إذا أحدثت أفعاله ضجيجاً دولياً.
وهيمنة القوات البرية على رئاسة الأركان (حيث لم يخرج رئيس أركان من خارجها إلا في حالة استثنائية) كرست نمطاً عسكرياً يتسم بالخشونة واللامركزية المفرطة، بعيداً عن صرامة أنظمة القوات الجوية والبحرية.
"سدي تيمان".. انهيار سلطة القانون العسكري
تعتبر حادثة سجن "سدي تيمان" (يوليو 2024) نقطة التحول التاريخية في العلاقة بين "الجيش" و"القانون".
حين حاولت الشرطة العسكرية التحقيق مع جنود بتهمة التعذيب والاغتصاب، واجهتهم "القوة 100" بالرفض والمواجهة المسلحة. لم يكن هذا مجرد خطأ فردي، بل كان "انقلاباً" على المؤسسة القضائية العسكرية.
والحماية السياسية التي وفرها وزير الأمن القومي إيتماربن غفير للجنود، واقتحام المستوطنين للمحكمة العسكرية، رسخا قاعدة جديدة: "الولاء للوطنية المتطرفة يعلو فوق الولاء للزي العسكري". هذا أدى إلى تآكل قدرة المدعي العسكري على المحاسبة، وأصبحت التحقيقات تُقابل بشيطنة المحققين بدلاً من معاقبة الجناة.
جغرافيا الفوضى.. من النهب إلى التجسس
في عام 2026، تحولت ساحات المعارك إلى مناطق "مستباحة".
في جنوب لبنان وغزة، وثقت صحيفة "هآرتس" عمليات نهب علنية شملت الذهب، الأثاث، والأجهزة الإلكترونية. لم يعد الجنود يخفون المسروقات، لأنهم يدركون أن القيادة في معظم الوحدات "متغاضية" (غض الطرف).
وتظهر الإفادات أن هذه الممارسات تُمارس علنا، إذ يقوم الجنود بتحميل المسروقات على مركباتهم عند مغادرتهم مناطق العمليات، دون محاولة إخفاء ذلك، وفي ظل غياب مشهود للإجراءات الانضباطية. ويجري ذلك بعلم مستويات مختلفة من القيادة العسكرية، مع وجود حالة من التساهل المؤسسي، حيث يقتصر رد الفعل في كثير من الحالات على توبيخ شفهي لا يرقى إلى مستوى التحقيق أو المحاسبة، ما يرسل ضوءاً أخضر بمواصلة النهب. ويعزز ذلك أن نقاط الشرطة العسكرية التي يُفترض أن تقوم بعمليات التفتيش ومنع التهريب أُزيلت في بعض المحاور أو لم تُفعل أساسا، ما سهل نقل المسروقات باستخدام مركبات عسكرية.
ومقتل عالم الآثار "زئيف إيرلتش" في لبنان كان الفضيحة الكبرى التي كشفت أن لواء "جولاني" بات يسمح بدخول مدنيين (صحفيين وحاخامات) لمناطق قتال دون أي ضرورة عملياتية، بل لزيارة مواقع أثرية! هذا الانتهاك يثبت أن الجيش فقد بوصلته بين كونه "قوة دفاع" وكونه "أداة سياحية/استيطانية".
وحادثة الضابط الذي هرّب بضائع إلى غزة مقابل 1.3 مليون دولار، وواقعة شقيق رئيس "الشاباك" المتهم بتهريب السجائر، تؤكد أن المنظومة العسكرية تآكلت حتى في أكثر نقاطها حساسية.
ويظهر نمط تآكل الانضباط في تقرير للجيش الإسرائيلي نفسه حول "الانضباط العملياتي والثقافة العسكرية في القتال"، وهو تقرير أعده فريق من الخبراء بقيادة الجنرال احتياط موتي باروخ، عقب مراجعة عشرات الحوادث الميدانية.
وقد تحدث التقرير عن خروقات تمس جوهر السلوك العسكري، ومن بينها إدخال مدنيين إلى مناطق قتال خارج الحدود دون إذن، واستخدام الهواتف داخل ساحات العمليات، وتشغيل أسلحة غير ملائمة للسياق القتالي، وهي ممارسات تمثل خللا في الالتزام بالإجراءات الأساسية للقيادة والتحكم.
ومن أبرز الوقائع التي تضمنها التقرير إدخال الحاخام تسفي كوستينر، وناشط الليكود رامي بن يهودا، فضلا عن مقاولين وصحفيين، إلى قطاع غزة دون تصاريح، في تجاوز للضوابط العسكرية.
كتائب الأيديولوجيا (نيتساح يهودا)
تمثل كتيبة "نيتساح يهودا" نموذجاً لما يحدث عندما تختلط "العقيدة الأيديولوجية" بـ "العمل العسكري".
تاريخ الكتيبة حافل بالانتهاكات، من مقتل عمر أسعد إلى ممارسات عنيفة ضد المدنيين.
نقل الكتيبة من الضفة إلى الجولان ثم إلى غزة لم يحل المشكلة، بل نقل "ثقافة العنف" من ساحة إلى أخرى. الفشل في لجم هذه الكتيبة يعود إلى الدعم السياسي الذي تحظى به، مما يجعلها وحدة "فوق القانون" ومحرمة على المساءلة الدولية أو المحلية.
الاستجابة المؤسسية.. هل هي إصلاح أم "تجميل"؟
رداً على الفوضى الممتدة، حاول رئيس الأركان إيال زامير(مايو 2026) استعادة الانضباط عبر:
تشكيل مديرية رقابة: لم تكن هذه المديرية سوى محاولة لامتصاص الغضب الدولي.
التهديد بالاستقالات: أدركت قيادة الجيش أن غياب الانضباط بدأ يهدد "جاهزية الجيش" لا "أخلاقيته".
ويتوقع خبراء مثل "رؤوفين غال" أن الأزمة ستتفاقم مع انتهاء الحرب، حيث سيضطر الجيش لتخفيف معايير التجنيد لسد العجز البشري، مما يعني دخول عناصر أقل انضباطاً وأكثر تطرفاً إلى صفوف القوات النظامية.
التحليل الجيوسياسي والقيمي (مايو 2026)
إن تآكل الانضباط العسكري الإسرائيلي ليس "عرضاً جانبياً" للحرب، بل هو النتيجة المنطقية لـ 20 عاماً من الخطاب المتطرف الذي غذته الحكومات المتعاقبة.
خرافة الجيش الأكثر أخلاقية: أصبحت هذه العبارة "أضحوكة" دولية. الانتهاكات المسجلة (تحطيم تمثال المسيح في دبل، تعذيب الأسرى، النهب) حولت الجيش إلى قوة تعمل بمنطق الميليشيات الطائفية.
فقدان السيطرة: الحوادث الأخيرة تؤكد أن القيادة السياسية لا تسيطر على الميدان، بل الميدان هو من يفرض إيقاعه على السياسة. عندما يقرر جندي أو قائد كتيبة القيام بفعل ما، فإن المؤسسة العسكرية لا تحاسبه، بل تحاول "إدارة الأزمة إعلامياً".
الخاتمة: إلى أين يمضي هذا الجيش؟
في مايو 2026، يقف الجيش الإسرائيلي أمام مفترق طرق. التحدي ليس في "إصلاح الانضباط" فحسب، بل في مواجهة "تفكك الهوية العسكرية". إن الدمج بين "الجيش النظامي" و"الفكر المليشياوي" أنتج كياناً عسكرياً فقد بوصلته المهنية.
إن استمرار هذا المسار سيقود الجيش الإسرائيلي إلى حالة من "التفتت المؤسسي"؛ حيث ستصبح الولاءات داخل الوحدات للقيادة العسكرية المتطرفة أو للمستوطنات أو للأيديولوجيا الدينية، بدلاً من الولاء للتراتبية العسكرية. وبناءً على ما تقدم، فإن ما يحدث في "سدي تيمان" وفي قرى جنوب لبنان ليس حوادث معزولة، بل هو "صورة مصغرة" لمستقبل جيشٍ بات يُدار بعقلية الميليشيات التي تأسس عليها قبل 80 عاماً.
إن سقوط سردية "الجيش الأخلاقي" أمام شاشات الهواتف المحمولة للجنود الذين يصورون جرائمهم، جعل العالم يرى الوجه الحقيقي للآلة العسكرية الإسرائيلية: قوة ضاربة، مدججة بأحدث التكنولوجيا، ولكنها تفتقر إلى أي رادع قيمي أو هيكل انضباطي حقيقي. إن التآكل في الانضباط ليس مؤقتاً، بل هو "تآكل هيكلي" سيحتاج إلى سنوات من المراجعة، إن وُجدت الإرادة السياسية لذلك، وهو أمر يبدو بعيد المنال في ظل المشهد السياسي الإسرائيلي الحالي.

