سبع ساعات تحت الركام: قصف إسرائيلي مزدوج ومنع الإسعاف.. كيف تحوّلت آمال خليل إلى رمز لمعركة إسكات الحقيقة؟
انفوبلس/..
لم يكن صوت الانفجار في بلدة الطيري مجرد صدى لحربٍ مستمرة، بل كان لحظة فاصلة تكثّف فيها معنى استهداف الحقيقة نفسها. في تلك البقعة من جنوب لبنان، حيث تختلط رائحة البارود بتراب الأرض التي حفظت حكايات الناس، سقطت الصحفية آمال خليل، لا بوصفها ضحية عابرة، بل كعنوان لمرحلة تتسع فيها دائرة الاستهداف لتشمل كل مَن يجرؤ على توثيق الواقع كما هو.
آمال خليل، لم تكن مجرد اسم في سجل الصحافة اللبنانية. كانت نموذجًا لمراسلة ميدانية اختارت أن تكون في قلب الحدث، لا على هامشه. على مدار أكثر من عشرين عامًا، تنقلت بين القرى الجنوبية، تكتب عن الناس، عن معاناتهم اليومية، عن صمودهم، وعن تفاصيل الحياة التي لا تصل عادةً إلى الشاشات. كانت تعرف الجنوب كما يعرف الإنسان بيته، ولذلك لم يكن غريبًا أن تُعرف بلقب “مراسلة الجنوب”.
لحظة الاستهداف: تسلسل يكشف النمط
وفق المعطيات الميدانية، لم يكن ما حدث لآمال خليل حادثًا عشوائيًا أو نتيجة خطأ في الاستهداف. البداية كانت بضربة جوية صهيونية أصابت سيارة في محيط تواجد الصحفيين. لم تمضِ لحظات حتى اضطرت آمال وزميلتها المصورة زينب فرج إلى الاحتماء في منزل قريب. هنا، كان يمكن أن تنتهي القصة بسلامة ناجين من غارة، كما يحدث في كثير من الأحيان. لكن ما جرى لاحقًا يغيّر كل شيء. تم استهداف المنزل نفسه بغارة ثانية.
هذا التسلسل - ضرب موقع أول، ثم ملاحقة الناجين إلى ملجأهم - يشير إلى نمط عملياتي صهيوني لا يترك مجالًا واسعًا للحديث عن المصادفة. إنه نمط يوحي بالملاحقة، لا مجرد الاستهداف.
الأخطر من ذلك، أن فرق الإسعاف لم تتمكن من الوصول إلى المكان لساعات طويلة. الحديث هنا ليس عن دقائق ضائعة في الفوضى، بل عن سبع ساعات كاملة، بقيت خلالها آمال خليل تحت الركام. سبع ساعات يمكن أن تصنع الفارق بين الحياة والموت.
في تلك الساعات، لم تكن المعركة فقط مع الزمن، بل مع القيود المفروضة على الوصول إلى موقع القصف. تأخر الإنقاذ لم يكن عرضيًا، بل نتيجة واقع معقد تتحكم فيه ترتيبات ميدانية تجعل الوصول إلى الضحايا مرهونًا بإجراءات تتجاوز الإرادة الإنسانية البسيطة في إنقاذ حياة.
إدانات واسعة
أدانت مؤسسات رسمية وشعبية في لبنان، استشهاد الإعلامية آمال خليل بعد استهداف منزل كانت تحتمي به من قصف إسرائيلي في بلدة الطيري.
وأعرب الرئيس اللبناني العماد جوزيف عون عن ألمه لاستشهاد آمال خليل من جراء القصف الإسرائيلي الذي استهدف بلدة الطيري، وأُصيبت فيه أيضا الإعلامية زينب فرج.
وأكد الرئيس عون أن تعمُّد إسرائيل استهداف الإعلاميين بشكل مباشر هدفه إخفاء حقيقة أعمالها العدوانية ضد لبنان، فضلا عن كونها جرائم ضد الإنسانية تعاقب عليها القوانين والأعراف الدولية وتشكل حافزاً لتدخل المجتمع الدولي لوضع حد لها.
مذكرات تنديد دولية
وأكد وزير الإعلام اللبناني بول مرقص، أن بلاده أرسلت مذكرات لهيئات دولية تنديدا بالاستهداف الإسرائيلي للصحفيين.
وشدد على أن تثبيت وقف إطلاق النار وردع الاعتداءات الإسرائيلية، يمثلان بوابة العبور الوحيدة لأي مفاوضات.
جريمة وحشية واعتداء سافر
وأدانت بلدية الطيري بأشد العبارات "الجريمة الوحشية التي ارتكبتها إسرائيل والتي استهدفت الصحفيين في اعتداء سافر".
وقالت إنّ هذا الاعتداء يُشكّل انتهاكاً صارخاً لكل القيم الإنسانية، وتعدّياً فاضحاً على القوانين والمواثيق الدولية التي تكفل حماية المدنيين والإعلاميين أثناء النزاعات، ويكشف مجدداً الوجه الحقيقي لإسرائيل القائم على البطش والغطرسة والاستخفاف بحياة الأبرياء.
وأكدت بلدية الطيري أنّ هذه الجرائم "لن تنال من إرادة أهلنا، ولن تزيدهم إلا تمسّكاً بأرضهم، والتفافاً حول خيار الصمود والمقاومة والدفاع عن البلاد والناس بكل الوسائل المتاحة في وجه أي اعتداء".
وشجبت وزارة الصحة العامة الممارسات المرفوضة التي "يدأب العدو على ارتكابها بكل إصرار"، فسجَّل خرقًا فاضحًا مزدوجًا تمثل بعرقلة جهود إنقاذ مواطنة معروفة بنشاطها الإعلامي المدني، فضلًا عن استهداف سيارة إسعاف تحمل بوضوح شارة الصليب الأحمر.
ردود الفعل: إدانة بلا أثر؟
البيانات الرسمية التي صدرت بعد الحادثة كانت حادة في لهجتها. الحديث عن “جرائم حرب”، “انتهاكات صارخة”، و”استهداف ممنهج” يعكس إدراكًا لخطورة ما جرى. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا بعد الإدانة؟
التجربة تشير إلى أن الإدانة وحدها لا تكفي. في غياب آليات محاسبة فعالة، تتحول هذه البيانات إلى جزء من الروتين السياسي، بينما يستمر الواقع على حاله.
القضية هنا ليست فقط في توثيق الانتهاك، بل في القدرة على ملاحقته قانونيًا. وهذا يتطلب جهدًا دبلوماسيًا وقانونيًا طويل الأمد، قد لا تظهر نتائجه سريعًا.
استهداف الصحافة: من عرضي إلى ممنهج
حادثة اغتيال آمال خليل لا يمكن فصلها عن سياق أوسع. خلال السنوات الأخيرة، تصاعدت وتيرة استهداف الصحفيين في مناطق النزاع، لكن ما يثير القلق بشكل خاص هو تكرار أنماط محددة: استهداف مواقع معروفة بوجود إعلاميين، ضرب مركبات، ثم قصف نقاط الاحتماء.
القانون في جهة والواقع في جهة أخرى
النصوص الدولية واضحة في حماية الصحافيين أثناء النزاعات المسلحة، وتؤكد أن استهدافهم يُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي. لكن هذه النصوص، رغم وضوحها، تقف عاجزة حين لا تجد من يفرضها.
القانون الدولي الإنساني واضح في هذا الشأن. الصحفيون يُعتبرون مدنيين طالما أنهم لا يشاركون في الأعمال القتالية، واستهدافهم يُعد انتهاكًا صريحًا. لكن المشكلة لا تكمن في غياب النصوص، بل في غياب آليات تطبيقها.
في حالة آمال خليل، كما في حالات كثيرة قبلها، من زملائها الذين تم استهدافهم بشكل ممنهج ومقصود خلال العدوان الإسرائيلي على البلاد، يبدو أن الفجوة ليست في غياب القوانين، بل في غياب المساءلة. إذ يتحول القانون إلى وثيقة أخلاقية بلا قوة تنفيذ، فيما يستمر الاستهداف كأنه أمر اعتيادي. وهنا تكمن المأساة: ليس فقط في القتل، بل في إمكانية تكراره دون رادع.
الصحفي كشاهد: لماذا يُستهدف؟
لفهم ما جرى، يجب النظر إلى دور الصحفي في مناطق النزاع. الصحفي ليس مجرد ناقل خبر، بل شاهد. وجوده يعني توثيق ما يحدث، بالصورة والكلمة. وهذا التوثيق، في عالم اليوم، يمكن أن يتحول إلى دليل.
في النزاعات الحديثة، لم يعد القتال يدور فقط على الأرض، بل أيضًا في الفضاء الإعلامي. الصورة قد تكون أخطر من الرصاصة، لأنها تبقى. الفيديو لا يمكن إنكاره بسهولة، والشهادة المكتوبة تتحول إلى أرشيف. من هنا، يصبح استهداف الصحفيين وسيلة لإفراغ الميدان من الشهود.
آمال خليل كانت تمثل هذا النوع من الصحافة: القريبة، الميدانية، غير القابلة للتشويه بسهولة. كانت تنقل الحدث من موقعه، لا من بيانات رسمية. وهذا بالضبط ما يجعل الصحفي في موقع الخطر.
تهديدات سابقة: إنذار لم يُؤخذ بجدية
قبل اغتيالها، كانت آمال خليل قد تلقت تهديدات مباشرة. رسالة عبر تطبيق واتساب حملت تهديدًا صريحًا بقطع رأسها إن لم تغادر لبنان. هذه ليست مجرد مضايقة عابرة، بل تهديد بالقتل. ورغم ذلك، استمرت في عملها.
قرار البقاء لم يكن تهورًا، بل قناعة. في إحدى تصريحاتها، أكدت أن تغطية الحرب في بلدها ليست خيارًا مهنيًا فقط، بل مسؤولية. كانت ترى أن الذهاب لتغطية حروب في أماكن أخرى بينما تُترك الحرب في وطنها دون توثيق، يمثل نوعًا من الازدواجية.
الصحافة كفعل مقاومة
في سياق كهذا، تتحول الصحافة من مهنة إلى موقف. ليس بالمعنى السياسي الضيق، بل بمعنى الانحياز إلى الحقيقة.
آمال خليل لم تكن تحمل سلاحًا، لكنها كانت تحمل رواية. وفي عالم الصراعات، الرواية ليست تفصيلًا ثانويًا، بل جزء من المعركة.
محاولة إسكات هذه الرواية لا تعني فقط إنهاء صوت، بل محاولة إعادة تشكيل الواقع كما يُراد له أن يُرى.
لكن التجربة تُظهر أن هذه المحاولات لا تنجح بالكامل. كل صوت يُسكت، يترك خلفه أثرًا، وغالبًا ما يولّد أصواتًا أخرى.


