كيف دفعت الحرب أوروبا إلى إعادة تعريف أمنها بعيدًا عن أمريكا؟
هشاشة "التحالف الغربي"
انفوبلس..
شكّلت الحرب الأميركية ـ الصهيونية على إيران نقطة تحوّل عميقة داخل أوروبا، بعدما اكتشفت العواصم الأوروبية أن واشنطن اتخذت قرار الحرب دون تشاور حقيقي مع حلفائها، ثم طالبتهم لاحقًا بتحمل الأعباء العسكرية والاقتصادية وتأمين خطوط الطاقة والملاحة.
هذا السلوك الأميركي أعاد إلى الواجهة النقاش الأوروبي القديم حول "الاستقلال الاستراتيجي"، لكنه هذه المرة جاء في سياق أكثر خطورة مع تهديد الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط وتعرض الاقتصاد الأوروبي لهزات كبيرة.
صحيفة "نيويورك تايمز" أشارت إلى أن الأوروبيين رفضوا الانخراط العسكري المباشر لأنهم "لم يريدوا أصلًا هذه الحرب"، وأن إدارة ترامب تعاملت مع أوروبا كقاعدة دعم لوجستي لا كشريك سياسي حقيقي.
في المقابل، بدأ داخل أوروبا شعور متزايد بأن الولايات المتحدة لم تعد ضامنًا مستقرًا للأمن الأوروبي، بل أصبحت مصدرًا لجرّ القارة إلى أزمات مكلفة لا تخدم مصالحها المباشرة. ولهذا برزت مجددًا الدعوات الفرنسية والألمانية لبناء منظومة دفاع أوروبية مستقلة عن القرار الأميركي.
أزمة مضيق هرمز والخلاف على تأمين الملاحة
أحد أكثر ملفات الخلاف حدة تمثل في قضية تأمين الملاحة داخل مضيق هرمز بعد التصعيد الإيراني ضد السفن المرتبطة بالولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، واشنطن طالبت حلفاءها الأوروبيين بإرسال قطع بحرية للمشاركة في حماية الممرات البحرية، لكن عدة دول أوروبية رفضت الانخراط الكامل.
تقارير نشرتها "نيويورك تايمز" أكدت أن الأوروبيين اعتبروا أن حماية الملاحة في هذه الحرب ليست مهمة تابعة لحلف الناتو، خصوصًا أن الولايات المتحدة هي من اختارت التصعيد العسكري ضد إيران دون توافق داخل الحلف.
كما رأت الحكومات الأوروبية أن أي مشاركة مباشرة ستجعلها هدفًا محتملًا للرد الإيراني، فضلًا عن أن الدخول في المواجهة قد يطيل أمد الحرب ويؤدي إلى انفجار أكبر في أسعار الطاقة والتضخم داخل أوروبا، لهذا فضلت عدة دول الاكتفاء بالدعوات الدبلوماسية وخفض التصعيد بدل المشاركة العسكرية.
مركز "أوروبا للدراسات" أشار بدوره إلى أن الاتحاد الأوروبي حاول الدفع نحو "ردع بحري محدود" وليس مواجهة مفتوحة، مع التركيز على الوساطات السياسية والاتصالات المباشرة مع طهران لتجنب انهيار شامل لأمن الملاحة.
وبحسب تقرير نشره المركز الأوربي، فأن الحرب على إيران دفعت أوروبا إلى إعادة النظر جذريًا في مفهوم أمنها الاستراتيجي، بعدما كشفت الأزمة هشاشة “التحالف الغربي” واتساع الفجوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية.
فقد وجدت دول الاتحاد الأوروبي نفسها أمام تداعيات اقتصادية وأمنية مباشرة نتيجة التوتر في مضيق هرمز وتهديد إمدادات الطاقة، في وقت اتجهت فيه الولايات المتحدة إلى التصعيد العسكري والحصار البحري دون تنسيق كامل مع حلفائها الأوروبيين، هذا التباين أعاد إلى الواجهة النقاش الأوروبي حول “الاستقلال الاستراتيجي” وتقليل الاعتماد على المظلة الأمريكية داخل حلف الناتو.
أظهرت الأزمة أن أوروبا لم تعد مستعدة للانخراط تلقائيًا في مغامرات عسكرية تقودها واشنطن، خصوصًا مع تصاعد المخاوف من انعكاسات الحرب على الاقتصاد الأوروبي وأسعار الطاقة والاستقرار الداخلي. لذلك ركزت العواصم الأوروبية على الحلول الدبلوماسية والوساطات الدولية، مع طرح مبادرات لتشكيل قوة بحرية دفاعية مستقلة نسبيًا عن الولايات المتحدة لتأمين الملاحة في مضيق هرمز.
كما كشفت الحرب حجم التوتر داخل المنظومة الغربية، بعدما انتقدت واشنطن ما اعتبرته “تقاعسًا أوروبيًا”، بينما رأت أوروبا أن السياسات الأمريكية القائمة على التصعيد والعقوبات تهدد بجر القارة إلى حرب لا تخدم مصالحها، ونتيجة لذلك، بدأت أوروبا تتحرك لبناء دور أمني أكثر استقلالًا وتوازنًا في النظام الدولي.
أوروبا تخشى دفع فاتورة حرب أميركية جديدة
الخلاف لم يكن عسكريًا فقط، بل ماليًا واقتصاديًا أيضًا. فمع ارتفاع أسعار النفط والغاز وتعطل بعض خطوط الشحن، بدأت الحكومات الأوروبية تواجه ضغوطًا داخلية كبيرة بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة.
وكالة “الأناضول” نقلت عن الإدارة الأميركية أن تكلفة الحرب تجاوزت 12 مليار دولار خلال أسابيع فقط. لكن الأوروبيين اعتبروا أن الفاتورة الحقيقية ستكون أكبر بكثير على الاقتصاد العالمي، خصوصًا بالنسبة للقارة الأوروبية التي لا تزال تعاني من آثار حرب أوكرانيا وأزمات التضخم والطاقة.
داخل المؤسسات الأوروبية ظهرت تساؤلات واضحة: لماذا تتحمل أوروبا تبعات حرب لم تشارك في قرارها؟ ولماذا تدفع القارة كلفة حماية الهيمنة الأميركية على الممرات البحرية بينما تعاني اقتصاداتها من التباطؤ والديون؟
هذا الجدل أعاد للأذهان الخلافات القديمة بين ضفتي الأطلسي خلال حرب العراق عام 2003، لكن الفارق أن أوروبا اليوم أضعف اقتصاديًا وأكثر خوفًا من الدخول في استنزاف طويل جديد.
ترامب يهدد الناتو… وأوروبا تشعر بالابتزاز
التوتر تصاعد أكثر بعدما لوّح دونالد ترامب بإمكانية الانسحاب من حلف الناتو إذا لم تساعد الدول الأوروبية في مواجهة إيران وتأمين الملاحة، وكالة "رويترز" نقلت تصريحات ترامب التي هدد فيها بالخروج من الحلف إذا لم يتحمل الأوروبيون جزءًا أكبر من الأعباء الأمنية.
هذه التصريحات أحدثت صدمة واسعة داخل أوروبا، لأن الحلف الذي بُني منذ الحرب الباردة بدأ يبدو وكأنه يتحول إلى أداة ضغط مالي وسياسي أميركية بدل كونه تحالفًا متوازنًا.
في ألمانيا وفرنسا وإسبانيا تصاعدت الأصوات المطالبة بتقليل الاعتماد الأمني على واشنطن، فيما اعتبرت شخصيات أوروبية أن الولايات المتحدة تستخدم الناتو لابتزاز حلفائها وإجبارهم على تمويل حروبها الخارجية.
حتى داخل بعض الأوساط الغربية ظهرت مخاوف من أن يؤدي هذا الانقسام إلى إضعاف "الجبهة الغربية" أمام روسيا والصين، وهو ما تحدثت عنه تقارير "مركز المستقبل للأبحاث" التي أشارت إلى أن واشنطن تنظر بقلق إلى تردد أوروبا في الانخراط ضد إيران لأن ذلك يعطي انطباعًا بتفكك المعسكر الغربي.
فرنسا وألمانيا تعيدان طرح “الاستقلال الاستراتيجي”
الرئيس الفرنسي والتيارات الأوروبية الداعية للاستقلال الدفاعي وجدت في الحرب على إيران فرصة لإحياء مشروع “الجيش الأوروبي” وتقليل التبعية للولايات المتحدة. باريس وبرلين بدأتا تتحدثان بصورة أوضح عن ضرورة امتلاك أوروبا قدرة مستقلة على حماية مصالحها دون انتظار القرار الأميركي.
الحرب أظهرت أن واشنطن قد تتخذ قرارات كبرى تمس الاقتصاد والأمن الأوروبيين دون تنسيق فعلي مع الاتحاد الأوروبي، وهو ما دفع بعض مراكز التفكير الأوروبية للحديث عن “نهاية اليقين الأطلسي”.
كما أن تهديدات ترامب بالانسحاب من الناتو زادت من القناعة الأوروبية بأن الاعتماد الكامل على المظلة الأميركية لم يعد خيارًا مضمونًا، خصوصًا مع صعود التيار القومي داخل الولايات المتحدة وتراجع اهتمام واشنطن التقليدي بأوروبا لصالح آسيا والصراع مع الصين.
الخوف الأوروبي من الانهيار الاقتصادي والطاقة
القارة الأوروبية كانت تدرك أن أي انفجار شامل في الخليج سيؤدي إلى كارثة اقتصادية مباشرة عليها، فتعطيل الملاحة في مضيق هرمز يعني تهديدًا لإمدادات النفط والغاز وارتفاعًا كبيرًا في الأسعار العالمية.
لهذا حاولت دول أوروبية عديدة الحفاظ على قنوات اتصال مع إيران وعدم الانجرار الكامل خلف السياسة الأميركية، كما فضلت أوروبا دعم الوساطات التي قادتها باكستان وعُمان وبعض القوى الآسيوية بدل توسيع العمليات العسكرية.
تقارير إعلامية أوروبية حذرت أيضًا من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة واضطرابات اقتصادية وأمنية داخل أوروبا نفسها، خاصة مع تزايد الضغوط الاجتماعية والاحتجاجات المرتبطة بارتفاع تكاليف الحياة.
ولهذا أصبح واضحًا أن المصالح الأوروبية باتت تتعارض جزئيًا مع الرؤية الأميركية القائمة على الضغط العسكري المفتوح ضد إيران.
الصين وروسيا تستفيدان من الشرخ الغربي
كلما تعمق الخلاف الأوروبي الأميركي، ازدادت استفادة موسكو وبكين، روسيا قدمت نفسها كشريك أمني أكثر استقرارًا لبعض القوى الأوروبية في ملفات الطاقة، بينما تحركت الصين اقتصاديًا ودبلوماسيًا لتعزيز حضورها في الشرق الأوسط.
عدد من التحليلات الغربية رأى أن الحرب على إيران سرعت عملية التحول نحو عالم متعدد الأقطاب، لأن أوروبا بدأت تدرك أن مصالحها لا تتطابق دائمًا مع الاستراتيجية الأميركية.
كما أن بكين استفادت من صورة “الوسيط الهادئ” مقارنة بالولايات المتحدة التي ظهرت كطرف يقود التصعيد العسكري. وهذا ما دفع بعض الدوائر الأوروبية للنظر بإيجابية أكبر نحو توسيع الشراكات مع آسيا وتقليل الارتهان للقرار الأميركي.
أوروبا أمام مرحلة أمنية جديدة
الحرب الأميركية ـ الصهيونية على إيران لم تكن مجرد مواجهة عسكرية في الشرق الأوسط، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمستقبل العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة. فالقارة الأوروبية وجدت نفسها أمام معادلة صعبة: إما الاستمرار في التبعية الأمنية لواشنطن وتحمل تبعات قراراتها، أو بناء مسار أوروبي أكثر استقلالًا سياسيًا وعسكريًا.
ورغم أن أوروبا لا تزال مرتبطة استراتيجيًا بالولايات المتحدة، إلا أن ما جرى خلال الحرب كشف حجم التناقضات داخل المعسكر الغربي، وأظهر أن مرحلة “القيادة الأميركية المطلقة” لم تعد كما كانت.
كما أثبتت الأزمة أن استخدام القوة العسكرية ضد إيران لم يؤدِ إلى استقرار المنطقة، بل فتح الباب أمام اضطرابات اقتصادية عالمية وتهديدات مباشرة لأمن الطاقة والتجارة الدولية، وهو ما جعل كثيرًا من الأوروبيين يعتبرون أن الحلول الدبلوماسية والوساطات الإقليمية باتت أكثر واقعية من خيار الحروب المفتوحة.