من الضاحية إلى هرمز.. كيف حوّلت “وحدة الساحات” حلم نتنياهو إلى كابوس وجودي؟
انفوبلس/..
منذ اندلاع المواجهة الإقليمية الواسعة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل مطلع عام 2026، بدا أن واشنطن وتل أبيب تراهنان على استراتيجية واضحة تقوم على تفكيك ساحات المواجهة وعزلها عن بعضها البعض. كان الهدف المركزي يتمثل في منع تشكُّل جبهة موحدة قادرة على فرض معادلات ردع متبادلة، تسمح لكل طرف من أطراف محور المقاومة بالتحرك وفق حسابات منفصلة يمكن احتواؤها أو إخضاعها تدريجياً.
من "فصل الجبهات" الى "وحدة الساحات"
لكن الأشهر الأخيرة كشفت عن مسار مختلف تماماً. فبدلاً من نجاح مشروع “فصل الجبهات”، برزت معادلة “وحدة الساحات” باعتبارها أحد أهم التحولات الاستراتيجية في المنطقة، بعدما تحولت من شعار سياسي وإعلامي إلى واقع ميداني فرض نفسه على حسابات الحرب والتفاوض معاً.
وفي قلب هذا التحول، برز لبنان بوصفه الحلقة الأكثر حساسية في الصراع الدائر، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي أو دور المقاومة فيه، بل لأن أي تطور أمني أو عسكري على الساحة اللبنانية بات مرتبطاً بشكل مباشر بمسارات أوسع تمتد من طهران إلى البحر الأحمر، ومن الخليج إلى شرق المتوسط.
وخلال الأيام الماضية، تصاعدت حدة التهديدات الإسرائيلية تجاه لبنان، ولا سيما الضاحية الجنوبية لبيروت، في محاولة لإعادة ترميم صورة الردع التي تعرضت لاهتزازات متتالية بفعل التطورات الميدانية. فقد أطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس سلسلة تصريحات حملت تهديدات مباشرة باستهداف لبنان وتوسيع نطاق العمليات العسكرية.
"تهديدات فارغة"
إلا أن هذه التهديدات، وفق مراقبين، لم تحقق الغاية المرجوة منها، بل سرعان ما اصطدمت بردود إقليمية رفعت مستوى التحذير من أي مغامرة عسكرية جديدة، الأمر الذي أعاد تسليط الضوء على فعالية معادلة الترابط بين الجبهات التي تتبناها قوى محور المقاومة.
ويشير متابعون إلى أن أخطر ما واجهته إسرائيل خلال هذه المرحلة لم يكن حجم القدرات العسكرية لدى خصومها فحسب، بل فقدان القدرة على التحكم بمسار التصعيد. ففي السابق كانت تل أبيب تراهن على إمكانية توجيه ضربات موضعية ضمن ساحات محددة، لكن المشهد الحالي يوحي بأن أي مواجهة في لبنان أو إيران أو حتى البحر الأحمر قد تتحول بسرعة إلى أزمة إقليمية متعددة الجبهات يصعب احتواؤها.
فشل عزل الملف اللبناني
وفي موازاة التصعيد العسكري، كانت واشنطن تحاول الدفع بمسارات تفاوضية منفصلة تهدف إلى عزل الملف اللبناني عن بقية الملفات الإقليمية. وجرت خلال الأشهر الماضية لقاءات واتصالات سياسية وأمنية هدفت إلى إيجاد قنوات تفاوض مستقلة بين لبنان وإسرائيل، بعيداً عن التأثيرات الإيرانية المباشرة.
غير أن هذه الجهود واجهت عقبات كبيرة، أبرزها غياب التوافق حول أولويات التفاوض. ففي حين ركز الجانب اللبناني على ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي المحتلة، تمسكت إسرائيل بمطالب تتعلق بنزع سلاح المقاومة وإعادة صياغة التوازنات الأمنية في الجنوب اللبناني.
هذا التباعد الواسع في المواقف جعل معظم المسارات التفاوضية تدور في حلقة مفرغة، وأعاد التأكيد على أن أي تفاهمات جزئية لن تكون قابلة للحياة ما لم ترتبط بتسوية أوسع تشمل مختلف ساحات التوتر في المنطقة.
ايران.. دور حاسم
وفي هذا السياق، برز الدور الإيراني بوصفه عاملاً حاسماً في إعادة رسم خطوط الاشتباك. فطهران أكدت مراراً أن أي اتفاق مستقبلي لوقف الحرب أو التهدئة يجب أن يشمل جميع الجبهات، وألا يقتصر على ساحة دون أخرى. وبذلك تحولت فكرة “وحدة الساحات” إلى قاعدة سياسية وأمنية تحكم مقاربة المحور للحرب والتفاوض في آن واحد.
ويرى محللون أن هذا التحول وضع نتنياهو أمام معضلة معقدة. فمن جهة، يواجه ضغوطاً داخلية متزايدة بسبب استمرار الحرب واستنزاف الجيش الإسرائيلي على أكثر من جبهة. ومن جهة أخرى، يجد نفسه عاجزاً عن تحقيق إنجاز استراتيجي واضح يمكن تقديمه للرأي العام الإسرائيلي باعتباره انتصاراً حاسماً.
وتزداد هذه الضغوط مع تصاعد الانتقادات داخل إسرائيل نفسها. فعدد من الساسة والقادة العسكريين السابقين بدأوا يطرحون تساؤلات جدية حول جدوى استمرار سياسة التصعيد المفتوح، في ظل غياب رؤية واضحة للخروج من الأزمة أو تحقيق أهداف الحرب المعلنة.
انقسامات الداخل
كما أن المشهد الداخلي الإسرائيلي يشهد انقسامات متزايدة حول إدارة الحرب، وسط خلافات تتعلق بالخدمة العسكرية والإنفاق الأمني وتداعيات المواجهة المستمرة على الاقتصاد والمجتمع. ويعتقد مراقبون أن هذه التحديات تجعل من أي مغامرة عسكرية جديدة في لبنان خياراً محفوفاً بالمخاطر بالنسبة للحكومة الإسرائيلية.
في المقابل، تبدو قوى المقاومة أكثر تمسكاً بمعادلة الردع المتبادل، مستفيدة من قناعة متنامية بأن أي تنازل في ساحة معينة قد يفتح الباب أمام ضغوط أكبر في ساحات أخرى. ولذلك فإن الترابط بين الجبهات لم يعد مجرد خيار سياسي، بل أصبح جزءاً من العقيدة الاستراتيجية التي تحكم إدارة الصراع.
ومن هنا يمكن فهم سبب التركيز المتزايد على الضاحية الجنوبية لبيروت باعتبارها رمزاً لهذه المعادلة. فبالنسبة للمقاومة وحلفائها، يمثل استهداف الضاحية تجاوزاً لخطوط حمراء تتجاوز حدود لبنان نفسه، بينما تنظر إسرائيل إلى هذه المنطقة باعتبارها مركزاً رئيسياً في البنية التنظيمية والعسكرية للمقاومة.
لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن كلفة أي تصعيد واسع قد تكون أعلى بكثير مما كانت عليه في السنوات السابقة. فالتشابك الإقليمي الحالي يجعل من الصعب حصر نتائج الحرب ضمن نطاق جغرافي محدد، ويزيد احتمالات انتقال المواجهة إلى ساحات جديدة قد تؤثر على حركة التجارة العالمية وأمن الطاقة والاستقرار الإقليمي.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة تختلف عن المراحل السابقة من الصراع. فالمعادلات التي حكمت الحروب الماضية تتعرض لإعادة صياغة مستمرة، بينما تتراجع قدرة القوى الكبرى على فرض تسويات منفردة أو هندسة حلول تتجاهل موازين القوى الفعلية على الأرض.
لقد راهنت واشنطن وتل أبيب على إمكانية عزل لبنان عن محيطه الإقليمي، وفصل مسارات التفاوض والحرب بين الساحات المختلفة، إلا أن الوقائع الميدانية والسياسية أظهرت أن هذا الرهان يواجه تحديات كبيرة. وفي المقابل، استطاعت معادلة “وحدة الساحات” أن تفرض نفسها كأحد أبرز العوامل المؤثرة في مسار الأحداث، لتصبح جزءاً أساسياً من حسابات الحرب والسلام في الشرق الأوسط.