من "تغيير النظام" إلى "تجميد الصراع".. قراءة في تراجع الأهداف الأمريكية تجاه إيران
انفوبلس/ تقرير
في الـ 28 من فبراير/شباط 2026، انطلقت شرارة مواجهة عسكرية وُصفت بأنها "مصيرية" لمنطقة الشرق الأوسط. انطلقت الآلة العسكرية الأمريكية بدعم إسرائيلي كامل، حاملةً في جعبتها أهدافاً كانت تُوصف بـ "الوجودية": إسقاط النظام في طهران، تفكيك البرنامج النووي بالكامل، سحق القدرات الصاروخية، وإنهاء النفوذ الإيراني الإقليمي.
اليوم، وبعد 86 يوماً من القصف والاشتباك والمناورات السياسية، يبدو المشهد أمام "تفاهم مؤقت" عبر وساطة باكستانية، يعيد تعريف النصر والهزيمة.
إن الانتقال من خطاب "تغيير النظام" إلى "إدارة الهدوء مقابل النفط" ليس مجرد تحول تكتيكي، بل هو إعلان عن فشل استراتيجية الضغط الأقصى العسكري والسياسي، واعتراف بصلابة "الدولة الإيرانية" كلاعب لا يمكن تجاوزه في الجغرافيا السياسية العالمية.
تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو من نيودلهي تعكس هذا التحول الجوهري، فبدلاً من لغة الوعيد بإسقاط النظام، أصبح الحديث يدور حول "أخبار جيدة" تتعلق بفتح مضيق هرمز. هذا التحول ليس مجرد تفصيل إجرائي، بل هو اعتراف ضمني بأن تكلفة استمرار الحرب بدأت تفوق مكاسبها الاستراتيجية.
الميدان.. مقبرة الأوهام الاستراتيجية
كان الرهان الغربي الأساسي يقوم على أن ضربة جوية مكثفة ستؤدي إلى انهيار منظومة القيادة والسيطرة الإيرانية، وأن الشارع الإيراني سيتحرك مع الضربات الخارجية. إلا أن الواقع أثبت تهافت هذه التقديرات، وهي صمود المنظومات، إذ أثبتت منظومات الدفاع الجوي الإيرانية، رغم كثافة الغارات، قدرة على الصمود وإعادة التكيف، مما جعل خيار "السيطرة الجوية المطلقة" مكلفاً جداً وغير مضمون النتائج.
تبددت وعود وزير الدفاع الأمريكي بشأن "تدمير القدرات الصاروخية" حينما أظهرت تقارير استخبارية أن البنية التحتية الصاروخية الإيرانية موزعة في تحصينات عميقة، وأن إيران تمتلك قدرة على الرد تمنع الخصوم من التمادي في التصعيد.
ولم تنجح الحرب في تفكيك "محور المقاومة" كما كان مخططاً، بل زادت من تماسك أطرافه وتنسيقها الميداني، مما جعل واشنطن أمام تحدٍ عسكري يتجاوز حدود الجغرافيا الإيرانية ليشمل مساحات واسعة في لبنان والمنطقة.
معضلة "مضيق هرمز".. الاقتصاد كرهينة للسياسة
لعل المكتسب الأبرز لإيران في هذا الصراع هو تحويلها "مضيق هرمز" من ساحة ضغط أمريكي إلى أداة تفاوض دولية. لقد أدركت واشنطن أن استمرار إغلاق المضيق يعني ضربة قاضية لأسواق الطاقة العالمية وتضخماً يهدد استقرارها الداخلي.
والاتفاق المرتقب بإبقاء المضيق مفتوحاً مقابل إعفاءات نفطية، يكرس إيران كطرف "ضامن" لأمن الملاحة الدولية. هذا اعتراف قانوني وسياسي بوزن طهران الذي لا يمكن تجاوزه.
وطوال سنوات، كان الحصار النفطي هو السلاح الأمضى لواشنطن، لكن اليوم، ونظراً لتعقيدات السوق، باتت واشنطن هي التي تطلب من إيران العودة لتصدير النفط لضبط الأسعار، وهو اعترافٌ ضمني بأن سياسة "تصفير النفط الإيراني" كانت وهماً سياسياً.
الاقتصاد الإيراني.. "سياسة الصمود" تنتصر
لطالما روجت مراكز الدراسات الغربية بأن الاقتصاد الإيراني على حافة الهاوية. لكن الاتفاق يمنح إيران مكاسب استراتيجية وهي تخفيف الأعباء، حيث إن رفع القيود عن الموانئ ومنح إعفاءات نفطية سيؤدي إلى تدفق السيولة المالية إلى الخزينة الإيرانية، مما يقلل من حدة الضغوط الاجتماعية التي كانت واشنطن تراهن عليها لتفجير الوضع داخلياً.
وبالنسبة للنظام في طهران، الخروج من مواجهة عسكرية مع "القوة العظمى" دون إسقاط النظام، بل والحصول على مكاسب اقتصادية، يُعد نصراً استراتيجياً يترجمه النظام على أنه دليل على صحة "خط المقاومة"
الملف النووي.. انتصار "الواقعية التقنية"
في الملف النووي، تراجعت واشنطن من مطلب "التفكيك الكامل" إلى "تجميد التخصيب". هذا التراجع يمثل انتصاراً كبيراً للإرادة الإيرانية، كما إن إيران التي دخلت الحرب وهي تمتلك تكنولوجيا تخصيب متقدمة، تخرج منها وهي لا تزال تمتلك هذه التكنولوجيا، ولم تُجبر على تفكيك المنشآت كما كانت تطالب الأطراف المتشددة.
والتعهدات الشفهية الإيرانية مقابل الإفراج عن الأموال المجمدة تمثل "مقايضة متوازنة"، تُخرج إيران من عزلتها المالية وتجمد النشاط النووي دون أن يعني ذلك تراجعاً عن حقوقها التقنية.
الجبهة اللبنانية.. تدويل الدور الإقليمي لإيران
إدراج "الجبهة اللبنانية" في مفاوضات الاتفاق الإيراني-الأمريكي هو بحد ذاته هزيمة للمشروع الإسرائيلي. لطالما سعت إسرائيل لعزل الملف اللبناني عن الملف الإيراني، لكن إصرار واشنطن على تضمينه في الاتفاق يؤكد أن إيران هي "مفتاح الحل"، وبات من المسلم به في واشنطن أن أي استقرار في المنطقة (سواء في لبنان أو اليمن أو العراق) لا يتحقق إلا بتفاهم مع طهران.
ومعادلة "الهدوء مقابل الهدوء" هي اعتراف أمريكي بقوة حزب الله وقدرته على فرض قواعد اشتباك تفرض على إسرائيل والولايات المتحدة التعامل معها بجدية دبلوماسية.
انعكاسات الاتفاق على التوازنات الإقليمية
الاتفاق المرتقب سيغير خريطة التحالفات في الشرق الأوسط، إذ يشعر نتنياهو بـ "الخيبة الاستراتيجية"؛ فبعد أن بنى أجندته على تدمير القدرة الإيرانية، يجد نفسه أمام "صفقة" تُبقي النظام وتكرس نفوذه، مما يعمق الفجوة بين طموحات إسرائيل الأمنية والواقعية السياسية الأمريكية.
وستعيد دول الخليج العربي والشرق الأوسط حساباتها، حيث ستدرك أن إيران باقية كقطب إقليمي قوي ومفاوض شرعي، مما يدفع الجميع نحو مسارات "تصفير المشاكل" مع طهران لضمان استقرار المنطقة.
مستقبل "إدارة الصراع" وتحديات الـ 60 يوماً
إن فترة الـ 60 يوماً ليست مجرد مدة زمنية، بل هي "فترة اختبار للنوايا". لكن الأهم هو ما سيليها. التوقعات تشير إلى أننا أمام نظام إقليمي متعدد الأقطاب، إذ تدرك واشنطن أن عصر "الهيمنة المطلقة" في الشرق الأوسط قد انتهى، وأن عليها قبول "تشارك النفوذ" مع إيران كقوة إقليمية كبرى.
وإن حالة "التطبيع الدبلوماسي" التي ستنشأ بعد توقيع الاتفاق ستجعل من الصعب العودة إلى لغة التهديد العسكري في المستقبل القريب.
انتصار الصمود السياسي
بعد 86 يوماً، يمكن القول إن موازين القوى قد انزاحت بشكل لا رجعة فيه. إيران التي دخلت المواجهة كـ "دولة محاصرة" تُهدد بالضرب، تخرج منها كـ "دولة مفاوضة" تفرض شروطها وتدير ملفات المنطقة.
إن التراجع الأمريكي هو "اعتراف بالهزيمة الاستراتيجية"، ليس من باب التخاذل، بل من باب "الواقعية السياسية" التي أجبرت واشنطن على الاعتراف بأن القوة وحدها لا تصنع سياسة مستدامة.
إن إيران، بامتلاكها للورقة الصاروخية، والقدرة على تأمين الملاحة، والعمق الاستراتيجي الإقليمي، نجحت في إثبات أن مشروع "تغيير النظام" كان طموحاً بعيداً عن الواقع، وأن إيران "التي لا تُقهر" عسكرياً هي إيران التي ستكون محوراً لأي ترتيبات أمنية واقتصادية قادمة.
نحن اليوم بصدد بداية مرحلة "التعايش القسري"، حيث سيكون على القوى الدولية الاعتراف بأن طريق "بوابة طهران" هو الطريق الوحيد لاستقرار الشرق الأوسط، وأن أي محاولة لتجاوز هذه البوابة ستنتهي دائماً بـ"صفقة" تعيد طهران إلى مركز الصدارة. إن ما حدث في الأشهر الثلاثة الماضية هو إعادة هيكلة للنظام الإقليمي، تكون فيه طهران الرقم الصعب الذي لا يمكن استبداله، وهي حقيقة ستغير وجه المنطقة للأبد.
إن إيران التي تدخل مفاوضات اليوم ليست إيران التي بدأت الحرب قبل ثلاثة أشهر. لقد خرجت أكثر صلابة، وأكثر ثقة في قدرتها على مواجهة التحديات الكبرى، والأهم من ذلك، أنها فرضت على العالم الاعتراف بأن استقرار المنطقة يمر بالضرورة عبر بوابتها. إن تراجع الأهداف الأمريكية من "إسقاط النظام" إلى "تمديد وقف إطلاق النار" هو دليل دامغ على أن إرادة طهران في الاستقلال والسيادة قد انتصرت على رهان القوة الغاشمة. إن الاتفاق الوشيك -في حال نجاحه- سيكون تتويجاً لمرحلة إيرانية جديدة، تكون فيها طهران الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه في أي معادلة إقليمية قادمة.

