من وهم التفوق إلى صدمة الواقع.. كيف تكشف الحروب الأخيرة انهيار الأسطورة الاستخبارية الإسرائيلية أمام إيران ومحور المقاومة؟
انفوبلس/..
منذ خريف عام 2024، حاولت المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية ترميم صورتها، التي اهتزت بشدة عقب هجوم السابع من أكتوبر 2023، عبر الترويج لسلسلة من “النجاحات النوعية” التي شملت عمليات تفجير أجهزة اتصالات واستهداف شخصيات قيادية بارزة في محور المقاومة. وقدمت تل أبيب هذه العمليات بوصفها دليلاً على استعادة زمام المبادرة الاستخبارية، وإعادة تثبيت هيبتها الأمنية التي تعرضت لواحدة من أكبر الضربات في تاريخها.
غير أن تطورات المواجهة الإقليمية، خصوصاً مع انخراط إيران وحلفائها، سرعان ما أظهرت أن هذه “العودة” لم تكن سوى صورة مضخمة تخفي خلفها أزمة أعمق. فمع تصاعد المواجهة، بدأت تتكشف فجوات خطيرة بين ما تعتقده إسرائيل عن خصومها، وبين ما يحدث فعلياً على الأرض، سواء في لبنان أو في الساحة الإيرانية.
تصدع الصورة: اعترافات من الداخل
التحول الأبرز جاء من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها، عندما أقر أحد كبار القادة العسكريين بوجود فجوة حقيقية بين التقديرات الاستخبارية والواقع الميداني. هذا الاعتراف لم يكن مجرد زلة لسان، بل عكس حالة من الارتباك العميق داخل المنظومة الأمنية، التي وجدت نفسها أمام خصم قادر على التعافي السريع وإعادة بناء قدراته رغم الضربات المتتالية.
لقد بدا واضحاً أن التقديرات التي بنيت على فرضية إضعاف محور المقاومة، لم تصمد أمام اختبار الميدان. فبدلاً من الانهيار، أظهرت القوى المرتبطة بإيران قدرة لافتة على التكيف، بل وعلى إعادة تنظيم نفسها بشكل أكثر فعالية، ما أربك الحسابات الإسرائيلية.
إيران: الحسابات الخاطئة الكبرى
تتجلى الأزمة بشكل أكثر وضوحاً في الملف الإيراني، حيث كشفت تقارير غربية عن أن القيادة الإسرائيلية قدمت تصوراً متفائلاً للغاية بشأن إمكانية تحقيق نصر سريع في حال اندلاع حرب مع إيران. وقد استند هذا التصور إلى فرضيات اعتبرت لاحقاً شديدة الهشاشة، من بينها التقليل من قدرة طهران على الرد، أو إغلاق الممرات الحيوية، أو التأثير في المصالح الأمريكية في المنطقة.
الأخطر من ذلك أن هذه التقديرات تضمنت رهانات سياسية، مثل توقع اندلاع احتجاجات داخلية واسعة في إيران يمكن استثمارها لإسقاط النظام. وقد بُنيت هذه الرؤية على تصور مبسط للمجتمع الإيراني، يتجاهل تعقيداته الداخلية وقدرته على التماسك في أوقات الأزمات.
لكن مع تعثر تحقيق الأهداف، بدأت هذه الفرضيات تتهاوى، لتكشف عن خلل بنيوي في طريقة التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، وليس مجرد خطأ تكتيكي عابر.
أزمة داخلية: تبادل الاتهامات
مع تزايد الفشل في تحقيق النتائج المعلنة، برزت أزمة داخلية داخل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، تمثلت في تبادل الاتهامات بين المؤسسات المختلفة. كل جهاز حاول التنصل من مسؤولية التقديرات الخاطئة، في مشهد يعكس غياب التنسيق، وضعف البنية المؤسسية.
وقد لجأت بعض القيادات إلى تسريب رواياتها للإعلام، في محاولة لتبرئة نفسها، ما كشف عن انقسام داخلي عميق، وأزمة ثقة بين مكونات المنظومة الأمنية.
جذور الفشل: ليست مشكلة معلومات
الدراسات التحليلية التي تناولت هذا الفشل تشير إلى أن المشكلة لا تكمن في نقص المعلومات، بل في طريقة التعامل معها. فقبل هجوم السابع من أكتوبر، كانت لدى إسرائيل مؤشرات عديدة تدل على احتمال وقوع هجوم، لكنها لم تُترجم إلى تقدير استخباري جاد.
هذا النمط تكرر لاحقاً، حيث توفرت معلومات عن قدرات إيران وحلفائها، لكن تم تفسيرها ضمن إطار افتراضات مسبقة، قللت من خطورتها.
وهم التكنولوجيا
أحد أبرز أسباب هذا الخلل هو الاعتماد المفرط على الوسائل التقنية في جمع المعلومات، على حساب الاستخبارات البشرية. ومع تطور أساليب المقاومة، أصبحت هذه الوسائل أقل فعالية، بل عرضة للتضليل.
لقد نجحت القوى المعادية لإسرائيل في استغلال هذا الاعتماد، عبر استخدام وسائل اتصال بديلة، أو بث إشارات مضللة، ما أدى إلى خلق صورة استخبارية مشوهة.
أزمة التحليل: عندما تتحكم الافتراضات
المشكلة الأعمق ظهرت في مرحلة التحليل، حيث سيطرت مجموعة من القناعات المسبقة على العقل الاستخباري الإسرائيلي. من أبرز هذه القناعات الاعتقاد بأن الخصوم، سواء في غزة أو لبنان أو إيران، لا يرغبون في التصعيد، وأنهم يفضلون الحفاظ على الوضع القائم.
هذه الفرضية أدت إلى تجاهل أو التقليل من شأن مؤشرات خطيرة، تم تفسيرها على أنها مجرد تحركات روتينية، رغم أنها كانت جزءاً من تحضيرات فعلية.
بنية مجزأة: غياب الرؤية الموحدة
تعاني المنظومة الاستخبارية الإسرائيلية من مشكلة هيكلية تتمثل في تعدد الأجهزة وتداخل صلاحياتها، دون وجود مركز موحد يجمع التقديرات. هذا التشتت أدى إلى فقدان القدرة على بناء صورة شاملة، وتحويل المعلومات المتفرقة إلى فهم متكامل.
كما أن التنافس بين الأجهزة، والخشية من تحمل المسؤولية، ساهما في إضعاف عملية اتخاذ القرار.
تأثير السياسة: حين تُفرض الرواية
لا يمكن فصل الفشل الاستخباري عن السياق السياسي. فقد كانت التقديرات الأمنية في كثير من الأحيان منسجمة مع التصورات السياسية السائدة، التي افترضت أن الوضع تحت السيطرة، وأن التهديدات يمكن احتواؤها.
إيران ومحور المقاومة: نموذج معاكس
في المقابل، أظهرت إيران وحلفاؤها نموذجاً مختلفاً، يقوم على المرونة والتكيف، والاستفادة من الأخطاء. فقد تمكنوا من تطوير أساليبهم، وتحسين قدراتهم، رغم الضغوط الهائلة.
كما اعتمدوا على مزيج من العمل العسكري والاستخباري والسياسي، ما منحهم قدرة على إدارة الصراع بشكل أكثر توازناً.
“العاصفة المثالية”: تراكم الأخطاء
يمكن فهم الفشل الإسرائيلي على أنه نتيجة تراكم مجموعة من الأخطاء، التي تفاعلت معاً في لحظة واحدة. من بينها: "افتراضات خاطئة عن نوايا الخصم، ثقة مفرطة بالقدرات الذاتية، ضعف أدوات الإنذار المبكر، تراجع النقاش الداخلي وفجوات في جمع المعلومات"، هذا التراكم أدى إلى ما يمكن وصفه بـ”العاصفة المثالية”، التي كشفت هشاشة المنظومة الاستخبارية.
نهاية الأسطورة
تكشف التجارب الأخيرة أن المشكلة ليست في ساحة محددة، بل في طريقة إنتاج التقدير الاستخباري نفسها. فحين يغيب الفهم العميق للخصم، ويتم استبداله بمؤشرات سطحية قابلة للقياس، تصبح القرارات عرضة للخطأ.
في المقابل، يظهر أن إيران ومحور المقاومة نجحوا في استثمار هذه الثغرات، عبر الجمع بين العمل الميداني والتحليل الاستراتيجي، ما منحهم تفوقاً نوعياً في إدارة الصراع.
وهكذا، تتهاوى تدريجياً أسطورة التفوق الاستخباري الإسرائيلي، لتحل محلها صورة أكثر واقعية: منظومة قوية تقنياً، لكنها تعاني من خلل عميق في الرؤية، يجعلها عرضة للمفاجآت، مهما امتلكت من أدوات.

