الجاهزية الإيرانية والصواريخ الفرط صوتية تفرض معادلة جديدة مع اقتراب الحضور العسكري الأميركي
ردع قبل المواجهة
انفوبلس..
في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، وعودة لغة التهديد والوعيد إلى واجهة المشهد الإقليمي، تبرز القدرات العسكرية الإيرانية، ولا سيما الصاروخية منها، بوصفها عنصر الردع الأبرز في معادلة الصراع. ومع اقتراب حاملات الطائرات الأمريكية من المنطقة، تتكثف الرسائل الإيرانية التي تؤكد الجاهزية الميدانية والقدرة على تحويل أي عدوان محتمل إلى مواجهة واسعة تتجاوز حدود الجغرافيا الإيرانية.
رسائل الردع في لحظة الاحتكاك الإقليمي
في سياق استمرار التهديدات الأمريكية المعلنة ضد الجمهورية الإسلامية، تواصل إيران تعزيز قدراتها الدفاعية وصولًا إلى حالة من الجاهزية القصوى لأي عدوان محتمل. مسؤولون عسكريون إيرانيون أكدوا، في أكثر من مناسبة، أن طهران تمتلك القدرة التقنية والعسكرية على إغراق حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس أبراهام لينكولن” (CVN-72) باستخدام أنظمة صاروخية متقدمة، بما في ذلك الصواريخ الفرط صوتية، في حال جرى التعامل معها كتهديد مباشر للأمن القومي الإيراني.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تقترب فيه المجموعة الضاربة لحاملة الطائرات الأمريكية من مياه المنطقة، وسط تصاعد واضح في حدة الاحتكاك الجيوسياسي، وتكثيف الوجود العسكري الأمريكي في الخليج وبحر عمان. وتشير طهران إلى أن هذه التحركات لا يمكن فصلها عن سياسات الضغط العسكري المستمرة التي تنتهجها واشنطن، وهو ما يفرض، من وجهة النظر الإيرانية، رفع مستوى الجاهزية الدفاعية والردعية.
وأكد مسؤولون مرتبطون بالحرس الثوري الإيراني أن قوات الصواريخ باتت في حالة استعداد كامل لاستهداف الأصول البحرية الأمريكية إذا ما تجاوزت الخطوط الحمراء، لافتين إلى أن أي خطأ في التقدير قد يفتح باب مواجهة غير محسوبة النتائج. وتزامنت هذه التصريحات مع انتشار السفن المرافقة لحاملة الطائرات الأمريكية في نطاق واسع من الشرق الأوسط، في مؤشر على مرحلة جديدة من الاستعراض العسكري المتبادل.
الصواريخ الفرط صوتية
تحظى الصواريخ الفرط صوتية الإيرانية باهتمام واسع، باعتبارها أحد أكثر عناصر القوة العسكرية إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة. وتؤكد طهران أن هذه المنظومات تمثل نقلة نوعية في قدراتها الردعية، نظرًا لسرعتها العالية وقدرتها الكبيرة على المناورة، ما يجعل اعتراضها باستخدام أنظمة الدفاع الجوي التقليدية مهمة بالغة الصعوبة.
وتعتمد هذه الصواريخ على مفهوم الطيران بسرعات تفوق خمسة أضعاف سرعة الصوت، وهو ما يقلص زمن الإنذار إلى الحد الأدنى، ويضع أنظمة الرصد والدفاع في حالة ضغط مستمر. ويشير مسؤولون إيرانيون إلى أن هذه التكنولوجيا صُممت خصيصًا لمواجهة الهيمنة البحرية الأمريكية في المنطقة، وإبطال مفعول التفوق العسكري التقليدي.
أحد أبرز ما يميز هذه الصواريخ هو قدرتها على تغيير مسارها أثناء الطيران، بما يسمح لها بتفادي أنظمة الدفاع الجوي والراداري، ويجعل من الصعب التنبؤ بمسارها أو نقطة إصابتها. هذه الخصائص منحتها مكانة خاصة في العقيدة العسكرية الإيرانية، بوصفها أداة ردع استراتيجية ذات أبعاد سياسية وعسكرية في آن واحد.
وتشير تقارير استخباراتية إلى أن إيران طورت نسخًا متقدمة من هذه الصواريخ، من بينها صاروخ “فتاح”، الذي يعمل بدفع صاروخي تقليدي في مرحلته الأولى، قبل الانتقال إلى مرحلة انزلاقية على ارتفاعات عالية بسرعات فرط صوتية، ما يسمح له بقطع مئات الكيلومترات خلال دقائق معدودة.
“فتّاح” والانتقال إلى نادي القوى الفرط صوتية
يُعد صاروخ “فتّاح-1” أول صاروخ باليستي إيراني فرط صوتي، طُوّر على أيدي خبراء الحرس الثوري، وتبلغ سرعته نحو 15 ماخ، أي ما يقارب 16 ألف كيلومتر في الساعة. ويعمل الصاروخ بالوقود الصلب، ويصل مداه الأقصى إلى نحو 1400 كيلومتر، مع قدرة عالية على اختراق أحدث المنظومات الرادارية والدفاعية.
ويتميز “فتاح” برأس حربي متطور مزود بمحرك كروي وفوهة متحركة، تتيح له المناورة في جميع الاتجاهات، سواء داخل الغلاف الجوي أو خارجه، فضلًا عن قدرته على التخفي عن أنظمة الرصد حتى لحظة إصابة الهدف. ويرى خبراء عسكريون أن هذا التطور يمثل قفزة نوعية في مسار الصناعة الصاروخية الإيرانية.
أما صاروخ “فتاح-2”، فلا تزال المعلومات الفنية عنه محدودة، غير أن مصادر مطلعة تشير إلى أن مداه يتجاوز مدى الجيل الأول، فيما قد تصل سرعته إلى ما بين خمسة أضعاف سرعة الصوت وحتى 20 ضعفًا، ما يعزز مكانة إيران ضمن الدول المتقدمة في هذا المجال.
وبتطوير هذه المنظومات، أصبحت إيران أول دولة في الشرق الأوسط تمتلك تكنولوجيا الصواريخ الفرط صوتية، والرابعة عالميًا بعد الولايات المتحدة وروسيا والصين، وهو ما يمنحها وزنًا استراتيجيًا متزايدًا في معادلات الردع الإقليمي والدولي.
الجهوزية الميدانية وخيارات الرد المفتوح
على الصعيد الميداني، تعيش القوات المسلحة الإيرانية حالة استنفار تعكس ثقة واضحة بالقدرات الذاتية. تصريحات وزير الدفاع وقادة الجيش والحرس الثوري أكدت أن البلاد في أعلى درجات الجاهزية، مع التشديد على أن أي قاعدة أمريكية في المنطقة تُستخدم لتنفيذ هجوم على إيران ستُعد هدفًا مشروعًا للصواريخ الإيرانية.
وفي تطور لافت، أعلن قائد القوة الجوفضائية في الحرس الثوري عن زيادة كبيرة في مخزون الصواريخ البالستية المتطورة، مؤكدًا أن الصناعات العسكرية الإيرانية ضاعفت إنتاجها خلال الفترة الماضية، في ضوء الدروس المستخلصة من التهديدات والضربات السابقة.
وفي هذا السياق، برزت تصريحات أمين عام المجلس القومي علي شمخاني، الذي وجه رسائل مباشرة للإدارة الأمريكية، مؤكدًا أن طهران باتت أقوى عسكريًا، وأن سجل المواجهات السابقة يثبت قدرة إيران على استهداف القواعد الأمريكية متى ما تعرض أمنها القومي للخطر.
وتؤكد طهران أن خياراتها لا تقتصر على الرد الدفاعي، بل تشمل إجراءات استباقية إذا ما ثبتت جدية التهديدات، في إطار ما تصفه بحماية أمن الشعب والمنشآت الحيوية، وهو ما يضع المنطقة بأكملها أمام معادلة شديدة الحساسية.
دبلوماسية محسوبة وقلق متصاعد في الجبهة المقابلة
بالتوازي مع الجهوزية العسكرية، نشطت الدبلوماسية الإيرانية بقيادة وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي أجرى اتصالات مكثفة مع قوى إقليمية ودولية، مؤكدًا أن إيران لا تسعى للتصعيد، لكنها جاهزة للرد على أي اعتداء.
هذه التحركات ساهمت في رفع مستوى القلق الدولي من تداعيات أي مواجهة محتملة، لا سيما على أسواق الطاقة والممرات البحرية. وفي المقابل، تواردت أنباء عن إجلاء رعايا أمريكيين من بعض القواعد العسكرية، في مؤشر قرأه مراقبون على أنه انعكاس لمخاوف واشنطن من قوة الرد الإيراني.
في الداخل الصهيوني، برزت مظاهر القلق بشكل أوضح، مع تعليق رحلات جوية وفتح ملاجئ في بعض المناطق، وسط مخاوف من تسارع تطوير القدرات الصاروخية الإيرانية. وبينما تواصل الولايات المتحدة وحلفاؤها رفع سقف التهديد، تؤكد طهران أن زمن الضربات المحدودة قد انتهى، وأن أي عدوان سيقابل برد واسع التأثير.
وتختم إيران رسائلها بالتأكيد على أن باب الدبلوماسية لا يزال مفتوحًا، شريطة احترام سيادتها وقوة إرادة شعبها، في وقت تبدو فيه المنطقة بأسرها واقفة على حافة تصعيد قد يعيد رسم خرائط الصراع وقواعد الاشتباك.