الحرب على إيران تهز النظام التجاري العالمي لعقود وتفتح عصر التحولات الاقتصادية
عالم جديد يتشكل
انفوبلس..
شكّلت الحرب الأميركية الصهيونية على إيران نقطة تحوّل استراتيجية في بنية الاقتصاد العالمي، بعدما تجاوزت آثارها حدود المواجهة العسكرية المباشرة لتطال الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد والتموضع الجيوسياسي للدول الكبرى، فالحرب التي استهدفت واحدة من أهم القوى الإقليمية وأكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، لم تعد تُقرأ باعتبارها أزمة عابرة، بل باعتبارها لحظة تأسيس لنظام اقتصادي عالمي جديد يتشكّل تحت ضغط الصدمات المتلاحقة والانقسامات الدولية المتزايدة.
وبينما راهنت واشنطن والكيان الاسرائيلي على إنهاك إيران وعزلها، بدأت نتائج الحرب تكشف معادلات مختلفة، أبرزها تعاظم الدور الإيراني في معادلات الطاقة، واهتزاز الثقة العالمية بالهيمنة الأميركية، وتسارع البحث الدولي عن بدائل تجارية ومالية واستراتيجية تقلل الاعتماد على الغرب.
الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة "الصدمة الطويلة"
أكدت صحيفة "رسالت" الإيرانية أن الحرب على إيران لن تنتهي فعلياً حتى لو توقف إطلاق النار، لأن الضرر البنيوي الذي أصاب الاقتصاد العالمي بات أعمق من أن يُعالج باتفاق سياسي سريع، فالاقتصاد الدولي، بحسب الصحيفة، دخل مرحلة جديدة من التحولات القسرية التي ستصبح مع الوقت "الوضع الطبيعي الجديد".
وتشبه هذه القراءة ما حدث بعد حرب الخليج عام 1990 أو الحرب الأوكرانية، حيث استمرت التداعيات الاقتصادية لعقود، إلا أن الأزمة الحالية أكثر خطورة، لأنها تمس مباشرة الشريان النفطي الأكبر عالميًا، أي مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء هائل من تجارة النفط والغاز.
المرحلة الأولى من التداعيات ظهرت سريعًا عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز وكلفة الشحن البحري والتأمين، لكن الأخطر كان انتقال الأزمة إلى مرحلة إعادة هيكلة خطوط التجارة الدولية. فالشركات العالمية بدأت بالفعل بتغيير طرق النقل، وتوسيع المخازن الاستراتيجية، وإعادة توزيع الاستثمارات الصناعية بعيدًا عن مناطق الخطر.
وترى دوائر اقتصادية أن العالم دخل عمليًا عصر “الجغرافيا الاقتصادية المسلحة”، حيث أصبحت الممرات البحرية والطاقة أدوات ضغط وحرب طويلة الأمد، لا مجرد وسائل تجارة.
هرمز يتحول إلى مركز القوة العالمية الجديدة
أبرز ما أفرزته الحرب هو التحول الجذري في مكانة مضيق هرمز. فبدل أن يؤدي الضغط العسكري إلى كسر النفوذ الإيراني، بات المضيق ورقة استراتيجية تفرض نفسها على الاقتصاد العالمي بأكمله.
صحيفة "همشهري" الإيرانية أكدت أن مرور الوقت يصب في صالح إيران، وأن طهران رسخت سيادتها على إدارة المضيق، بالتوازي مع إعادة بناء قدراتها العسكرية والصاروخية بوتيرة أسرع مما توقعته الاستخبارات الأميركية.
كما نقلت الصحيفة عن شبكة CNN أن إيران أعادت بناء قاعدتها الصناعية العسكرية بسرعة كبيرة، بينما ذكرت “نيويورك تايمز” أن طهران استعادت القدرة التشغيلية في 30 موقعًا صاروخيًا من أصل 33 على امتداد هرمز.
وفي هذا السياق، نشر الكاتب خافيير بلاس في "بلومبيرغ" تحليلاً حذّر فيه من افتراض أن مضيق هرمز سيعود سريعًا إلى وضعه السابق، مشبهًا ما يحدث اليوم بما جرى لقناة السويس بعد حرب 1967، حين بقيت مغلقة لثماني سنوات رغم انتهاء الحرب خلال أيام.
ويرى بلاس أن الأسواق العالمية لا تزال تتعامل مع الأزمة باعتبارها مؤقتة، لكن استمرار الإغلاق الجزئي أو فرض إيران قيودًا طويلة الأمد على الملاحة قد يخلق واقعًا اقتصاديًا عالميًا مختلفًا بالكامل، يدفع الدول لإعادة بناء شبكات الطاقة والنقل من الصفر تقريبًا.
-
الحرب على إيران تهز النظام التجاري العالمي لعقود وتفتح عصر التحولات الاقتصادية
انهيار الثقة بالهيمنة الأميركية
الحرب كشفت أيضًا حدود القوة الأميركية وقدرتها على فرض الاستقرار العالمي. فواشنطن التي قادت النظام الاقتصادي العالمي لعقود عبر سيطرتها العسكرية والمالية، تبدو اليوم عاجزة عن منع اضطراب أهم ممرات الطاقة.
اللواء محسن رضائي اعتبر أن الولايات المتحدة “لن تعود كما كانت بعد حرب رمضان”، مؤكدًا أن مكانتها كقوة عظمى تعرضت للاهتزاز لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية.
هذا التراجع لا يرتبط فقط بالميدان العسكري، بل أيضًا بفقدان الثقة الدولية. فالكثير من الدول باتت ترى أن السياسات الأميركية لم تعد توفر الاستقرار، بل أصبحت مصدرًا للفوضى وتهديدًا للاقتصاد العالمي.
وقد دفع ذلك العديد من القوى الصاعدة، مثل الصين وروسيا ودول “بريكس”، إلى تسريع مشاريع فك الارتباط التدريجي بالدولار الأميركي، والتوسع في استخدام العملات المحلية، وإنشاء شبكات مالية وتجارية بديلة.
كما أن الحرب سرعت من مشاريع الممرات البرية والبحرية البديلة التي تربط آسيا بأوروبا بعيدًا عن الهيمنة الغربية، خصوصًا عبر المبادرات الصينية والإيرانية والروسية المشتركة.
الدول النامية تدفع الثمن الأكبر
بحسب صحيفة "رسالت" الإيرانية، فإن الدول النامية ستكون الضحية الرئيسية للتحولات الاقتصادية الجديدة.
فمع ارتفاع أسعار الطاقة والشحن، بدأت الاقتصادات الضعيفة تعاني من تراجع الواردات وانخفاض قيمة العملات المحلية وتفاقم أزمات الغذاء والأسمدة. كما ارتفعت كلفة الإنتاج الصناعي والزراعي بشكل كبير، ما ينذر بموجات تضخم واضطرابات اجتماعية طويلة.
وتخشى منظمات دولية من أن يؤدي استمرار الأزمة إلى تعميق الانقسام العالمي بين الدول القادرة على حماية أمنها الطاقوي والغذائي، وتلك المعتمدة على الاستيراد الخارجي.
كما أن تعطّل طرق التجارة البحرية يهدد بإعادة رسم خريطة التصنيع العالمي، حيث بدأت شركات دولية التفكير بنقل مصانعها إلى مناطق أكثر أمانًا واستقرارًا، حتى لو كانت أكثر كلفة.
وفي حال استمرار الأزمة حتى 2027 كما تتوقع بعض السيناريوهات، فإن العالم قد يشهد تحولات تشبه ما جرى بعد الحرب العالمية الثانية من حيث إعادة توزيع مراكز الثقل الاقتصادي والصناعي.
إيران من هدف للحصار إلى لاعب يفرض قواعده
واحدة من أبرز المفارقات التي كشفتها الحرب أن إيران، رغم الحصار والعقوبات والضربات، لم تنهَر اقتصاديًا أو سياسيًا كما كانت تراهن واشنطن والكيان الإسرائيلي، وعلى العكس، أظهرت طهران قدرة عالية على التكيّف مع الضغوط، مستفيدة من خبرتها الطويلة في إدارة العقوبات ومن شبكة تحالفاتها الإقليمية والدولية.
"بلومبيرغ" أشارت إلى أن إيران لا تزال قادرة على تحمل الضغوط رغم التضخم وتراجع العملة، خصوصًا في ظل تعامل القيادة الإيرانية مع المواجهة باعتبارها "تهديدًا وجوديًا".
-
الحرب على إيران تهز النظام التجاري العالمي لعقود وتفتح عصر التحولات الاقتصادية
كما أن الحرب عززت موقع إيران داخل العالم الإسلامي، بعدما ارتفعت شعبية طهران في الشارع العربي والإسلامي نتيجة التصدي المباشر للعدوان الأميركي الصهيوني.
صحيفة "همشهري" نقلت عن استطلاعات رأي دولية أن معارضة الحرب على إيران تجاوزت 65% عالميًا و73% في أوروبا، فيما أعلن ما بين 70 و80% من سكان الدول الإسلامية رفضهم الحرب.
وهذا المناخ الشعبي والسياسي يمنح إيران قدرة أكبر على توسيع نفوذها الاقتصادي والتجاري في المنطقة، خصوصًا مع تراجع صورة الولايات المتحدة وحلفائها.
الطاقة العالمية أمام عصر جديد
أحد أخطر تداعيات الحرب يتمثل في إعادة تعريف مفهوم أمن الطاقة العالمي. فالعالم الذي اعتاد لعقود على تدفق نفط الخليج بأسعار مستقرة نسبيًا، بات يواجه واقعًا جديدًا يقوم على الهشاشة وعدم اليقين.
تحليل "بلومبيرغ" أشار إلى أن الأسواق استطاعت مؤقتًا امتصاص غياب نحو 20 مليون برميل يوميًا كانت تمر عبر هرمز، مستفيدة من المخزونات الاستراتيجية وخطوط الأنابيب البديلة. لكن هذه الحلول ليست دائمة، ومع استمرار الأزمة ستبدأ المخزونات بالنفاد تدريجيًا.
ولهذا بدأت دول الخليج نفسها بالبحث عن بدائل استراتيجية، عبر مشاريع خطوط أنابيب جديدة تتجاوز هرمز. كما تتسارع الاستثمارات في الطاقة المتجددة والطاقة النووية والغاز المسال خارج منطقة الخليج.
لكن هذه التحولات تحتاج سنوات طويلة وكلفًا هائلة، ما يعني أن الاقتصاد العالمي سيدفع ثمن الحرب لفترة قد تمتد لعقود.
وفي المقابل، فإن الدول المنتجة للطاقة خارج الخليج، مثل روسيا وبعض الدول الإفريقية والأميركية اللاتينية، قد تستفيد من ارتفاع الأسعار وإعادة توزيع الطلب العالمي.
عالم متعدد الأقطاب يولد من رحم الحرب
الحرب الأميركية الصهيونية على إيران لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، إذ تحولت إلى نقطة انعطاف تاريخية تعيد تشكيل النظام العالمي سياسيًا واقتصاديًا.
ففي الوقت الذي سعت فيه واشنطن والكيان الاسرائيلي إلى إخضاع إيران بالقوة، أظهرت النتائج الأولية أن الحرب سرعت تفكك النظام الأحادي القطبية، وعززت الاتجاه نحو عالم متعدد المراكز والقوى.
وتبدو الصين وروسيا وإيران اليوم أكثر تقاربًا في مواجهة الضغوط الغربية، فيما تتزايد مخاوف دول عديدة من الاعتماد المفرط على الاقتصاد الأميركي أو طرق التجارة التي تحميها واشنطن.
ومع استمرار الاضطراب في هرمز، وتنامي كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي، تتجه الحكومات والشركات إلى بناء منظومات بديلة للطاقة والنقل والتمويل، بما يضمن تقليل التعرض للصدمات الجيوسياسية المستقبلية.
وفي المحصلة، فإن الحرب على إيران لم تنتج فقط أزمة طاقة عالمية، بل فتحت الباب أمام إعادة تشكيل عميقة للنظام الاقتصادي الدولي، قد تستمر آثارها لعقود طويلة، وتؤسس لمرحلة تتراجع فيها الهيمنة الأميركية تدريجيًا مقابل صعود قوى دولية وإقليمية جديدة.