جنرالات إيران الجدد.. هل أخطأت واشنطن وتل أبيب الحسابات في استراتيجية "الاغتيالات"؟
انفوبلس/ تقرير
في الثالث من يناير/كانون الثاني عام 2020، حين استشهد الجنرال قاسم سليماني بضربة من طائرة مسيرة أمريكية في طريق مطار بغداد، ساد اعتقاد واسع في دوائر القرار الغربية والإسرائيلية أن هذا الحدث يمثل ذروة استثنائية، ولحظة تجاوز عابرة في مسار حرب الظلال الطويلة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأعدائها التقليديين. غير أن ما لم يكن واضحاً في تلك اللحظة المفصلية هو أن رحيل سليماني لم يكن نهاية مرحلة فحسب، بل كان إيذاناً بتأسيس حقبة استراتيجية جديدة، تحول فيها استهداف الجنرالات الإيرانيين من "الاستثناء النوعي" إلى "القاعدة العملياتية الممنهجة".
توالت الضربات لتؤكد هذا النمط المتصاعد، من اغتيال العميد رضي موسوي (المستشار البارز في فيلق القدس) في ديسمبر/كانون الأول عام 2023 بضربة صاروخية إسرائيلية استهدفت مقر إقامته في منطقة السيدة زينب بدمشق، إلى الهجوم الجوي الجريء بطائرات من طراز F-35 في أبريل/نيسان عام 2024 الذي دمر مبنى الملحقية القنصلية الإيرانية في حي المزة بدمشق، واضعاً حداً لحياة العميد محمد رضا زاهدي ومساعده محمد هادي حاج رحيمي وخمسة آخرين من كبار ضباط الحرس الثوري.
لكن نقطة الانعطاف الكبرى بدأت تتشكل مع اندلاع حرب يونيو/حزيران عام 2025، حيث انتقلت استراتيجية الخصوم من "اصطياد الأفراد" إلى "تصفية طبقات القيادة بأكملها". ففي الساعات الأولى من ذلك الصراع، فقدت إيران عقولها العسكرية المركزية دفعة واحدة، وفي مقدمتهم القائد العام للحرس الثوري حسين سلامي، ورئيس هيئة الأركان محمد باقري، وقائد القوة الجوفضائية أمير علي حاجي زاده (مهندس البرنامج الصاروخي والمسيرات)، وقائد مقر خاتم الأنبياء غلام علي رشيد.
ولم تكد تمضي ثمانية أشهر، حتى تكرر المشهد ذاته في مواجهة فبراير/شباط عام 2026، لتطال التصفيات القائد الجديد للحرس محمد باكبور، ووزير الدفاع عزيز نصير زاده، وأمين مجلس الدفاع علي شمخاني، وصولاً إلى رأس الهرم السياسي والروحي متمثلاً في المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي.
وفقاً لبيانات موقع "إيران إنترناشيونال" المعارض، فإن حجم الاستنزاف البشري للمؤسسة العسكرية قدر بنحو 4700 من قيادات وأعضاء الحرس الثوري وقوات الباسيج والشرطة. غير أن السؤال الاستراتيجي الأبرز لا يدور حول الأرقام الدقيقة بقدر ما يتعلق بالآثار الهيكلية، ففي غضون 6 سنوات فقط (من الجنرال قاسم سليماني إلى الامام الخامنئي)، فقدت طهران طبقتين متعاقبتين من النخبة الحاكمة:
جيل المؤسسين: الذي تخرج من رحم ثورة عام 1979 وصيغت عقيدته العسكرية في أتون حرب الثماني سنوات مع العراق.
جيل الورثة والنواب: الذي صعد لسد الفراغ وحافظ على تماسك المنظومة مؤقتاً.
فهل نجحت استراتيجية "الاغتيالات" في تدجين السلوك الإيراني، أم أن واشنطن وتل أبيب استدعتا بنية قيادية وعقيدة عسكرية أكثر تصلباً، وأقل قابلية للضبط أو التنبؤ؟
الجيل المؤسس والورثة: أزمة الشرعية الكاريزمية و"مختبر خرمشهر"
لم يكن الجيل التأسيسي للحرس الثوري الإيراني (الباسدران) مجرد طبقة من الضباط المحترفين الذين تدرجوا في سلك بيروقراطي نظامي اعتيادي؛ بل كانوا يمثلون "حراساً للعقيدة" تشكلت هويتهم في سياق ظرف تاريخي فريد ومزدوج: انتصار الثورة الإسلامية، والاندلاع الفوري للحرب العراقية – الإيرانية.
في دراستها التاريخية الهامة المعنونة "التاريخ غير المكتمل للحرب الإيرانية العراقية"، تشير الباحثة آني تريسي صمويل إلى أن الحرس الثوري لم ينظر إلى تلك الحرب كجملة من المعارك التكتيكية فحسب، بل اعتبرها "المختبر التأسيسي الأول" الذي صهر تنظيماً ثورياً مشتتاً وحوله إلى مؤسسة عسكرية شديدة التماسك والتعقيد. لقد منحت الحرب هذا الجيل سردية مشتركة حول التضحية والشرعية، وصاغت مفهومهم التأسيسي عن "البقاء وسط العزلة".
وتتقاطع هذه الرؤية مع دراسة مؤسسة راند (RAND Corporation) المعنونة "صعود الباسدران"، والتي تؤكد أن قادة هذا الجيل ارتبطوا برباط من الدم والذاكرة المشتركة في جبهات القتال، مما جعل ولاءهم للمركز العقائدي يتجاوز أي هيكل إداري وظيفي. لقد آمن هؤلاء بأن الثورة مهددة دوماً بالاستئصال، ومن هنا نبتت فكرة "الدفاع غير المتماثل".
وكما يوضح الباحثان جواد بهجت وأنوشيروان احتشامي في كتابهما "الدفاع عن إيران"، فإن عقيدة الحرب غير المتماثلة ولدت بدافع الحاجة القصوى نتيجة الحظر الدولي الشامل المفروض على طهران في الثمانينيات، مقابل جيش عراقي مجهز بأحدث ما أنتجته مصانع السلاح السوفيتية والغربية.
تعتبر معارك استعادة مدينة "خرمشهر" في مايو/أيار عام 1982 (عملية بيت المقدس) اللحظة التأسيسية لتلك العقيدة. فالمدينة التي دمرت وأطلق عليها الإيرانيون اسم "خونين شهر" (المدينة الدامية)، علمت المقاتلين الأوائل أن خوض المعركة بأدوات تقترب من الصفر في مواجهة تفوق ناري كاسح يتطلب بدائل غير تقليدية:
تقديس الابتكار التكتيكي واللامركزية.
استبدال التفوق الناري بالعنصر البشري والاستشهادي.
نقل المعركة إلى جغرافيا معقدة خارج الحدود.
هذا التراث الرمزي منح قادة مثل قاسم سليماني وأمير علي حاجي زاده ومحمد باقري حضوراً كاريزمياً تجاوز مناصبهم الرسمية. فسليماني لم يكن مجرد موظف عسكري، بل كان الممثل السياسي الإقليمي غير الرسمي لطهران والمفوض بملفات الإقليم كـ "شهيد حي للثورة".
عندما سقط هذا الجيل، صعد جيل "النواب والبدلاء" (مثل إسماعيل قاآني وحسين سلامي). لم يرث هؤلاء الكاريزما الشخصية لأسلافهم، لكنهم اضطروا لمواجهة تحولات استراتيجية كبرى؛ حيث قادوا عمليات "الوعد الصادق" الأولى والثانية عام 2024، منتقلين بالصراع من الردع غير المباشر عبر شبكات الفصائل إلى المواجهة الصاروخية المباشرة من الأراضي الإيرانية نحو العمق الإسرائيلي لأول مرة في التاريخ، وهو ما كسر المحظورات القديمة ومهد الطريق لجيل جديد-قديم يعود الآن من الظل ليتصدر المشهد.
العائد من الظل: صعود أحمد وحيدي وهندسة "القيادة الجماعية"
في مارس/آذار عام 2026، وتحت وطأة الصدمة الناتجة عن استشهاد المرشد والقيادات العسكرية العليا في الضربة الأمريكية-الإسرائيلية، لم يتجه النظام الإيراني نحو تصعيد جيل شاب غير مجرب، بل لجأ إلى "حرس الذاكرة التأسيسية" عبر تنصيب الجنرال أحمد وحيدي قائداً عاماً للحرس الثوري الإيراني خلفاً لباكبور.
وحيدي ليس وجهاً عادياً، فهو أحد مؤسسي الحرس الأوائل وتدرج في جهازه الاستخباراتي في الثمانينيات، وتولى قيادة فيلق القدس في الفترة من عام 1988 إلى عام 1997 قبل أن يسلم الراية لسليماني. يتميز وحيدي بصفات تجعله يختلف عن القادة الميدانيين التقليديين.
هذه الثنائية تمنحه قدرة استثنائية على فهم هيكل الدولة المدني والعسكري وإدارة الحرس ليس كجيش موازي فحسب، بل كمنظومة أمنية واقتصادية وسياسية متكاملة. يصفه الباحث علي ألفونه (من معهد دول الخليج العربية في واشنطن) بأنه "البيروقراطي القدير" والمرشح المثالي لإعادة لملمة شتات المنظومة القيادية بعد الضربات الهيكلية.
تمتد ميزة وحيدي إلى معرفته العميقة بآليات تفكير الخصمين؛ الأمريكي والإسرائيلي. ففي منتصف الثمانينيات، كان وحيدي أحد القنوات السرية الإيرانية المباشرة التي تواصلت مع وسطاء إدارة الرئيس ريجان فيما عُرف تاريخياً بفضيحة "إيران-كونترا" (تأمين أسلحة لإيران مقابل استخدام عوائدها لدعم متمردي الكونتر في نيكاراغوا تلافياً لقيود الكونجرس الأمريكي). هذه التجربة النادرة تمنحه بعداً عملياً وتفاوضياً يفتقر إليه الجنرالات الراديكاليون الصرفون.
لكن وحيدي لا يدير المشهد بمفرده، بل يقود ما يسميه ألفونه "القيادة الجماعية غير الرسمية"، وهي تكتل من كبار الضباط والمسؤولين العقائديين الذين يتقاسمون رسم الخطوط الحمراء الأمنية. تبرز ضمن هذه الشبكة الشخصيات التالية:
علي أكبر أحمديان: القائد السابق للقوة البحرية للحرس وأمين مجلس الأمن القومي الأسبق. ظهر أحمديان مؤخراً كعضو أساسي في الوفد التفاوضي الإيراني في إسلام آباد إلى جانب رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي. هذا الحضور يثبت أن الحرس بات شريكاً علنياً ومباشراً في صياغة الدبلوماسية الرسمية، وليس مجرد قوة رقابة خلف الستار. أحمديان يُصنف بحسب الباحث دانيال برومبرغ (زميل المركز العربي بواشنطن) بأنه "خامنئي خالص"؛ أي شخص عقائدي صلب يعتبر الثورة الإيرانية نصاً غير قابل لإعادة التأويل، ويرى أن الأمن القومي لا يتحقق إلا بتجاوز التهديدات الأمريكية وتكثيف برامج الصواريخ والتخصيب.
محمد باقر ذو القدر: أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الحالي، ونائب قائد الحرس السابق (بين عامي 1997 و2005).
يحيى رحيم صفوي: القائد السابق للحرس ومستشار القيادة العليا، وهو أحد واضعي أسس عقيدة الردع الصاروخي وتوسيع شبكة التحالفات الإقليمية.
محسن رضائي: القائد التأسيسي التاريخي للحرس، والذي استدعي مجدداً من تقاعده العسكري والسياسي ليكون بمثابة حلقة الوصل الاستراتيجية مع المرشد الأعلى الجديد السيد مجتبى الخامنئي، وفقاً لما أكدته صحيفة "نيويورك تايمز".
التحول العقائدي الكبير: من "الصبر الاستراتيجي" إلى "الردع بالمبادأة"
تزامن هذا التغير الهيكلي في هرم القيادة مع تحول زلزالي في فلسفة الحرب الإيرانية. ففي السادس من يناير/كانون الثاني عام 2026، أصدر مجلس الدفاع الإيراني بياناً مقتضباً حمل دلالات استراتيجية خطيرة؛ إذ أعلن أن طهران "لم تعد تعتبر نفسها مقيدة بانتظار وقوع الهجوم للرد، وأنها ستتعامل مع العلامات الموضوعية للتهديد كجزء من معادلتها الأمنية المباشرة".
على الرغم من الصياغة الدبلوماسية الحذرة التي تجنبت استخدام مصطلح "الضربة الاستباقية" صراحة، إلا أنها عملياً فتحت الباب لشرعنتها ميدانياً. يرى الباحث في الشؤون الأمنية حميد رضا عزيزي (من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية) أن هذا البيان أعلن رسمياً موت حقبة "الصبر الاستراتيجي" التي كرسها الخامنئي الأب لثلاثة عقود، والتي كانت تقوم على استيعاب الهجوم الأول ثم الاستنزاف طويل الأمد.
تاريخياً، لم تمتلك القوات المسلحة الإيرانية عقيدة هجومية استباقية؛ فقد تأسس خطابها العسكري على الدفاع التراجعي والضربة الثانية. يمثل الانتقال إلى "عقيدة الردع بالمبادأة" تحولاً تكتيكياً خطيراً يظهر بوضوح في السلوك الإيراني الحالي لعام 2026، والذي يتسم بالعدوانية المفرطة مقارنة بحرب عام 2025؛ حيث باتت طهران تتبنى استراتيجيات أكثر إيلاماً:
الاستخدام الكثيف للصواريخ الإقليمية والمسيرات الانقضاضية.
تكثيف الهجمات السيبرانية المركزة على البنى التحتية.
"تسليح الجغرافيا": بعد أن ثبت أن المنشآت النووية في نطنز وفوردو وأصفهان تمثل أهدافاً مكشوفة للضربات الجوية، تراجعت قيمة "الورقة النووية" كأداة ضغط تكتيكية فورية لصالح "الورقة الجيو-اقتصادية". اتجهت القيادة الجديدة نحو استغلال موقعها الجغرافي المهيمن على مضيق هرمز لتهديد أمن الطاقة العالمي ورفع أسعار النفط؛ وهو تكتيك لا يتطلب مواجهة عسكرية شاملة بقدر ما يستثمر في إيلام الاقتصاد العالمي للضغط على واشنطن وتل أبيب.
عقيدة "الدفاع الفسيفسائي" و"بروتوكول الخليفة الرابع"
لمواجهة سيناريوهات اغتيال رأس القيادة واستهداف مراكز التوجيه المركزي في طهران، قامت القيادة الجديدة بتفعيل وتطوير عقيدة "الدفاع الفسيفسائي، وهي نموذج بقاء وتأقلم صُمم خصيصاً لضمان استمرار المواجهة العسكرية حتى في حال الانهيار الكامل لشبكات الاتصال بالعاصمة طهران.
تأسست هذه العقيدة رسمياً عام 2005 على يد القائد الأسبق للحرس محمد علي جعفري، وجرى تعديلها عام 2008 كدرس مستخلص من الغزو الأمريكي للعراق عام 2003؛ حيث خلصت القراءة الإيرانية إلى أن فرط مركزية القيادة في نظام صدام حسين عجل بسقوطه بمجرد سقوط العاصمة بغداد وتدمير شبكات الاتصال المركزية.
تقوم هذه العقيدة على الأسس التالية:
اللامركزية الجغرافية: تقسيم البلاد إلى 32 قيادة إقليمية مستقلة عسكرياً وإدارياً (لكل محافظة قيادتها الخاصة). تتوفر لكل قيادة مخازن سلاح مستقلة، وشبكة اتصالات أرضية وبصرية بديلة، وقدرات رصد ذاتية تتيح لها خوض حرب عصابات طويلة المدى دون الحاجة لأوامر من هيئة الأركان العامة.
بروتوكول الخليفة الرابع: بروتوكول عملياتي سري يحدد مسبقاً من 3 إلى 7 بدلاء متعاقبين لكل منصب عسكري أو أمني أو ديني حساس في الدولة. بموجب هذا البروتوكول، يحل البديل تلقائياً وفوراً بمجرد تصفية القائد الأصلي دون الحاجة لعقد اجتماعات أو إصدار مراسيم تعيين، مما يمنع حدوث أي لحظة شلل في تراتبية القيادة والسيطرة.
يشير الباحث والخبير في الشأن الإيراني سينا أزودي (مؤلف كتاب "إيران والقنبلة") إلى وجود مفارقة وتناقض استراتيجي حاد في الحسابات الغربية والإسرائيلية:
هل أخطأت واشنطن وتل أبيب في الحسابات؟
تثبت القراءة المعمقة للتحولات الراهنة في بنية القيادة والعقيدة العسكرية الإيرانية لعام2026 أن استراتيجية "الاغتيالات" والضربات الاستباقية الواسعة التي انتهجتها الولايات المتحدة وإسرائيل قد أفضت إلى نتائج عكسية تماماً لمخططيها، وتتلخص معالم هذا الإخفاق الاستراتيجي في النقاط التالية:
إعادة تفعيل جيل صلب عابر للمدنية والعسكرية: إن تصفية القادة التكتيكيين لم يفتح الباب لتيار مهادن، بل استدعى من عمق الذاكرة التأسيسية جنرالات استراتيجيين بوزن أحمد وحيدي وعلي أكبر أحمديان، يجمعون بين البعد الأمني العسكري والخبرة البيروقراطية بالدولة، ويمتلكون دراية تاريخية قديمة بآليات التفاوض والالتفاف على العقوبات الأمريكية.
الانتقال لنمط الردع الهجومي: انتهى عصر "الصبر الاستراتيجي" وامتصاص الضربات، وحلت محله عقيدة "الردع بالمبادأة"، مما يجعل الرد الإيراني فورياً وتوقع حدوث ضربات استباقية من جانبها أمراً ممكناً في أي لحظة.
مخاطر استقلال الوحدات الفسيفسائية: إن نجاح عقيدة "الدفاع الفسيفسائي" في حماية النظام من الانهيار الهيكلي تسبب في المقابل في نشوء خطر موازٍ، حيث تزايدت احتمالات حدوث تصعيد غير منضبط نتيجة قيام قيادات إقليمية مستقلة بشن ضربات بمبادرة ذاتية دون الرجوع لقيادة المركز المعقدة.
تعبيد الطريق نحو القنبلة: أزاح استشهاد الامام الخامنئي العقبة الفقهية والسياسية الأبرز أمام السلاح النووي، وأسقطت الهجمات الإسرائيلية منطق "الحذر النووي" لتتبنى القيادة الحالية منطق "القنبلة كدرع وجودي أخير للبقاء".
في نهاية المطاف، تبدو الإجابة عن السؤال الذي يطرحه قادة البنتاغون والموساد وراء الأبواب المغلقة قريبة جداً من نعم؛ لقد أخطأت الحسابات الاستراتيجية التقدير، وأنتجت محاولات كسر القيادة الإيرانية نسخة عسكرية وسياسية أكثر تصلباً، أقل قابلية للتنبؤ، وأكثر استعداداً للذهاب بحرب الاستنزاف إلى حافة الهاوية النووية والجيو-اقتصادية. لقد استدعت الضربات العسكرية فعلياً "عفريتاً" عقائدياً وتنظيمياً معقداً، لم يعد بالإمكان صرفه بالوسائل التقليدية القديمة.


