كيف تحوّل الغليفوسات من مبيد أعشاب إلى سلاح يهدد الأرض والإنسان جنوب لبنان؟
انفوبلس/ تقرير
لم تعد آثار الحروب الحديثة تقتصر على الدمار المباشر الذي تخلّفه القنابل والصواريخ، بل باتت تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، لتطال البيئة والزراعة ومصادر الحياة الأساسية للسكان. وفي جنوب لبنان، تتصاعد المخاوف من تداعيات استخدام إسرائيل لمادة "الغليفوسات" بتركيزات مرتفعة على طول الخط الأزرق الفاصل بين لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة، وسط تحذيرات أممية وعلمية من كارثة بيئية وصحية قد تستمر آثارها لسنوات طويلة.
فالمادة التي عُرفت لعقود طويلة باعتبارها أحد أشهر مبيدات الأعشاب الزراعية في العالم، تحوّلت اليوم إلى محور جدل واسع بعد اتهامات لإسرائيل باستخدامها بطريقة مكثفة في المناطق الحدودية اللبنانية، الأمر الذي يهدد التربة والمياه والمحاصيل الزراعية وصحة السكان، ويعيد إلى الأذهان تجارب تاريخية مؤلمة استخدمت فيها المواد الكيميائية كسلاح غير مباشر لتدمير مقومات الحياة.
من مختبر كيميائي إلى أشهر مبيد في العالم
تعود قصة الغليفوسات إلى عام 1950 عندما اكتشفه الكيميائي السويسري هنري مارتن، إلا أن أهميته الحقيقية لم تظهر إلا بعد عقدين من الزمن، حين اكتشف علماء شركة "مونسانتو" الأمريكية قدرته الفائقة على القضاء على الأعشاب الضارة.
وفي عام 1974 طُرح المركب تجارياً تحت اسم "راوند أب"، وسرعان ما انتشر استخدامه عالمياً بسبب فعاليته العالية وانخفاض كلفته مقارنة بوسائل مكافحة الأعشاب التقليدية.
لكن انتشار الغليفوسات شهد قفزة هائلة بعد منتصف تسعينيات القرن الماضي، عندما طورت شركة مونسانتو محاصيل معدلة وراثياً مقاومة لهذا المبيد. وأصبح بإمكان المزارعين رش الحقول بالمبيد دون أن تتضرر المحاصيل نفسها، ما أدى إلى توسع استخدامه في الولايات المتحدة وكندا والبرازيل والأرجنتين وأستراليا وغيرها من الدول.
ومع انتهاء حقوق الملكية الفكرية للمركب، دخلت عشرات الشركات العالمية إلى سوق إنتاجه، ليصبح المبيد الأكثر استخداماً في العالم تقريباً.
كيف يقتل الغليفوسات النباتات؟
يعتمد الغليفوسات في عمله على تعطيل ما يعرف بـ"مسار الشيكيمات"، وهو نظام حيوي أساسي موجود في النباتات والفطريات وبعض أنواع البكتيريا، ويُستخدم لإنتاج الأحماض الأمينية الضرورية للحياة.
وعندما يصل المبيد إلى النبات، فإنه يوقف إنتاج هذه الأحماض، ما يؤدي تدريجياً إلى انهيار العمليات الحيوية داخل النبات، فتتحول أوراقه إلى اللون الأصفر ثم البني قبل أن يموت بشكل كامل.
ولسنوات طويلة استند المدافعون عن استخدام الغليفوسات إلى حقيقة أن هذا المسار غير موجود لدى الإنسان والحيوانات، معتبرين أن المادة آمنة نسبياً على الصحة البشرية. غير أن الدراسات اللاحقة أظهرت أن القضية أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد.
مخاطر بيئية تتجاوز الأعشاب الضارة
مع التوسع الهائل في استخدام الغليفوسات، بدأت الأبحاث العلمية تكشف تأثيراته على البيئة المحيطة.
فبعد دخوله إلى التربة يتحلل المبيد إلى مادة أخرى تسمى "حمض أمينوميثيل فوسفونيك"، وهي مادة أكثر مقاومة للتحلل البيئي من المركب الأصلي نفسه. وأظهرت دراسات متعددة أن هذه المادة تبقى لفترات طويلة في التربة والمياه السطحية والجوفية، ما يثير مخاوف من تراكمها في البيئة الزراعية.
كما توصلت أبحاث إلى أن الغليفوسات يؤثر سلباً في الكائنات الدقيقة الموجودة في التربة، ويقلل التنوع الميكروبي الضروري لاستمرار خصوبة الأراضي الزراعية.
ولم تتوقف التأثيرات عند هذا الحد، إذ ربطت دراسات أخرى بين استخدامه وتراجع أعداد ديدان الأرض والحشرات الملقحة مثل النحل، وهي كائنات تلعب دوراً محورياً في استدامة النظم البيئية والزراعية. كذلك كشفت أبحاث أن المادة قد تؤثر في الكائنات المائية والبرمائيات، حيث تم رصد تشوهات في نمو يرقات الضفادع في بيئات تعرضت للمبيد.
الجدل الصحي.. هل يسبب السرطان؟
في عام 2015 دخل الجدل حول الغليفوسات مرحلة جديدة عندما صنفته الوكالة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية على أنه "مادة يحتمل أن تكون مسرطنة للبشر".
واستند التصنيف إلى مجموعة من الدراسات التي ربطت بين التعرض الطويل للمادة وزيادة احتمالات الإصابة بسرطان الغدد اللمفاوية غير الهودجكيني.
وفي عام 2019 دعمت دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا هذا الاتجاه، مشيرة إلى أن التعرض المكثف للمبيد قد يزيد خطر الإصابة بهذا النوع من السرطان بنسبة تصل إلى 41 بالمئة.
في المقابل، رفضت جهات تنظيمية أخرى مثل وكالة حماية البيئة الأمريكية وهيئة سلامة الغذاء الأوروبية اعتبار الغليفوسات مادة مسرطنة في ظروف الاستخدام الاعتيادية، معتبرة أن الأدلة الحالية غير كافية لإثبات ذلك بشكل قاطع.
ورغم استمرار الجدل العلمي، فإن المخاوف الصحية المرتبطة بالمادة لم تتراجع، خاصة فيما يتعلق بالأطفال والحوامل والفئات الأكثر حساسية للتلوث الكيميائي.
عندما يتحول المبيد إلى أداة حرب
إذا كان استخدام الغليفوسات في الزراعة يثير جدلاً واسعاً، فإن استخدامه المكثف في مناطق النزاعات المسلحة يفتح باباً أكثر خطورة. فوفق تقارير لبنانية وأممية، قامت إسرائيل خلال الأشهر الماضية برش كميات كبيرة من هذه المادة على طول الشريط الحدودي مع لبنان، وبتركيزات تفوق بكثير المعدلات الزراعية الطبيعية.
وفي فبراير 2026 عبّرت الأمم المتحدة عن قلقها البالغ إزاء هذه الممارسات، محذرة من مخاطرها على السكان المدنيين وسبل عيشهم. ويرى خبراء البيئة أن استخدام المبيد بهذه الصورة لا يهدف فقط إلى إزالة الغطاء النباتي، بل يؤدي عملياً إلى تدمير النظام البيئي بأكمله وتحويل الأراضي الزراعية إلى مناطق شبه عقيمة.
ويستحضر كثيرون في هذا السياق تجربة "العامل البرتقالي" الذي استخدمته الولايات المتحدة خلال حرب فيتنام، حيث أدى إلى أضرار بيئية وصحية استمرت لعقود طويلة. ورغم الفارق الكبير بين المركبين من حيث السمية، فإن استخدام الغليفوسات بجرعات هائلة قد يؤدي إلى نتائج بيئية خطيرة يصعب معالجتها بسرعة.
تهديد مباشر للزراعة اللبنانية
يشكل الجنوب اللبناني أحد أهم المناطق الزراعية في البلاد، ويعتمد آلاف السكان على زراعة الزيتون والكرمة والتبغ والمحاصيل الموسمية كمصدر رئيسي للدخل. لكن الخبراء يحذرون من أن الرش المكثف للغليفوسات قد يؤدي إلى تدمير هذا القطاع الحيوي.
فالتراكيز العالية للمادة لا تقتل الأعشاب فقط، بل تؤثر أيضاً في البكتيريا والفطريات المفيدة التي تعيش في التربة وتساعد النباتات على امتصاص العناصر الغذائية. كما تؤدي إلى تراجع قدرة التربة على الاحتفاظ بخصوبتها، ما يجعل إعادة استصلاح الأراضي المتضررة عملية طويلة ومكلفة.
ويحذر الباحثون من أن هذه الأضرار قد تدفع المزيد من السكان إلى هجر أراضيهم، الأمر الذي يهدد البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات الريفية الحدودية.
أبعاد ديموغرافية وسياسية
لا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب البيئي والزراعي فحسب، بل تمتد إلى أبعاد سياسية وديموغرافية. ففي المناطق الحدودية التي شهدت موجات نزوح واسعة نتيجة الحرب، يمثل تدمير الأراضي الزراعية عقبة إضافية أمام عودة السكان إلى قراهم.
ويرى مراقبون أن تدمير البيئة الزراعية يخلق ظروفاً معيشية صعبة تدفع الأهالي إلى البقاء بعيداً عن مناطقهم الأصلية، وهو ما يغير تدريجياً التركيبة السكانية للمناطق المتضررة.
ومن هنا تتجاوز القضية كونها مشكلة بيئية لتصبح جزءاً من معركة أوسع تتعلق بالسيطرة على الأرض وإعادة تشكيل الواقع السكاني في المناطق الحدودية.
الحل الصيني.. هندسة ميكروبية لإنقاذ التربة
في مواجهة هذه التحديات، ظهرت مؤخراً تقنية علمية جديدة طورها باحثون صينيون قد تفتح الباب أمام معالجة الأضرار الناجمة عن الغليفوسات.
وتعتمد التقنية على ما يسمى "الهندسة الميكروبية الموجهة"، وهي تقوم على استخدام أنواع خاصة من البكتيريا القادرة على تفكيك الغليفوسات وتحويله إلى مركبات غير ضارة. وتعمل هذه البكتيريا من خلال إنتاج إنزيمات متخصصة تكسر الروابط الكيميائية التي تمنح الغليفوسات استقراره وقوته السامة.
وما يميز الطريقة الجديدة أن البكتيريا لا تُستخدم بشكل مباشر، بل تُحمّل داخل مادة تعرف بـ"الفحم الحيوي"، وهو منتج يتم تصنيعه من المخلفات الزراعية. ويقوم الفحم الحيوي بدور مزدوج، إذ يمتص الملوثات الكيميائية من التربة، وفي الوقت نفسه يوفر بيئة مناسبة للبكتيريا كي تقوم بعملها بكفاءة أكبر.
ثلاث مزايا استراتيجية
يرى الخبراء أن الحل الصيني يمتلك ثلاث مزايا رئيسية قد تجعله مناسباً لمعالجة الأراضي اللبنانية المتضررة.
الميزة الأولى تتمثل في قدرته على امتصاص كميات كبيرة من الغليفوسات بسرعة، ما يخفف من تركيزه في التربة ويحد من تأثيراته السامة. أما الميزة الثانية فتتعلق بقدرته على تعديل حموضة التربة، خاصة في المناطق التي تعرضت أيضاً للتلوث بالفوسفور الأبيض، حيث يساعد الفحم الحيوي على إعادة التوازن الكيميائي للتربة.
في حين تكمن الميزة الثالثة في تقليص مدة التعافي البيئي بشكل كبير، إذ تشير التقديرات إلى أن الأراضي التي تحتاج عادة إلى عدة سنوات لاستعادة خصوبتها قد تتمكن من التعافي خلال أقل من عام واحد باستخدام هذه التقنية.
معركة البيئة بعد الحرب
تكشف قضية الغليفوسات في جنوب لبنان أن الحروب الحديثة لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية المباشرة، بل أصبحت تستهدف أيضاً الموارد الطبيعية والبنية البيئية التي تقوم عليها حياة المجتمعات.
وبينما تتواصل التحذيرات من التداعيات الصحية والزراعية لاستخدام المبيد بتركيزات مرتفعة، يبقى السؤال الأهم هو مدى قدرة لبنان على معالجة الأضرار المتراكمة وإعادة الحياة إلى الأراضي المتضررة.
فالمعركة الحقيقية قد لا تكون فقط في وقف القصف أو تثبيت الهدنة، بل في استعادة التربة والمياه والغطاء النباتي، وضمان عودة السكان إلى أراضيهم في بيئة آمنة وصالحة للحياة.
وفي ظل التطورات العلمية الجديدة، قد توفر التقنيات الحديثة أملاً في تسريع عملية التعافي، لكن نجاحها سيبقى مرهوناً بتوافر الإرادة السياسية والدعم الدولي الكافي لمواجهة واحدة من أخطر الأزمات البيئية التي يشهدها جنوب لبنان منذ عقود.

