كيف تحولت جزيرة خرج إلى كابوس استراتيجي يهدد بإسقاط الهيمنة الأمريكية في الخليج؟
انفوبلس/..
في خضم تصاعد التوترات الإقليمية، تتكشف ملامح مواجهة خطيرة بين دونالد ترامب وإيران، ليس فقط عبر التصريحات النارية أو الاستعراضات العسكرية، بل من خلال حسابات ميدانية معقدة تتمحور حول نقطة جغرافية صغيرة ذات وزن استراتيجي هائل وهي جزيرة خرج.
هذه الجزيرة، التي قد تبدو على الخريطة مجرد نتوء مرجاني في مياه الخليج، تحولت إلى مركز صراع محتمل قد يعيد رسم موازين القوى في المنطقة، ويضع واشنطن أمام اختبار عسكري وسياسي غير مسبوق.
ارتباك في واشنطن
بحسب ما كشفته وول ستريت جورنال، فإن دوائر صنع القرار داخل الإدارة الأمريكية تعيش حالة من التردد والتناقض، خصوصًا فيما يتعلق بأسلوب تعامل ترامب مع الأزمات. فترامب، المعروف بنهجه الارتجالي، يواجه ضغوطًا متزايدة من مستشاريه لتقليل ظهوره الإعلامي، بعد أن باتت تصريحاته المتضاربة تُربك الحلفاء وتمنح خصومه نقاط قوة إضافية.
ولم تتوقف المخاوف عند حدود الإعلام، بل امتدت إلى إدارة العمليات العسكرية الحساسة. إذ تشير التسريبات إلى أن ترامب انفجر غضبًا لساعات بعد إسقاط طائرة أمريكية فوق إيران، مطالبًا برد فوري، في حين فضّل العسكريون التريث لتجنب كارثة أكبر.
هذا التباين بين القيادة السياسية والعسكرية يعكس خللًا عميقًا في آلية اتخاذ القرار، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة واشنطن على إدارة حرب معقدة ضد خصم بحجم إيران.
جزيرة خرج: قلب الاقتصاد الإيراني
تمثل جزيرة خرج الشريان الحيوي للاقتصاد الإيراني، حيث تمر عبرها نحو 90% من صادرات النفط الخام. وهذا ما يجعلها هدفًا مغريًا لأي محاولة ضغط أمريكية، لكنه في الوقت ذاته يحولها إلى أكثر النقاط تحصينًا وحساسية في الدفاعات الإيرانية.
فالسيطرة على هذه الجزيرة، من منظور عسكري، لا تعني فقط تعطيل صادرات النفط، بل تعني الدخول في مواجهة مباشرة مع منظومة دفاعية متعددة الطبقات تشمل "صواريخ أرض-جو، طائرات مسيرة، ألغام بحرية، قوات برية مدربة على حرب العصابات".
بمعنى آخر، أي هجوم على خرج لن يكون عملية خاطفة، بل معركة مفتوحة قد تتدحرج إلى حرب شاملة.
مقامرة عسكرية محفوفة بالمخاطر
يرى قادة عسكريون أمريكيون سابقون، مثل جيمس ستافريديس، إن أي محاولة للسيطرة على الجزيرة تتطلب تفوقًا جويًا وبحريًا مطلقًا في نطاق واسع، وهو أمر ليس مضمونًا في ظل القدرات الإيرانية الكبيرة.
ويحذر هؤلاء من أن القوات الأمريكية، قبل أن تصل إلى الجزيرة، ستضطر لعبور مضيق هرمز، أحد أخطر الممرات البحرية في العالم، والذي يمكن لإيران أن تحوله إلى ساحة فوضى عبر الألغام والهجمات غير المتكافئة.
الأخطر من ذلك، أن أي خسائر بشرية كبيرة في صفوف القوات الأمريكية قد تتحول إلى أزمة سياسية داخلية في واشنطن، خاصة في ظل حساسية الرأي العام تجاه الحروب الخارجية.
شكوك حول الجدوى الاستراتيجية
حتى داخل النخبة السياسية الأمريكية، تتصاعد الأصوات المشككة في جدوى هذه المغامرة. فقد حذر ريتشارد هاس من أن السيطرة على خرج قد تُفسر عالميًا على أنها محاولة للاستيلاء على النفط الإيراني، ما سيقوض شرعية أي تحرك أمريكي.
كما أشار إلى أن العملية قد تستنزف مخزون الصواريخ الأمريكية، دون تحقيق مكاسب استراتيجية حقيقية، خصوصًا إذا رفضت طهران الرضوخ للضغوط.
إيران: استعدادات بلا تردد
في المقابل، لا تبدو إيران في موقع المتفرج. فبحسب تقارير استخباراتية، عززت طهران دفاعاتها في الجزيرة بشكل ملحوظ، ونشرت أنظمة صاروخية متطورة، إضافة إلى تكثيف الوجود العسكري.
كما أن الخطاب السياسي الإيراني، الذي عبّر عنه رئيس مجلس الشورى الايراني محمد باقر قاليباف، يحمل نبرة تصعيد واضحة، مع تهديدات باستهداف البنى التحتية لدول إقليمية في حال وقوع أي هجوم.
هذا الموقف يعكس استراتيجية إيرانية تقوم على الردع الشامل، وليس الدفاع فقط، ما يزيد من تعقيد أي حسابات أمريكية.
بين الهيبة والواقع
رغم إعلان دونالد ترامب “الانتصار” في المواجهة مع إيران، فإن الوقائع على الأرض تشير إلى عكس ذلك. فالحشد العسكري الأمريكي في المنطقة، بدل أن يعكس قوة مطلقة، يبدو أقرب إلى محاولة لفرض واقع بالقوة، دون ضمانات للنجاح.
بل إن بعض المحللين يرون أن واشنطن تجد نفسها أمام معضلة حقيقية تتمثل بـ"التراجع وهو ما يعني خسارة الهيبة، والتصعيد الذي يعني المخاطرة بحرب غير محسوبة". وفي كلا الحالتين، تبدو إيران قادرة على استثمار الوضع لصالحها، سواء عبر تعزيز موقعها التفاوضي أو استنزاف خصمها.
ما يجري حول جزيرة خرج ليس مجرد تحرك عسكري، بل اختبار حقيقي لقدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها في منطقة لم تعد كما كانت قبل عقود.
في المقابل، تبدو إيران أكثر ثقة واستعدادًا، مستفيدة من خبرة طويلة في إدارة الصراعات غير المتكافئة.

