edition
إنفوبلاس
  • الرئيسي
  • كل الأخبار
    • سياسة
    • أمن
    • اقتصاد
    • رياضة
    • صحة
    • محليات
    • دوليات
    • منوعات
  • اقرأ
  • شاهد
  • انظر
  • انفوغراف
  • كاريكاتور
  • بودكاست
  • بلغتنا
  • من نحن
  1. الرئيسية
  2. الأخبار
  3. دوليات
  4. لغز البقاء.. لماذا لم يسقط النظام الإيراني تحت وطأة "أكبر هجوم جوي" في التاريخ؟

لغز البقاء.. لماذا لم يسقط النظام الإيراني تحت وطأة "أكبر هجوم جوي" في التاريخ؟

  • اليوم
لغز البقاء.. لماذا لم يسقط النظام الإيراني تحت وطأة "أكبر هجوم جوي" في التاريخ؟

انفوبلس/ تقارير

بينما كانت ألسنة اللهب تتصاعد من خمسمائة هدف استراتيجي في العمق الإيراني، سادَ في أروقة واشنطن وتل أبيب شعور جارف بأن التاريخ يُكتب بالبارود، وأن "ساعة الصفر" قد أعلنت رسمياً نهاية حقبة كاملةً. ظن المخططون أن اغتيال هرم القيادة وتدمير منظومات الدفاع الجوي كفيل بإحداث انهيار داخلي فوري، وتحويل الدولة إلى حطام سياسي جاهز لإعادة التشكيل، لكن الواقع الميداني اصطدم بحائط صد بنيوي لم ترصده مجسّات الأقمار الصناعية، ولا حسابات النماذج الرياضية. هنا في هذا التقرير نبحث في "لغز البقاء" الذي أربك جنرالات البنتاغون، فكيف صمدت طهران أمام استراتيجية "قطع الرأس"؟ ولماذا فشلت أعنف غارة جوية في التاريخ في تحويل "وهم السقوط" إلى حقيقة استراتيجية على الأرض؟

نُذر العاصفة.. حين توهمت واشنطن أن النهاية بدأت

بدأت الحرب، وانطلقت الولايات المتحدة الأميركية إلى جانب الاحتلال الإسرائيلي في ضرب إيران، لم تكن مجرد غارة عابرة بل كانت محاولة لإعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط بـ"الكيّ". وبعد أقل من ساعة على سقوط أولى الصواريخ الأميركية والإسرائيلية على الأراضي الإيرانية، خرج الرئيس دونالد ترامب من وراء مكتبه البيضاوي، بملامحه التي يغلفها مزيج من التحدي والزهو، معلنًا أنه يأمل في تغيير النظام.

لم يكتفِ ترامب بالبيانات العسكرية، بل توجه بحديثه مباشرة إلى الشعب الإيراني في مقطع فيديو مُعد مسبقاً، قائلاً بلهجة الواثق من حتمية السقوط: "الآن هو الوقت المناسب للسيطرة على مصيركم، هذه هي لحظة التحرك لا تدعوها تفوتكم". 

كانت تلك الدعوة الصريحة للتمرد تعكس عمق القناعة في أروقة صنع القرار الأميركي بأن النظام في طهران ليس سوى قشرة هشة ستبددها رياح الصواريخ الدقيقة.

ويبدو أن الأمر لم يكن في خيال ترامب معقّدًا إلى هذا الحد، فمع أكبر هجوم في تاريخ سلاح الجو الإسرائيلي شاركت فيه 200 طائرة من أحدث ما أنتجته مصانع السلاح الغربي، انطلقت الغارات لتستهدف أنظمة الدفاع الصاروخي والجوي الإيرانية. 

هاجمت تلك الأسراب نحو 500 هدف داخل العمق الإيراني، شملت دفاعات جوية ومنصات إطلاق صواريخ ومقار قيادة حساسة تضم عدداً من القادة الإيرانيين، وفي الوقت نفسه تكفّل الجيش الأميركي بقصف إيران بذخائر دقيقة أُطلقت من البر والبحر والجو، محولةً ليل طهران ومدن إيران الكبرى إلى نهارٍ قسري من اللهب والانفجارات.

وهم "قطع الرأس".. وميكانيكا التقدير الخاطئ

ومع إضعاف الحكومة الإيرانية بفعل الضربات الجوية العنيفة، واغتيال الإمام الخامنئي، و40 من كبار القادة، من بينهم قائد الحرس الثوري الإيراني اللواء محمد باكبور، ووزير الدفاع عزيز نصير زاده، وعلي شمخاني مستشار شؤون الأمن لدى الإمام الخامنئي، بدا في لحظة ما، أن الأمر قد حُسم عسكرياً وسياسياً.

إلى جانب ذلك، استُهدفت مواقع مدنية عدة ما أدى إلى استشهاد مئات المدنيين غالبيتهم العظمى من الأطفال، ومع هذا الحجم الهائل من الضربات والخسائر البشرية والمادية، ساد في تل أبيب وواشنطن شعور بأن انهيار الداخل الإيراني بات مجرد مسألة وقت، وأن الدولة الإيرانية ستدخل في طور التفكك قبل بزوغ الفجر القادم.

إلا أن الإيرانيين لم ينهاروا ولم يتأخروا في الرد، فقد استوعبت الدولة الإيرانية ببنيتها المؤسساتية والعقائدية، الصدمة الأولى بصلابة أذهلت المخططين في "البنتاغون"، وشنّت طهران هجمات صاروخية وأطلقت مئات المسيّرات باتجاه الأراضي المحتلة، كما استهدفت المصالح الأميركية في دول الخليج كلها تقريباً، مؤكدةً أن القوة ليست مجرد تكنولوجيا صماء، بل هي قدرة على الاحتمال والرد تحت أقسى الظروف.

الحرب كحرباء.. ما لا يتعلمه القادة من التاريخ

إن الحربُ كما يرى أشهرُ منظّريها كارل فون كلاوزفيتز، كالحرباء التي تبدّل لونها في كلّ لحظة، فهي ظاهرة شديدة التقلّب عصيّة على الضبط ولا تستقرّ على صورة واحدة، وبالنظر إلى تعريفاته لها نجدها جميعًا تشير إلى كونها ظاهرة غير خطيّة لا تنقاد لقوانين عقلانيّة صارمة ولا يمكن إخضاعها لتنبؤ تحليلي حتمي.

  • جورج دبليو بوش عراب
    جورج دبليو بوش عراب "غزو العراق"، أرشيفية/ رويترز

وما يلفت النظر في تاريخ الحروب ليس عنفها، بل يقينُ قادتها الذي يقترب من الغطرسة، في كل مرة تقريبًا تدخل الدول صراعًا واسعًا وهي مسلّحة بثقة تحليلية تُطمئن صُنّاع القرار بأن الزمن سيكون قصيرًا والكلفة محتملة والمآل قابلًا للإدارة. غير أن الحرب، كما صاغها كلاوزفيتز، ليست امتدادًا ميكانيكيًا للسياسة، بل مجالٌ تتكاثر فيه المصادفات، وتتصادم الإرادات، وتتآكل الافتراضات الأولى بسرعة مذهلة تحت وطأة ما أسماه "الاحتكاك".

المفارقة أن هذا التحذير النظري، والكثير من دروس التاريخ المريرة، لم تمنع أجيالًا من الساسة والعسكريين من الوقوع في الخطأ ذاته: تحويل الاحتمال إلى يقين، فعشية الحرب العالمية الأولى، صيف 1914، سادت بين قادة العواصم الأوروبية قناعة راسخة بأن الصراع لن يتجاوز أشهر قليلة، وأن الجنود سيعودون إلى بيوتهم قبل عيد الميلاد. 

لم يكن ذلك تعبيرًا عن سذاجة فردية بقدر ما كان نتاج ثقافة استراتيجية رأت في الحشد السريع والتفوق الصناعي ضمانةً للحسم السريع، غير أن الحرب سرعان ما كشفت هشاشة هذه الحسابات، وانزلقت القارة إلى 4 سنوات من الاستنزاف الدموي الذي لم يتوقعه أحد تقريبًا.

وبعد نصف قرن، كرّر الرئيس الأميركي ليندون جونسون ثقةً مماثلة في قدرة مستشاريه وخبراء الحاسوب آنذاك على توجيه حرب فيتنام نحو خاتمة "عقلانية" وآنذاك كانت الولايات المتحدة في ذروة إيمانها بالتقنية وبالقياس الكمي، واعتقدت أن ما لا يُرى يمكن نمذجته، وما لا يُحسم يمكن ضبطه عبر معادلات التفوق الناري.

لكن الحرب، بوصفها صراع إرادات لا صراع أدوات فحسب، قاومت هذا الاختزال، وتحوّلت إلى تجربة سياسية وأخلاقية مزّقت الداخل الأميركي قبل أن تنتهي بالانسحاب المذل في سايغون.

ثم جاء غزو العراق عام 2003، حين افترضت إدارة جورج دبليو بوش أن إسقاط نظام صدام حسين سيعني نهاية القتال، وأن الفراغ السياسي يمكن ملؤه بسرعة عبر هندسة مؤسسات جديدة، مرة أخرى تبيّن سوء تقدير المخططين الأميركيين، وانفتحت أبواب العنف الأهلي، وتحوّل الغزو التكتيكي إلى مأزق استراتيجي طويل الأمد، استنزف تريليونات الدولارات وآلاف الأرواح دون تحقيق "الاستقرار" الموعود.

ويبدو أن سوء التقدير أصبح أمرًا روتينيًا عند المخططين الأميركيين، فالفجوة بين التوقع والواقع كانت صارخة على نحو خاص في حالة الحرب الروسية – الأوكرانية بالنسبة إلى الأميركيين. 

فخلال شهادته أمام الكونغرس في مارس/ آذار 2022، أقرّ الفريق سكوت بيرييه، مدير وكالة استخبارات الدفاع الأميركية، بأنه أساء تقدير قدرة أوكرانيا على مقاومة روسيا: "لقد شككتُ في إرادتهم للقتال.. كان ذلك تقييمًا سيئًا". إذ توقع الأميركيون أن كييف ستسقط خلال 3 أيام، وأن أوكرانيا ستسقط خلال أسبوعين، غير أن الحرب مرة أخرى كسرت خطية التحليل، وأعادت تعريف موازين القوة على نحو لم يكن محسوبًا.

قد يُقال إن الخطأ جزء لا مفرّ منه من طبيعة الحرب، وهذا صحيح جزئيًا فالحرب محكومة بـ"الاحتكاك" و"الصدف" و"اللايقين" و"ضباب الحرب": تلك العناصر غير المحسوبة التي تتراكم لتُفسد أفضل الخطط، غير أن تكرار سوء التقدير يطرح سؤالًا أعمق: لماذا يُصرّ صانعو القرار في واشنطن وتل أبيب على الثقة المفرطة في أدواتهم التحليلية، رغم تراكم الأدلة على محدوديتها حين تصطدم بأنظمة كإيران؟

إرادة القتال وسحر الحرب.. حين تُخطئ القوة في قراءة الإرادة

الإجابة لا تكمن فقط في نقص المعلومات، بل ربما في طبيعة المؤسسة التي تُنتج التقدير، فالأنظمة والدول الحديثة، خاصة حين تمتلك تفوقًا عسكريًا وتقنيًا كإسرائيل وأميركا، تميل إلى الاعتقاد بأن القوة تُترجم تلقائيًا إلى قدرة على التحكم بالنتائج. فيتحوّل التفوق إلى عدسة تُفلتر الواقع، فيُرى الخصم أضعف ما هو عليه، وتُختزل إرادته في حسابات مادية، بينما تُتجاهل العوامل غير الملموسة، "كإرادة القتال". بالرغم من أنها، في كثير من الأحيان، سواء لدى دولة كبرى أو تنظيمات مسلحة، قد تُعدّ العنصر الذي يعيد ترتيب المعادلة كلها.

وهذا ما يوضحه عالم الأنثروبولوجيا الأميركي – الفرنسي سكوت أتران، الذي كرّس سنوات لدراسة الدوافع غير المادية في النزاعات المسلحة.

إذ يقول أتران: "لقد أصبح سوء تقدير إرادة القتال أمرًا روتينيًا، وغالبًا ما كانت نتائجه كارثية على المخططين وجمهورهم"، لا لأن الجيوش تفتقر إلى السلاح، بل لأنها تفترض أن الخصم يحسب بالطريقة ذاتها التي تحسب بها، أي وفق منطق الربح والخسارة المادي الصرف.

فتُخطَّط الاجتياحات العسكرية عادةً على قاعدة توظيف أقصى قدر من القوة في بدايتها لضمان حسم سريع، كاستراتيجية "الصدمة والترويع" التي تراهن على كسر الإرادة في الأيام الأولى، لكن ماذا لو لم تُكسر؟ ماذا لو قاوم المدافعون، أو أُتيحت لهم فرصة لالتقاط أنفاسهم وإعادة تنظيم صفوفهم؟ هنا يرى أتران أنه يمكن أن تنقلب المعادلة؛ فقد يميل الميزان إلى أولئك الذين يملكون استعدادًا طويل النفس للتضحية، والذين يستطيعون تعبئة الموارد تدريجيًا ضد مهاجم استنفد ذروة اندفاعه الأولى، أو استهلك ما يستطيع – أو ما يرغب – في الالتزام به أمام جمهوره الداخلي.

  • قوات أمريكية شاركت في غزو العراق/ رويترز
    قوات أمريكية شاركت في غزو العراق/ رويترز

ولا يكتفي أتران بالتحليل النظري، في دراساته الميدانية التي شملت مناطق الصراع الكبرى، استخدم أدوات من علم النفس المعرفي والتصوير العصبي لقياس استعداد الأفراد للتضحية من أجل ما يسميه "القيم المقدسة". أظهرت صور الدماغ نشاطًا مختلفًا حين يتعلق الأمر بقيم تُعدّ غير قابلة للمساومة كالدفاع عن السيادة أو العقيدة؛ إذ يصبح الاستعداد للتضحية أكبر بكثير، ويتراجع منطق المقايضة الذي يحكم الحسابات المادية العادية.

هنا يشير أتران إلى المفارقة التي تهملها كثير من مؤسسات الدول والساسة الغربيين: حين يتحول الصراع إلى دفاع عن قيمة مقدسة – الدين، الأرض، الرفاق، أو القادة – فإن منطق "الحوافز" يفقد قدرته التفسيرية. فلا يعود الراتب، أو العقوبة، أو حتى النجاة الشخصية، العامل الحاسم، بل يصبح الاستعداد للتضحية جزءًا من تعريف الذات. وفي هذه الحالة، قد تتغلب دولة كإيران، رغم الحصار والتفوق التقني لخصومها، لأنها تقاتل ضمن أفق معنوي لا يقبل الاختزال إلى أرقام الصواريخ التي سقطت.

حتى الهزيمة لا تُنهي هذا الأفق، إذ يقول أتران إن أصحاب إرادة القتال، حتى عندما يُبادون، يتحولون إلى مادة للأساطير، تُعاد صياغة قصصهم بوصفها بطولات، ويُستثمر استشهادهم في تعبئة أجيال لاحقة. الهزيمة العسكرية قد تتحول، في المخيال الجمعي، إلى نصر رمزي طويل الأمد، وهنا تصبح الحرب أكثر تعقيدًا، لأنها لا تدور فقط في ساحة المعركة، بل في الذاكرة الجمعية للشعوب.

وهذا ما أقرّ به بصورة مختلفة، الجنرال مارك ميلي أمام الكونغرس، حين وصف ما حدث في أفغانستان بأنه "فشل استراتيجي" ناجم عن إهمال العامل "غير الملموس" في الحرب. إذ قال بوضوح: "يمكننا أن نعدّ الشاحنات والبنادق والوحدات وكل ذلك. لكن لا يمكننا قياس قلب إنسان بآلة".

ورغم إقرار الأميركيين بأن العامل غير المادي حاسم، فإن تكرار سوء التقدير مع إيران يوضح انحيازًا بنيويًا في طريقة التفكير. فالمؤسسات العسكرية الغربية، تميل إلى ما يمكن قياسه وعدّه: عدد الطائرات والدبابات، مدى الصواريخ، حجم الإنفاق. هذه عناصر قابلة للإدخال في النماذج، أما "الروح" والصلابة الأيديولوجية فتبقى خارج جداول البيانات، مما يخلق "فجوة التقدير" القاتلة التي سقطت فيها واشنطن مجدداً في مغامرتها ضد طهران.

وهم "قطع الرأس".. لماذا لم تسقط إيران بضربة واحدة؟

يبدو أن دونالد ترامب لم يتعلم من أخطاء أسلافه، بل جعل من نقدهم رافعة انتخابية، ثم عاد ليرتكب ما هو أفدح، فقد ذهب انجرافًا وراء إسرائيل لشن الحرب دون تفويض من الكونغرس، وبدون خطة سياسية واضحة لليوم التالي، ليعيد إنتاج النمط ذاته الذي هاجمه، ولكن باندفاع أكبر وانضباط مؤسسي أقل. 

وبحسب الصحفي الأميركي ديفيد كورن، فإن ما تكرر يشي بالخلل البنيوي ذاته: "ترامب لا يملك خطة لإيران، الفكرة تبدو أقرب إلى قصف وقتل، ثم انتظار النتائج".

كانت الفرضية الأميركية-الإسرائيلية أن القضاء المفاجئ على الإمام الخامنئي سيُحدث صدعًا قاتلًا، تماماً كما توهموا في سيناريوهات سابقة. هذه القراءة افترضت أن النظام الإيراني يتمحور حول شخص، وأن إزاحته تعني انهيار شبكة الولاءات، لكن حتى مع نجاح الاغتيال في يومه الأول، لم يسقط النظام، بل على العكس، تكاتفت المؤسسات وتصاعدت الضربات الإيرانية. هنا يتجلى الفارق بين الإنجاز العملياتي (الاغتيال) والنتيجة الاستراتيجية (إسقاط النظام).

في هذا السياق، كتب الباحث علي هاشم في مجلة "الفورين بوليسي"، مؤكداً أن الجمهورية الإسلامية ليست نظامًا شخصانيًا، بل بنية ثورية استثمرت منذ 1979 في التخطيط لتغيّرات القيادة، وعندما يتعرض للضغط تُصمَّم بنيته لتتماسك لا لتتفكك، فالبنية الإيرانية تتداخل فيها المؤسسة الدينية مع الحرس الثوري، والشبكات الاقتصادية الواسعة، لتكون منظومة مؤسسات موازية صُممت لتحمي المشروع لا الشخص.

وقد لخّص الإمام الخميني هذا المنطق في عبارته الشهيرة: "إن حفظ الجمهورية الإسلامية أهم من حفظ أي فرد". من هنا، فإن الرهان على إسقاط النظام عبر استهداف رأسه يقوم على قراءة سطحية ترى السلطة فيها كتجسيد شخصي، بينما يتعامل النظام مع نفسه كبنية رسالية، مما جعل الاغتيالات عامل تعبئة داخلية لا عامل انهيار.

اعترافات متأخرة.. حين يرتطم الطموح بالواقع

بحسب رويترز، فإن كبار المسؤولين الأميركيين يشكّكون في أن تؤدي هذه العملية إلى تغيير النظام في المدى القريب. كانت وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) قد حذرت البيت الأبيض من أن استشهاد الإمام الخامنئي قد يؤدي إلى صعود شخصيات "أكثر تشدداً" بحسب تعبيرها من الحرس الثوري، ولن يفتح أبواب "الديمقراطية" كما يروج ترامب.

وقال مسؤول أميركي مطّلع إن مسؤولي الحرس الثوري لن يستسلموا طوعاً، لأنهم يستفيدون من شبكة واسعة صُممت للحفاظ على الولاء الداخلي. كما أن التقارير الاستخباراتية أكدت عدم حدوث انشقاقات تذكر داخل القوات المسلحة الإيرانية حتى في أوقات الاحتجاجات، فكيف بها في وقت العدوان الخارجي؟

رغم هذه القراءات الحذرة، اندفعت إدارة ترامب وإسرائيل وراء تصور "الحرب القصيرة" التي تنتهي في أيام، غير أن التراجع اللاحق في خطاب ترامب كشف هشاشة هذا التصور؛ فبعد عودته من فلوريدا، امتنع عن الحديث عن "تغيير النظام" كهدف مباشر، وبدأ يبحث عن مخارج توحي بتوقعه بقاء النظام قائماً. بل وأشارت الصحيفة العبرية "يديعوت أحرونوت" إلى أن واشنطن حاولت عبر إيطاليا تقديم عرض لوقف إطلاق النار، وهو ما قوبل برفض إيراني مشروط بالاعتراف بالفشل الأميركي.

دروس القوة التي لا تُقاس

في كثير من مجالات الحياة اليومية، قد تكون عواقب قِصر النظر محدودة، أما في الحرب فقد كانت مدمرة لواشنطن وتل أبيب بما يفوق أشد كوابيسهم جموحاً. لقد أثبتت إيران أن القوة ليست في عدد الطائرات الـ (F-35) فحسب، بل في "البنية المؤسساتية" و"الإرادة الوطنية" التي لا يمكن إسقاطها بضربة جوية مهما بلغت دقتها.

لقد سقطت واشنطن في فخ التاريخ مجدداً، مكررةً خطأ روسيا في أوكرانيا حين اعتقدت أن الحسم سيستغرق أياماً. واليوم تقف القوة العظمى أمام حقيقة مرة: أن إيران عام 2026، بصمودها وردها المدروس، قد حفرت قبر أوهام "الهيمنة المطلقة" في رمال الشرق الأوسط، لتثبت أن الأنظمة التي تُبنى على العقيدة والمؤسسات لا تسقط بـ"وهم قطع الرأس".

أخبار مشابهة

جميع
لغز البقاء.. لماذا لم يسقط النظام الإيراني تحت وطأة "أكبر هجوم جوي" في التاريخ؟

لغز البقاء.. لماذا لم يسقط النظام الإيراني تحت وطأة "أكبر هجوم جوي" في التاريخ؟

  • اليوم
حرب بلا حسم: كيف كشفت المواجهة حدود القوة الأمريكية و"الإسرائيلية"

حرب بلا حسم: كيف كشفت المواجهة حدود القوة الأمريكية و"الإسرائيلية"

  • اليوم
من هرمز إلى بروكسل.. الحرب على إيران تصدع التحالف الغربي وتؤسس لمرحلة لا تُدار فيها الحروب بقرار أمريكي منفرد

من هرمز إلى بروكسل.. الحرب على إيران تصدع التحالف الغربي وتؤسس لمرحلة لا تُدار فيها...

  • اليوم

شبكة عراقية اعلامية

  • الرئيسية
  • مقالات
  • فيديو
  • كاريكاتور
  • إنفوغراف
  • سياسة الخصوصية

جميع الحقوق محفوطة