"انقلاب" الوثائق الملحومة يشعل المثنى: قصة المحافظ الذي استقال ولم يوقع والبديل الذي عاد بـ"الأمر الولائي"
انفوبلس/ تقرير
تعيش محافظة المثنى، منذ الساعات الأولى ليوم أمس الثلاثاء، حالة من "الذهول السياسي" والتحول الدراماتيكي الذي وضع المحافظة الهادئة نسبياً على صفيح ساخن. فبين عشيّة وضحاها، تحول المشهد من جلسة استجواب اعتيادية للمحافظ مهند العتابي، إلى "فيلم إثارة" قانوني تخللته استقالة طوعية "مزعومة"، وانتخاب محافظ جديد، واتهامات بـ"الانقلاب"، وصولاً إلى تدخل القضاء العراقي لفرض كلمة الفصل عبر "أمر ولائي" أوقف جميع هذه الإجراءات.
الجلسة "المريبة" والمفاجأة المدوية
بدأت الأحداث تتسارع عندما عقد مجلس محافظة المثنى، أمس الثلاثاء (24 شباط 2026)، جلسة رسمية كان من المقرر أن تكون مخصصة لاستجواب المحافظ مهند العتابي حول ملفات تتعلق بهدر المال العام ومخالفات إدارية. لكن، وبدلاً من الاستجواب، فجّر رئيس المجلس أحمد الزيادي مفاجأة بإعلانه أن العتابي استبق الجلسة بتقديم استقالته "طوعاً".
مجلس المحافظة لم يضيع الوقت، فصوّت فوراً على قبول الاستقالة، وفتح باب الترشيح، لينتخب "أحمد منفي جودة" محافظاً جديداً بحصوله على 10 أصوات من أصل 12 صوتاً. رئيس المجلس الزيادي دافع عن قانونية الإجراء، مؤكداً أن الاستقالة كانت تعبيراً عن رغبة المحافظ نفسه، وأن اختيار منفي جاء بناءً على معايير الخبرة الإدارية لمعالجة التحديات الخدمية القائمة.
العتابي يكسر الصمت.. "أين استقالتي؟"
لم يتأخر الرد كثيراً، فقد ظهر المحافظ مهند العتابي في تصريح مصور أثار ضجة واسعة، نافياً بشكل قاطع تقديم أي استقالة. العتابي وصف ما جرى داخل أروقة المجلس بـ "الشيء المريب"، مؤكداً أنه حضر للمجلس للاستجواب، لكنه تفاجأ عبر وسائل التواصل الاجتماعي بخبر استقالته.
وتساءل العتابي بنبرة استنكارية: "من الذي قدم الاستقالة؟ وأين هي هذه الاستقالة أصلاً؟". هذا النفي حول القضية من صراع إداري إلى صراع "تزوير إرادة"، حيث يتهم العتابي وحلفاؤه المجلس باختلاق وثيقة استقالة غير موجودة للإطاحة به وتمرير المحافظ السابق أحمد منفي جودة.
دولة القانون والنهج الوطني: "انقلاب" وتجاوز للتوافقات
الأزمة لم تبقَ محلية، بل وصلت أصداؤها إلى بغداد. رئيس ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، دخل على خط الأزمة بتغريدة شديدة اللهجة، وصف فيها منصب محافظ المثنى بأنه "استحقاق لدولة القانون" وفقاً لتوافقات الإطار التنسيقي. المالكي أكد أن أي تغيير يجب أن يحافظ على هذا التوازن، وتحديداً لجهة (تحالف النهج الوطني/ حزب الفضيلة) الذي ينتمي إليه العتابي.
من جانبه، أصدر تحالف النهج الوطني بياناً نارياً وصف فيه ما جرى بأنه "انقلاب سياسي" ومخالفة إجرائية جسيمة.
التحالف اعتبر أن جلسة المجلس "باطلة قانوناً"، وأن جميع القرارات الصادرة عنها، بما فيها انتخاب أحمد منفي، لا يترتب عليها أي أثر قانوني، داعياً القوى السياسية في المثنى إلى الالتزام بالمواثيق التي تشكلت على أساسها الحكومة المحلية.
المواجهة القانونية: القضاء يوقف "القطار السريع" للمجلس
ومع تصاعد التوتر والمشادات الكلامية التي شهدتها قاعة المجلس، لجأ مهند العتابي إلى القضاء العراقي لانتزاع حقه الشرعي. واليوم الأربعاء (25 شباط 2026)، أعلن العتابي رسمياً استحصال "أمر ولائي" من المحكمة المختصة يقضي بإيقاف تنفيذ قرارات مجلس المحافظة الخاصة بقبول استقالته "المزعومة"، وإيقاف قرار انتخاب محافظ جديد.
هذا الأمر الولائي يمثل "فرملة" قانونية قوية لإجراءات المجلس، ويعيد الأوضاع إدارياً إلى ما قبل جلسة الثلاثاء، مما يعني بقاء العتابي في منصبه حتى حسم الدعوى الأصلية، وهو ما يضع مجلس المحافظة في موقف قانوني حرج، خاصة وأن رئيس المجلس كان قد وجه بتكليف النائب الأول "مؤيد جاسم حسن" بإدارة الشؤون مؤقتاً لحين صدور المرسوم الجمهوري.
جذور الصراع: هدر المال العام أم تصفية حسابات؟
رئيس المجلس أحمد الزيادي يصر على أن المحافظ السابق ارتكب مخالفات قانونية وإدارية واضحة واستغل منصبه الوظيفي.
ويرى مراقبون أن الصراع في المثنى يعكس انقساماً داخل قوى الإطار التنسيقي نفسها في المحافظة، حيث يسعى جناح لاستعادة النفوذ عبر إعادة أحمد منفي جودة (المحافظ السابق)، بينما يتمسك الجناح الآخر (دولة القانون والنهج) باستحقاقه الانتخابي الذي تمخضت عنه الحكومة المحلية الحالية.
المثنى، التي تعد من أفقر محافظات العراق، تجد نفسها اليوم ضحية لصراع الإرادات هذا، حيث تعطلت لغة الحوار وحلت محلها لغة "الأوامر الولائية" والبيانات المتبادلة، في وقت ينتظر فيه المواطن السماوي تحسيناً في الواقع الخدمي المتردي وملف البنى التحتية الذي تعهد رئيس المجلس بالتركيز عليه في "العهد الجديد" الذي لم يولد بعد.
محافظة بانتظار "المرسوم" أو "القرار"
بين إصرار مجلس المحافظة على أن الاستقالة "طوعية" وقانونية، وبين تأكيدات العتابي بأنها "مفبركة" ودعم القضاء له بالأمر الولائي، تدخل المثنى في نفق مظلم من الفراغ التنفيذي المبطن بصراع سياسي.
السؤال الذي يطرحه الشارع الآن: هل سيمضي مجلس المحافظة في محاولة استحصال المرسوم الجمهوري لأحمد منفي رغم الأمر الولائي؟ أم أن القضاء سيصدر حكماً نهائياً ببطلان الجلسة وإعادة العتابي مع استمرار إجراءات الاستجواب؟ الأيام القادمة ستحمل الجواب، لكن الأكيد أن ما جرى في السماوة هو "زلزال" إداري سيهز ثقة المواطن في استقرار مؤسساته المحلية لفترة طويلة.