ثورة الخوارزميات في بلاد الرافدين.. خارطة طريق عراقية لترويض الذكاء الاصطناعي أمنياً وخدمياً
انفوبلس/ تقارير
يشهد العراق تحولاً جذرياً في فلسفة الإدارة الحكومية، حيث غادر مربع الأتمتة التقليدية لينخرط في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي ولم يعد دمج التقنيات الذكية ترفاً تقنياً، بل ضرورة استراتيجية لتقليل الجهد البشري ورفع دقة القرار الأمني. ومن خلال رؤية طموحة، تقود المؤسسات العراقية اليوم حراكاً تقنياً يهدف إلى بناء منظومة معلوماتية متكاملة تعيد صياغة مفهوم الخدمة العامة والأمن الاستباقي.
خوارزميات الردع والاستباق الأمني
مؤخرا، كشف المتحدث باسم وزارة الداخلية، العقيد عباس البهادلي، عن تفاصيل حزمة من المشاريع المتقدمة التي تعتمد في جوهرها على الذكاء الاصطناعي لدعم التحول الرقمي.
وتأتي في مقدمة هذه الجهود "المنصة الذكية لتكامل وتحليل الجرائم"، وهي منظومة متطورة تعمل على تجميع البيانات من مصادر شتى وتحليلها عبر نماذج رياضية قادرة على رصد الأنماط الإجرامية وتقديم مؤشرات تنبؤية تساعد القيادات الأمنية في اتخاذ قرارات استباقية قبل وقوع الجريمة.
-
ثورة الخوارزميات في بلاد الرافدين.. خارطة طريق عراقية لترويض الذكاء الاصطناعي أمنياً وخدمياً
وفي مواجهة التحديات الرقمية الحديثة، أطلقت الوزارة منصة "الحقيقة" المتخصصة في كشف التزييف، والتي تستهدف محاصرة الوثائق المزورة ومقاطع الفيديو المفبركة (Deepfake). تعتمد هذه المنصة على أدوات تحليلية دقيقة تقارن البيانات وتكتشف أي تلاعب بصري أو مستندي، مما يوفر حماية قصوى للمؤسسات والمواطنين من عمليات الاحتيال المتصاعدة.
رقابة ذكية وهيكلية مؤسسية مستحدثة
ويتسع نطاق التوظيف التقني ليشمل تفعيل أنظمة "التعرف على الوجوه" ومطابقتها بالواقع الحي عبر شبكات مراقبة متطورة، مما يسهل عملية ملاحقة المطلوبين وذوي السوابق بدقة متناهية. كما استحدثت الوزارة منصة للتخطيط والتوزيع الاستراتيجي للموارد، تهدف إلى إدارة الانتشار الميداني بناءً على تحليل الاحتياجات الفعلية والبيانات المكانية.
ولضمان ديمومة هذا المسار، حصلت موافقة وزير الداخلية على استحداث شعب تخصصية للذكاء الاصطناعي في مقار الوكالات والمديريات، مع تشكيل فريق وزاري موحد لصياغة سياسة البيانات والأطر التنظيمية.
ولم يغفل التوجه الحكومي البنية التحتية، حيث يجري العمل على إنشاء "مشروع البنية التحتية التخصصية" ليكون القاعدة الصلبة لكل مشاريع التحول الرقمي، بالتوازي مع بناء نموذج وطني للذكاء الاصطناعي بالتعاون مع مختلف مؤسسات الدولة.
استراتيجية خماسية لبناء الإنسان والمنظومة
لا تقتصر الرؤية العراقية على الأدوات التقنية فحسب، بل تمتد لتشمل خطة استراتيجية مدتها خمس سنوات تستهدف تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالحوادث وتحليل البيانات الضخمة.
وفي خطوة تهدف لضمان الاستدامة البشرية، تم إدراج منهاج متخصص لطلبة كلية الشرطة ومعهد إعداد المفوضين، لضمان تخريج ضباط يمتلكون مهارات رقمية تواكب العصر.
على الصعيد الخدمي، دخلت التقنيات الذكية في صلب التعاملات اليومية، من نظام الحجز المروري وإصدار الهويات، وصولاً إلى منصة "الدليل الذكي" التي توحد خدمات الوزارة. ومن أبرز المبادرات أيضاً منصة "التنبؤ بالحوادث المرورية" التي تحلل بؤر الازدحام لاقتراح حلول وقائية، ومنصة "راصد" لمتابعة المحتوى المسيء للعراق على منصات التواصل الاجتماعي، مما أسهم بشكل ملموس في اختزال الوقت وتقليص الهدر المالي وتحسين جودة التقارير الداعمة للإدارة العليا.
تحديات التشريع وفجوة الاستهلاك التقني
رغم هذا الطموح، يرى خبير الاتصالات والحوكمة التكنولوجية، علي أنور، أن العراق يقف أمام تحدي "اللحاق بالزمن" لتجنب فقدان الفرص الاستراتيجية.
ويشير أنور إلى أن النجاح يتطلب إرادة سياسية تتجاوز شراء الأنظمة إلى إعادة هيكلة آليات العمل فالعقبات لا تزال تتمثل في نقص التشريعات المنظمة، وضعف البنى التحتية الرقمية، ومقاومة التغيير داخل الأوساط الإدارية التقليدية.
وينوه أنور إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة فعالة لترسيخ العدالة والشفافية، حيث تتعامل الخوارزميات مع البيانات دون تمييز شخصي، مما يحد من الفساد.
ومع ذلك، حذر من الاعتماد المفرط على "استيراد النماذج الجاهزة"، مؤكداً أن الفارق كبير بين استهلاك التكنولوجيا وامتلاك ناصيتها، وهو ما يستدعي تطوير حلول محلية تضمن السيطرة التقنية الكاملة.
السيادة المعلوماتية وبوابة الأمن السيبراني
من جانبه، يصنف الدكتور صفد الشمري، رئيس مؤسسة بغداد للتواصل والإعلام الرقمي، التجربة العراقية حالياً في "المرحلة الوسطى" بين التجريب والتطبيق الفعلي.
ويرى الشمري أن التوظيف الحالي يتركز في مبادرات جزئية وأتمتة إجراءات، بينما يغيب التكامل الشامل على النطاق الوطني بسبب ضعف البنية التحتية وغياب الأطر القانونية الواضحة.
ويحذر من ثغرات حماية البيانات الحكومية، مشدداً على أن الاعتماد على بيانات غير دقيقة أو أنظمة غير مؤمنة قد يؤدي إلى قرارات خاطئة أو اختراقات سيبرانية تهدد الأمن القومي.
ويخلص الخبراء إلى أن "الأمن السيبراني" هو البوابة الحتمية لنجاح هذا التحول؛ فبدون قدرة عالية على التنبؤ بالهجمات وتحليل الأنماط غير الطبيعية في الشبكات، سيبقى الذكاء الاصطناعي خياراً مستقبلياً منقوصاً ما لم يتحول إلى واقع محمي بسيادة رقمية وطنية شاملة.
بغداد تحتضن الملتقى الرابع للذكاء الاصطناعي
وقبل يومين، نظّمت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، الملتقى السنوي الرابع للذكاء الاصطناعي، بمشاركة شخصيات علمية عربية ودولية، وبهدف تمكين العقول بالتقنيات الحديثة وإعادة تعريف الممكن، ومواكبة التطورات المتسارعة وتعزيز القدرات البشرية لمواجهة التحديات العالمية.
وقال رئيس جامعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، عباس محسن البكري، إن "الملتقى يعكس حرص المؤسسات الأكاديمية على إطلاق مبادرات تطبيقية تسهم في تطوير المجتمع"، مشيراً إلى أن "نسخته الأولى انطلقت عام 2022 وشهدت تطوراً ملحوظاً في البرامج والمخرجات".
-
ثورة الخوارزميات في بلاد الرافدين.. خارطة طريق عراقية لترويض الذكاء الاصطناعي أمنياً وخدمياً
وأضاف أن "الجامعة دعمت خلال السنوات الماضية الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، وعزّزت روح الإبداع والتنافس عبر جائزة مطوري الذكاء الاصطناعي، ورعاية المواهب والابتكارات".
وأوضح أن "النسخة الثالثة شهدت إطلاق مبادرة عراقية – عربية لدعم مطوري تطبيقات الذكاء الاصطناعي باللغة العربية، لمعالجة تحديات تحليل المعاني وإهمال الحركات في التطبيقات الحالية".
كما كشف عن "تشكيل فريق متخصص ضمن مشروع المدن الذكية لتطوير نموذج دجلة لدعم التطبيقات الذكية، إلى جانب تنظيم جلسات نقاشية ومحاضرات علمية"، مؤكداً "أهمية الخروج بتوصيات عملية تخدم المجتمع".
من جهته، شدد الأمين العام لـاتحاد مجالس البحث العلمي العربية، عبد الحميد بن عمارة، على "ضرورة دعم البحث العلمي في مجال الذكاء الاصطناعي، باعتباره نموذجاً لتحويل المعرفة الأكاديمية إلى قيمة اقتصادية ومجتمعية". وأشار إلى "اعتزاز الاتحاد بجذوره التي تأسست في بغداد أواخر سبعينيات القرن الماضي"، مؤكداً "العمل على تعزيز التعاون مع المؤسسات البحثية العراقية".
وأوضح أن "الذكاء الاصطناعي أصبح من أبرز محركات التنمية الحديثة، مع عوائد اقتصادية تُقدّر بتريليونات الدولارات، ما يجعله مجالاً استثمارياً استراتيجياً يتطلب اهتمام الحكومات والجامعات"، داعياً إلى "تعزيز تدريس الرياضيات والخوارزميات وتنمية التفكير النقدي، وتوسيع البحث في تطبيقاته بمجالات الزراعة والمياه والبيئة".
بدوره، أكد مدير مكتب "اليونسكو" في العراق وممثل المنظمة، ألكسندروس مكاريغاس، أن "الذكاء الاصطناعي يمثل قضية عالمية تتطلب تعاوناً مشتركاً"، مشيراً إلى أن "اليونسكو تولي اهتماماً خاصاً بالجوانب الأخلاقية والقانونية والاجتماعية للتقنيات الحديثة".
وبيّن أن "المنظمة طورت إطاراً دولياً لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي بعد عام 2017، يستند إلى أربع قيم أساسية، أبرزها احترام حقوق الإنسان، وتعزيز العدالة والسلام المجتمعي، وضمان الشمولية، وحماية البيئة، إضافة إلى مبادئ تتعلق بالشفافية والخصوصية والمساءلة".
وأوضح أن "منهجية تقييم جاهزية الذكاء الاصطناعي طُبقت في نحو 77 دولة، معرباً عن أمله باعتمادها في العراق".
في نهاية المطاف، لا يبدو أن اندماج الذكاء الاصطناعي في المؤسسات العراقية مجرد موجة عابرة أو "ترند" تكنولوجي مؤقت، بل هو صيرورة حتمية لإعادة بناء الدولة على أسس حديثة تتجاوز تركات البيروقراطية المتهالكة، فالتجربة التي تقودها وزارة الداخلية ومؤسسات أخرى تمثل "حجر الزاوية" في مشروع التحول الرقمي الشامل، إلا أن نجاح هذا الرهان يظل معلقاً بمدى القدرة على خلق توازن دقيق بين الطموح التقني والواقع التشريعي.
وبحسب مختصين، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه العراق اليوم ليس في امتلاك "الأجهزة" أو "البرمجيات"، بل في القدرة على حماية "السيادة المعلوماتية" وبناء جدران أمنية سيبرانية تحمي خصوصية الدولة والمواطن على حد سواء، فبينما تفتح الخوارزميات آفاقاً غير مسبوقة للعدالة الإدارية والقبضة الأمنية الذكية، فإنها تفرض في الوقت ذاته مسؤولية أخلاقية وقانونية تتطلب رقابة بشرية واعية.