جريمة في تكريت تفضح خطاب الكراهية بعد مقتل الشاب "أحمد صبايا" أمام عائلته
الطائفية تقتل التعايش
انفوبلس..
هزّت جريمة مقتل الشاب أحمد صبايا مدينةَ تكريت غربي العراق، وأعادت إلى الواجهة مخاطر خطاب الكراهية والطائفية حين تتحول من كلمات مشحونة إلى فعل دموي يهدد السلم المجتمعي.
الجريمة، التي وقعت أمام باب شقة الضحية وبالقرب من عائلته، لم تكن حادثاً جنائياً عابراً، بل مثّلت صدمة إنسانية وأخلاقية لأهالي المدينة، وأثارت تساؤلات عميقة حول مسؤولية القانون والمجتمع في مواجهة هذا النوع من الجرائم.
أحمد صبايا، وهو من أهالي مدينة الصدر في بغداد، عاش معظم سنوات حياته في تكريت منذ ثمانينيات القرن الماضي، ترعرع بين أزقتها وشوارعها، وارتبط بها بوصفها مكان الطفولة والعمل والاستقرار.
عرفه أبناء المدينة شاباً هادئاً محبوباً، لا تفارقه الابتسامة، ويمتلك محلاً صغيراً لبيع الأحذية في سوق الأطباء، شكّل مصدر رزقه الوحيد ورزق عائلته.
السوق والصراع الخفي
في ذلك المحل، كان يعمل معه عامل بالأجر اليومي يُدعى يوسف سمير خليل السقا. ووفقاً للمعلومات الواردة، بدأت ملامح التوتر تظهر مع مرور الوقت، بعد أن تغيّر سلوك العامل، واتجه إلى تهديد أحمد لإجباره على ترك المحل ومغادرة المدينة، في محاولة للاستيلاء عليه.
ومع فشل تلك المحاولات، لجأ إلى إثارة النعرات الطائفية، متهماً أحمد باتهامات ذات بعد طائفي، ومطالباً إياه بمغادرة تكريت على هذا الأساس.
غير أن أحمد، بحسب المقربين، رفض الانصياع لتلك الضغوط، مؤكداً انتماءه الوطني قبل أي انتماء آخر، ومشدداً على أن تكريت مدينته التي عاش فيها عمره، وأنه لن يتخلى عن مصدر رزقه ولا عن المكان الذي احتضن طفولته، وهذا الموقف الإنساني والوطني، وفق السياق الوارد، سبق الجريمة التي أنهت حياته بطريقة مأساوية.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن المتهم الرئيسي في القضية، يوسف سمير خليل السقا، تُنسب إليه اتهامات خطيرة تتعلق بالتورط في أعمال عنف وعمليات إرهابية سابقة داخل المدينة، من بينها استهداف منتسبين في الأجهزة الأمنية.
وتشير المصادر إلى أنه يتنقل بين تركيا وأربيل، فيما يظهر إلى جانبه شخص آخر منتمٍ إلى عصابات داعش، جرى اعتقاله في تركيا مؤخراً، ويُنتظر ترحيله إلى العراق.
خطاب الكراهية القاتل
وتعيد هذه الجريمة فتح ملف خطير يتعلق بخطاب الكراهية والطائفية، وما يمكن أن ينتج عنه من عنف يضرب نسيج المجتمع العراقي.
كما تضع الجهات المعنية أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية لمحاسبة المتورطين، وكشف ملابسات الجريمة كاملة، وضمان عدم إفلات الجناة من العدالة.
مقتل أحمد صبايا لا يمثل خسارة لعائلته فقط، بل جرحاً في ضمير المدينة، وتذكيراً مؤلماً بأن التعايش والسلم الأهلي يظلان هشَّين ما لم تُواجَه الطائفية بالقانون، ويُصان حق الإنسان في الحياة والكرامة، ليبقى العراق وطناً يتسع لجميع أبنائه دون تمييز.
ولا تبدأ الجرائم الطائفية بالرصاص أو السلاح، بل غالباً ما تسبقها لغة إقصائية وتحريضية تزرع الشك والكراهية.
وفي هذه القضية، تشير التفاصيل إلى أن الاتهامات الطائفية سبقت الجريمة، ما يسلط الضوء على خطورة التغاضي عن هذا الخطاب في البيئات المحلية، فحين لا يُواجَه مبكراً، يتحول إلى مبرر نفسي وأخلاقي لممارسة العنف، ويهدد السلم المجتمعي بشكل مباشر.
الجريمة كإنذار وطني
يُعدّ سوق الأطباء في تكريت واحداً من الأماكن التي تختلط فيها العلاقات الاقتصادية بالاجتماعية، حيث تقوم الثقة أساساً للتعامل بين أصحاب المحال والعاملين معهم، إلا أن ما حدث في قضية أحمد صبايا يكشف كيف يمكن للطمع أن يتحول إلى مدخل للصراع، وكيف تُستَخدم الاتهامات الطائفية أحياناً كأداة للضغط حين تفشل الأساليب الأخرى، وهذا التحول من علاقة عمل إلى تهديد مباشر يعكس خللاً أعمق في منظومة القيم والردع.
تتجاوز حادثة مقتل (أحمد صبايا) إطارها المحلي لتتحول إلى إنذار وطني من خطورة إعادة إنتاج الصراعات الطائفية بأشكال فردية، فهي تذكّر بأن الاستقرار لا يتحقق فقط بالإجراءات الأمنية، بل يحتاج إلى وعي مجتمعي، وخطاب مسؤول، وتربية قائمة على قبول الآخر. ومن دون ذلك، تبقى مثل هذه الجرائم قابلة للتكرار في أي زمان ومكان.
النشاطات التكفيرية في تكريت
وشهدت محافظة صلاح الدين، ومن ضمنها مدينة تكريت، خلال مراحل مختلفة من تاريخ العراق الحديث، نشاطاً ملحوظاً لجماعات تكفيرية وإرهابية استثمرت الهشاشة الأمنية والتوترات السياسية والاجتماعية لنشر خطابها التحريضي.
وهذا الخطاب اعتمد في كثير من الأحيان على تكفير الآخر وتأجيج الانقسام الطائفي، ما مهّد لوقوع أعمال عنف استهدفت مدنيين ومنتسبين في الأجهزة الأمنية، وألحق أضراراً عميقة بالنسيج الاجتماعي للمحافظة.
ورغم العمليات الأمنية الواسعة التي أُطلقت لاحقاً لاستعادة الاستقرار، فإن آثار تلك المرحلة لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية، وتظهر بين الحين والآخر عبر حوادث فردية أو خلايا نائمة، الأمر الذي يجعل مواجهة الفكر التحريضي لا تقل أهمية عن المواجهة الأمنية، لضمان عدم إعادة إنتاج العنف تحت أي ذريعة.
