سيارات أكثر من الشوارع.. استيراد المركبات المتضرّرة يخنق المدن ويكشف فشل التخطيط الحضري
انفوبلس/ تقارير
لم يعد الازدحام المروري في العراق ولاسيما في بغداد مجرّد مشهد يومي مألوف، بل بات أزمة مركّبة تمسّ الاقتصاد وجودة الحياة وسلامة الطرق معاً، فالتوسع الكبير في استيراد السيارات، خصوصاً المتضرّرة منها، تزامن مع غياب التخطيط الحضري وضعف النقل العام ليُنتج واقعاً خانقاً تتكدّس فيه المركبات فوق قدرة الشوارع، وتُستنزف فيه موارد المواطن والدولة على حدّ سواء.
الازدحام يتحول إلى أزمة بنيوية
لم يعد الوصول من منطقة إلى أخرى داخل المدن العراقية وبغداد تحديداً، مسألة وقت قصير كما كان في السابق، بل تحوّل إلى رحلة مرهقة قد تمتد ساعة أو أكثر، حتى في المسافات القريبة.
هذا الواقع لم يأتِ من فراغ، إذ تضاعفت أعداد المركبات خلال السنوات الأخيرة بشكل غير مسبوق، نتيجة فتح باب الاستيراد على مصراعيه ولاسيما للسيارات المستعملة والمتضرّرة القادمة من الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وأسواق أخرى.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن العراق يستورد سنوياً مئات الآلاف من السيارات، يشكّل المتضرّر منها نسبة كبيرة بسبب انخفاض أسعارها مقارنة بالمركبات الجديدة أو السليمة.
ورغم أن هذا الخيار منح شريحة واسعة من المواطنين فرصة امتلاك سيارة خاصة، إلا أن المدن العراقية دفعت ثمناً باهظاً، تمثل في تضخم مروري تجاوز قدرة الشوارع والبنى التحتية، وسط غياب شبه كامل لنظام نقل عام فعّال ومتكامل.
مأزق التخطيط وخيارات المواطن
يدافع كثير من المواطنين عن استيراد السيارات المتضرّرة بوصفه خياراً اقتصادياً لا غنى عنه، خصوصاً لذوي الدخل المحدود. فهذه السيارات تُباع بأسعار أقل قد تصل إلى 40 بالمئة مقارنة بنظيراتها السليمة، ما يجعلها في متناول شريحة لا تستطيع تحمّل كلفة المركبات الجديدة.
محمد علاء (40 عاماً)، الذي يعمل في تجارة السيارات المتضرّرة، يوضح أن الإقبال على هذا النوع من المركبات ارتفع بشكل ملحوظ بعد عام 2019، بالتزامن مع ارتفاع سعر الدولار وتراجع القدرة الشرائية. ويقول إن السوق العراقية “لا تتحمّل أسعار السيارات الجديدة”، مضيفاً أن الزبون يبحث عما يناسب إمكاناته المادية، ولا يجد أمامه سوى السيارات المستعملة أو المتضرّرة التي تُرمَّم محلياً.
من جانبه، يرى المواطن علي فالح (45 عاماً) أن المشكلة لا تكمن في رغبة الناس بشراء السيارات، بل في غياب أي تخطيط موازٍ لتحديث البنى التحتية. فالتدفق الهائل للمركبات لم يُقابله توسّع في الطرق أو تنظيم للاستيراد، ما أنتج فائضاً مروريّاً يفوق قدرة الشوارع، وحوّل الازدحام إلى سمة يومية لا يمكن تجاوزها.
شوارع بلا قدرة استيعاب
مع تزايد أعداد السيارات، ترتفع أصوات الخبراء للتحذير من أن الأزمة تجاوزت حدود الزحام، لتطال سلامة الطرق وكفاءتها. فالكثير من السيارات المتضرّرة، حتى بعد ترميمها، قد لا تتطابق مع معايير السلامة الدولية، ما يرفع من احتمالات الحوادث.
كما أن الكثافة المرورية تسببت بتراجع سرعة الحركة داخل المدن، وزيادة استهلاك الوقود، وارتفاع نسب التلوث، إلى جانب إنهاك البنى التحتية للشوارع.
الخبير الجمركي مصطفى الفرج يبيّن أن العراق ما زال يواجه تحديات جوهرية في منظومة النقل والطرق، رغم النمو السكاني.
ويشير الفرج في حديث له تابعته شبكة انفوبلس، إلى أن عدد المركبات تجاوز ثمانية ملايين سيارة، بمعدل يقارب 187 سيارة لكل ألف نسمة، في وقت لم تشهد فيه شبكة الطرق توسعاً موازياً، ما ضاعف الضغط على الشوارع ورفع مستويات الازدحام إلى حدود مقلقة.
ويؤكد أن جوهر الأزمة يكمن في غياب رؤية استراتيجية تربط بين سياسات الاستيراد والتخطيط العمراني، موضحاً أن العراق كان يستورد خلال السنوات الماضية نحو 200 ألف سيارة سنوياً، دون أي ربط فعلي بين هذه الأعداد وحاجة المدن أو قدرات الطرق أو خطط تطوير النقل العام. هذا الخلل، بحسب الفرج، أسهم في تدهور جودة الحياة ورفع الكلف الاقتصادية على المواطن والدولة، سواء من حيث الوقود أو تآكل البنى التحتية أو الاختناقات المرورية المستمرة.
الاستيراد بين الفوضى والتنظيم
يكشف الفرج أن الجهات المختصة أعدّت مؤخراً دراسات لإعادة تنظيم آليات استيراد السيارات، مع توقع الإعلان عن قرارات جديدة خلال النصف الأول من العام المقبل.
وتشمل هذه الإجراءات المحتملة الحد من دخول المركبات المتضرّرة أو القديمة، وربط الاستيراد بضوابط فنية صارمة تلتزم بمعايير السلامة والجودة المعتمدة في العراق، بما يسهم في خفض نسب الحوادث والحفاظ على البيئة.
وفي ختام حديثه، يشدد الفرج على أن الأزمة المرورية ليست مشكلة سيارات فقط، بل هي نتيجة مباشرة لغياب خطة تنموية متكاملة تربط النقل بالبنية التحتية.
كما ينتقد عدم تخصيص جزء من إيرادات الرسوم والضرائب المفروضة على استيراد السيارات لتمويل مشاريع نقل عام كبرى، الأمر الذي فاقم الأزمة وجعل حلها مرهوناً بسياسات طويلة الأمد وإصلاحات جادة في هيكل الدولة.
غياب البدائل الحقيقية
لا تقتصر المشكلة على أعداد السيارات، بل تمتد إلى غياب منظومة نقل عام فعّالة، فالعراق يفتقر إلى شبكات المترو أو الترام، ولا يمتلك نظام باصات حكومية منتظمة تعمل وفق جداول إلكترونية حديثة. هذا الفراغ يدفع المواطن إلى شراء سيارة خاصة، مهما كانت حالتها، بوصفها الخيار الوحيد المتاح.
الموظف الحكومي حيدر كريم يوضح أن اضطراره لشراء سيارة جاء نتيجة غياب أي وسيلة نقل سريعة ومنتظمة، مؤكداً أن السيارة المتضرّرة كانت خياره الوحيد بسبب سعرها المنخفض.
وفي ظل هذا الواقع، عادت إلى الواجهة النقاشات حول إعادة تفعيل نظام “تسقيط السيارات القديمة”، الذي يقوم على شطب مركبة قديمة مقابل تسجيل أخرى جديدة، بهدف تقليل أعداد السيارات غير الصالحة وتنظيم السوق.
مقترحات المرور والرقابة
مدير إعلام مديرية المرور العامة العقيد حيدر شاكر يؤكد أن المديرية تعمل حالياً بنظام منح اللوحات المرورية مع اعتماد آلية ترقين القيد، التي تعني استبدال قيد مركبة بأخرى، وهو نظام مطبّق في بغداد والمحافظات.
ويضيف أن من بين المقترحات المطروحة لتقليل الزخم المروري هو توسيع العمل بنظام ترقين القيد، ليكون بديلاً عن منح أرقام جديدة بشكل متزايد.
وينفي شاكر بشكل قاطع ما يُتداول عن منح لوحات لسيارات متضرّرة غير مطابقة، موضحاً أن أي مركبة تخضع لفحص إلكتروني دقيق قبل تسجيلها، يشمل مطابقتها للمواصفات الفنية والبيئية، وأن المركبات غير المطابقة لا تُسجّل ولا تُمنح لوحات رسمية.
ثغرات تنظيمية واتساع الأزمة
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي دريد شاكر العنزي أن موجة استيراد السيارات، خصوصاً المتضرّرة أو الرخيصة، تثير تساؤلات حول طبيعة السوق، وما إذا كانت تعكس تحسناً في معيشة المواطن أم وجود عوامل أخرى.
ويشير إلى أن نظام تسقيط السيارات القديمة لم يعد فعالاً، مقترحاً تشديد الفحص والغرامات، وتحويل السيارات المتهالكة إلى المحافظات، أسوة بدول تمنع مرور السيارات القديمة حفاظاً على البيئة.
ويتحدث العنزي عن ثغرات واسعة في ضبط الاستيراد، لا سيما عبر إقليم كردستان، حيث تدخل مركبات لا تمر عبر الجمارك الاتحادية، مؤكداً أن قرارات الحظر لا تُطبق فعلياً.
ويرى أن الحل يتطلب إدارة صارمة تبدأ بتقليل سيارات الحمايات، وتنظيم حركة مركبات الدوائر بعد الدوام، وتطبيق أنظمة مثل الفردي والزوجي، إلى جانب تعزيز النقل العام بخطوط مخصصة للموظفين.
ويختتم العنزي حديثه بوصف الواقع بأنه “إفلاس إداري وتنظيمي قبل أن يكون مالياً”، إذ تسمح محدودية قدرة الحكومة المالية باستمرار مركبات الثمانينيات والتسعينيات في الشوارع، ما يراكم الأزمات ويؤجل الحلول، ويجعل الازدحام المروري عنواناً دائماً لمدنٍ تجاوزتها أعداد السيارات قبل أن تلحق بها خطط التنمية.


