طويلعة بعد 12 عامًا من التحرير.. قرية عالقة بين ركام الحرب ومطامع بارزاني في كركوك
انفوبلس/ تقارير
بعد أكثر من عقد على تحريرها من قوى الظلام، لا تزال قرية طويلعة التابعة لقضاء داقوق جنوب كركوك أسيرة الدمار والإهمال، ورغم التضحيات الكبيرة التي قدّمها الحشد الشعبي في معارك التحرير عام 2015، لم تتحول القرية إلى ورشة إعمار، بل بقيت رهينة التجاذبات السياسية وتنازع السيطرة على كركوك، ما حرم أهلها من العودة الكاملة والاستقرار.
قرية توقّف فيها الزمن منذ 2014
في مضارب بني الزبيدي من عشيرة الجحيش، تقف قرية طويلعة اليوم كأنها صورة جامدة من سنوات الحرب، آثار القصف والتفجير لا تزال واضحة على جدران المنازل وأسقفها المنهارة، فيما تبدو الأزقة خالية إلا من بضع عوائل عادت على استحياء.
هنا، لا يشعر الزائر أن الزمن تحرك منذ عام 2014، العام الذي اجتاحت فيه موجات العنف والإرهاب مناطق جنوب كركوك، وحولت القرى الآمنة إلى ساحات مواجهة وخراب.
تقع طويلعة على الطريق الدولي الرابط بين مدينة كركوك وقضاء داقوق، وكانت قبل سقوطها بيد داعش تضم أكثر من مئة دار سكنية، يسكنها عشرات العوائل التي امتهنت الزراعة وتربية المواشي، لكن سيطرة التنظيم الإرهابي وما رافقها من قصف وعمليات تفجير ممنهجة، أفرغت القرية من سكانها قسرًا، لتلتحق بقائمة طويلة من القرى المنكوبة التي فقدت مقومات الحياة.
عودة محدودة وبيوت غير صالحة للسكن
بعد مرور نحو اثني عشر عامًا على تلك الأحداث، لم تعد إلى طويلعة سوى قرابة عشرين عائلة فقط، فيما بقيت الغالبية العظمى من البيوت إما مهدمة بالكامل أو متضررة بشكل يجعل السكن فيها شبه مستحيل.
مشهد الخراب لا يقتصر على المنازل وحدها، بل يشمل البنى التحتية التي لم تشهد أي إعادة تأهيل حقيقية، وسط غياب واضح لبرامج إعمار شاملة.
يقول هاني الجحيشي، أحد أبناء القرية، إن طويلعة “لم تتلقَ أي مشروع إعمار حقيقي رغم مرور أكثر من عقد على تحريرها من داعش”، موضحًا أن معظم العوائل لا تستطيع العودة بسبب تهدم المنازل وغياب الخدمات الأساسية.
ويضيف أن الكثير من أبناء القرية يمتلكون أراضي زراعية، لكنهم عاجزون عن استثمارها بسبب نقص الدعم الحكومي وتهالك البنى التحتية، ما يدفعهم للبقاء في مناطق النزوح رغم رغبتهم في العودة.
الحشد الشعبي.. تحرير بتضحيات كبيرة
ورغم هذا الواقع القاتم، لا يمكن الحديث عن طويلعة دون التوقف عند الدور الحاسم الذي أداه الحشد الشعبي في تحريرها، ففي عام 2015 خاضت قوات الحشد معارك شرسة في جنوب كركوك، وتمكنت من طرد تنظيم داعش من القرية والمناطق المحيطة بها، مقدمة عشرات الشهداء في سبيل استعادة الأرض وتأمين أهلها.
هذا التحرير أنهى وجود التنظيم عسكريًا، وأعاد الاستقرار الأمني إلى المنطقة، لكنه لم يُستكمل بإعمار يعيد الحياة.
اليوم، يبدأ الدخول إلى القرية بالمرور عبر سيطرة أمنية تابعة لقوات الحشد الشعبي، في مشهد يعكس استمرار دوره في حفظ الأمن ومنع عودة التهديدات.
بعد السيطرة، يسلك الزائر طريقًا مكسوًا يقوده إلى قرية تبدو وكأنها خرجت تواً من أتون الحرب، بيوت متصدعة وملامح حياة خافتة، رغم أن السلاح صمت منذ سنوات.
خدمات غائبة ومعاناة يومية
المدرسة الابتدائية في طويلعة هي المؤسسة الحكومية الوحيدة التي أُعيد بناؤها بعد عام 2014، فيما بقيت بقية المرافق الخدمية على حالها. لا توجد شبكات ماء مستقرة، ولا كهرباء منتظمة، ولا خدمات بلدية أو صحية، ما يجعل الحياة اليومية للعوائل العائدة سلسلة من التحديات القاسية.
العوائل التي قررت العودة اضطرت إلى ترميم منازلها بجهود ذاتية وإمكانات محدودة، دون أي دعم رسمي يُذكر.
عدنان حمد، أحد سكان القرية، يؤكد أن الدمار حاضر في كل زاوية، وأن غياب الكهرباء والماء والخدمات الصحية يجعل الاستقرار صعبًا، خاصة للعوائل التي تضم أطفالًا وكبار سن.
ويشير حمد في حديث له تابعته شبكة انفوبلس إلى أن وجود موظفين ومنتسبي قوات أمنية من أبناء القرية لم ينعكس إيجابًا على واقعها الخدمي، ما يعكس عمق الإهمال الذي تعانيه.
كركوك بين التنازع السياسي والإعمار المؤجل
لا ينفصل مصير طويلعة عن المشهد الأوسع في محافظة كركوك، حيث أدى التنازع السياسي، ولا سيما الخلافات المرتبطة بطموحات مسعود بارزاني ومحاولات فرض واقع سياسي وإداري معين على المحافظة، إلى تعطيل مشاريع الإعمار في العديد من المناطق المحررة، هذا التنازع جعل كركوك ساحة صراع نفوذ، أكثر منها مساحة لإعادة البناء وجبر الضرر.
ويرى أهالي القرية أن الإهمال الحكومي المحلي، المقترن بالصراع على كركوك، كان سببًا رئيسيًا في تأخر إعمار طويلعة، رغم استقرارها أمنيًا منذ سنوات، فالمناطق التي تحتاج إلى قرار إداري وتمويل واضح ظلت معلقة، فيما بقيت القرى العربية في جنوب كركوك خارج أولويات الإعمار، لتدفع ثمن صراعات سياسية لا علاقة لها بمعاناة سكانها.
قرى منكوبة ومشهد يتكرر
لا تقتصر المأساة على طويلعة وحدها، إذ تشترك عشرات القرى في المصير ذاته، من قرى طويلعة وسعد والوحدة والبومحمد والعطشانة في داقوق، إلى الشمسية والمرعية والجديدة في طوزخورماتو، مرورًا بقرى حمد والحلوات وسعدة والعبيد والبيار وعبود ورأس الغربي في آمرلي بمحافظة صلاح الدين، وصولًا إلى قرى سهل نينوى العربية والمسيحية في تلكيف وباطنايا وقوش وبقية المناطق، وانتهاء بربيعة على الحدود العراقية السورية، تحولت هذه القرى إلى مناطق خالية من الحياة.
غالبية سكان هذه المناطق يقيمون في مخيمات ومعسكرات منذ سنوات، ولا يُسمح لكثير منهم بالعودة بحجج تتعلق بعدم إزالة المخلفات الحربية أو عدم صلاحية القرى للسكن، وحتى من عاد، لم يجد في كثير من الأحيان منزلًا يؤويه، بل أطلالًا تُذكِّره بما فقده.
انتظار طويل لالتفاتة حقيقية
في المحصلة، تقف قرية طويلعة نموذجًا صارخًا لفجوة ما بعد التحرير، فقد تحقق النصر العسكري بفضل تضحيات الحشد الشعبي، لكن النصر الخدمي والإنساني لم يتحقق بعد، وبين الإهمال الحكومي وتنازع القوى السياسية على كركوك، بقيت القرية وأهلها في دائرة الانتظار.
في النهاية، يأمل سكان طويلعة أن تحمل المرحلة المقبلة التفاتة حكومية جادة، تطلق مشاريع إعمار حقيقية، وتعوض المتضررين، وتوفر الخدمات الأساسية، لتتحول تضحيات التحرير إلى حياة كريمة، وتنتهي سنوات الغياب الطويلة عن بيوت لم تعد موجودة إلا في الذاكرة.
