الناشط البيئي جاسم الأسدي.. كان مرشّحاً لتولي حقيبة وزارية اختُطِف في ظروف "غامضة"
انفوبلس/ تقرير
أُعلِن قبل أيام اختطاف الناشط العراقي البيئي جاسم الأسدي، وقد قالت مصادر أمنية، إنّ مسلحين اعترضوا طريقه بالقرب من العاصمة بغداد، يوم الأربعاء الماضي في الأول من فبراير/ شباط الجاري في تمام الساعة الـ10 صباحاً، واقتادوه إلى مكان مجهول، وقد قُطِعت أخباره منذ ذلك الحين.
*عن جاسم الأسدي
جاسم الأسدي مهندس هيدروليك وُلِد في عام 1957 في أهوار العراق، وقد شارك منذ عام 2006 في مبادرات تهدف إلى إنعاش هذه المنطقة الواقعة في جنوب العراق، وتعرّضت لتجفيف شبه كامل في تسعينيات القرن الماضي في عهد النظام السابق. وعمل في مجالات الأبحاث الخاصة بالمسطّحات المائية العراقية، وأسهم بشكل فاعل في الحوارات التي سبقت إدراج الأهوار على لائحة التراث العالمي، واستقبل خلال هذه السنوات كلها عشرات الصحافيين والأكاديميين والفنانين من العراق والبلدان العربية والعالم في بيته الكائن في ناحية الجبايش الواقعة بين الناصرية والبصرة. وكان له دور كبير في ضم الأهوار العراقية إلى قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو).
ويدير الناشط البارز جاسم الأسدي (65 عاما) جمعية "طبيعة العراق" (غير حكومية) التي تُعنى بالدفاع عن البيئة، وهو يظهر بصورة دائمة عبر وسائل الإعلام المحلية والأجنبية لرفع مستوى الوعي حول الأهوار العراقية المُدرجة على لائحة منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) للتراث العالمي، ويهدّدها في الفترة الأخيرة شُحّ المياه والجفاف.
وتداولت أوساط إعلامية سابقاً، اسم الأسدي على أنه مرشّح لتولي منصب وزارة البيئة في حكومة محمد شياع السوداني.
*تفاصيل الحادثة
وفي اتصال هاتفي مع وكالة فرانس برس، أخبر ناظم الأسدي أنّ شقيقه الناشط البيئي "كان يقود سيارته على الطريق السريع آتياً من مدينة الحلة (جنوب) في اتّجاه بغداد"، عندما "أوقفته سيارتان وقام مسلحون بملابس مدنية بتقييد يدَيه ووضعه في إحدى المركبات ونقله إلى مكان مجهول". وأوضح أنّ "الحادثة وقعت "على بعد نحو 5 كيلومترات عن العاصمة بغداد".
وأضاف شقيق الأسدي أنّ "ابن عمي كان يرافقه وتركوه في اللحظة نفسها على الطريق"، مؤكداً أنّ الخاطفين لم يتّصلوا بالعائلة، في حين أنّ الشرطة تواصل البحث عن الناشط البيئي. ورداً على سؤال عن دوافع الخطف، قال الأسدي: "نحن في حاجة إلى وقت لفهم الأسباب".
ونفى، أن "يكون الاختطاف متعلقا بقضية الرقابة والإشراف على هور الدلمج"، فيما رفض توضيح ما إذا كان شقيقه تعرّض لتهديدات بوقت سابق قبل اختطافه من عدمه.
من جهته، أفاد مسؤول أمني لوكالة فرانس برس، طالباً عدم الكشف عن هويته، بأنّ عائلة الأسدي قدّمت بلاغاً إلى القوات الأمنية يفيد بأنّهم فقدوا الاتصال مع جاسم الأسدي في أثناء توجُّهه إلى بغداد.
وفي الإطار نفسه، أفاد مقرّبون من الناشط المختطَف بأنّ عملية الاختطاف جرت في منطقة اللطيفية التابعة لمحافظة بابل (وسط العراق)، في أثناء توجُّهه إلى بغداد للمشاركة في مؤتمر خاص بالبيئة، ثم الانطلاق إلى محافظة ذي قار (جنوب) لاستكمال أعماله ونشاطاته المرتبطة بالأهوار.
وفي بيان مقتضب، قال سالم الخيّون الأسدي (أمير بني أسد)، "أود أن أُعلمكم أنّ الأستاذ جاسم الأسدي قد اختطفته جهة مجهولة. وهنا أريد أن أبيّن مواقف هذا الرجل تجاه بلده ومنطقته، فهو الذي أوصل موضوع الأهوار والمعاناة التي يعيشها أبناء تلك المناطق إلى المنظمات العالمية وكرّس كل جهده لخدمة أبناء وطنه، لذا نناشد دولة رئيس الوزراء السيد محمد شياع السوداني المحترم بالتدخل شخصياً والإيعاز لكل الأجهزة الأمنية بالبحث عنه".
*تساؤلات عديدة
سأل مدوّنون عبر منصّة تويتر: "لماذا اختفى الناشط البيئي جاسم الأسدي؟"، في وقت أفادت مصادر امنية أنّ أثره فُقِد قبل أيام في محيط بغداد. وأضافت في ما يشبه البلاغ أنّ خمسة أشخاص "يستقلّون سيارتَين، إحداهما لاند كروزر (تويوتا)" اقتادوه إلى مكان مجهول. وتابعت قائلة، إنّه أُفرِج عن ابن عمه الذي كان يرافقه "في ظروف غامضة"، في حين أنّ مصيره ما زال "مجهولاً". وعاد المدوّنون ليسألوا: "هل خُطف أم اعتُقل؟".
*تعليق رسمي
أكد الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة اللواء يحيى رسول، اختطاف الناشط البيئي جاسم الأسدي على يد جماعة مسلحة. وقال رسول في بيان، "تُتابع الأجهزة الأمنية المختصّة وبشكل مكثّف موضوع اختطاف واقتياد المواطن (جاسم الأسدي) على طريق بغداد - حلة، للوصول إليه واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق مرتكبي هذا الفعل الإجرامي مهما كانت انتماءاتهم".
وأضاف رسول، إن "هكذا مواضيع خارجة عن القانون لا يمكن التهاون معها في ظل حكومة تفرض سلطة القانون وتتعامل مع الجميع على حد سواء". مبينا، "في الوقت الذي نستذكر فيه دور جاسم الأسدي في حماية بيئة الاهوار، نُهيب بأبناء عشائر بني أسد التي عُرِفت بمواقفها الكبيرة والأصيلة، بالحكمة وفسح المجال أمام سلطات إنفاذ القانون لممارسة مهامها بمهنية للوصول إلى الجُناة والقبض عليهم وإيقاع أقصى العقوبات بحقِّهم".
كما قالت قوى التغيير الديمقراطية في بيان إن اختطاف الناشط البيئي والمدافِع عن حقوق الإنسان جاسم الأسدي جاء بعد تعرُّضه لتهديدات بسبب نشاطه البيئي.
*تعليقات "غامضة"
وفي بيان حول اختطاف الأسدي، دعت المبادرة الدولية للتضامن مع المجتمع المدني العراقي، "الحكومة العراقية وكل الجهات الأمنية، إلى النظر بجدية إلى هذه القضية والإسراع بالعثور عليه والإفراج عنه". وأشار البيان إلى أن الناشط البيئي هو الآخر أصبح عرضة للترهيب والتهديد من الجماعات المتنفِّذة والمسلّحة في العراق، وهو ما يقلق الناشطين في مجال البيئة والمياه، بخاصة أن المجموعات المسلحة معروفة بتجاوزاتها على مصادر المياه وأحواض تربية الأسماك في الجنوب العراقي.
ويُشير ناشط بيئي عراقي طلب عدم ذكر اسمه إلى أن المجموعات المسلّحة تريد السيطرة على مصادر الأموال والعمل في جنوب العراق، بما فيها استغلال المياه للرَّي والمزارع السمكية، ناهيك بالسيطرة على نشاطات أخرى مثل الشركات الأمنية والنفطية، تحديداً في مدينة البصرة. وبما أن عمل الناشطين والأكاديميين البيئيين يصبّ في صُلب المجالات المذكورة، أصبحت تهديدات الفرق المسلّحة تستهدفهم بشكل مباشر، ويتم التهديد وفق مصادر موثوقة، بأشكال متعددة وعبر المؤسسات أو الكليات التي يعمل فيها أكاديميون وناشطون بيئيون. على سبيل المثال، توجيه رسائل التوبيخ إلى الأساتذة والباحثين الذين يعملون على التدهور البيئي في البصرة، بسبب الفساد والإهمال والتجاوزات، والنشاط النفطي بطبيعة الحال.
وارتباطاً بهذا المشهد، كتب الوزير السابق للموارد المائية في العراق حسن الجنابي، على "تويتر"، "من يعتقد بوجود مبرّرات أخلاقية أو سياسية تسمح له باختطاف جاسم الأسدي، لن يتورّع عن ارتكاب ما هو أسوأ من الاختطاف". إنه تعبير مؤلم صدر عن خبير مائي كان وزيراً للموارد المائية في حكومة حيدر العبادي، وكان الأسدي مرشّحاً لتولي منصب وزير البيئة في حكومة محمد شياع السوداني ووزارة الموارد المائية في حكومة مصطفى الكاظمي.
وإن نمّ تغييب الأسدي عن شيء، إنما ينمّ عن حكومة ظل تُمارس عمليات التغييب والتهديد والترهيب ضد كل مَن لا يعلن ولاءه لها، وفقا للجنابي.