انفوبلس تتتبع قضية "التحرش الجماعي" في البصرة: أين وصلت التحقيقات؟ وما الذي ينتظر المتهمين؟
انفوبلس/ تقرير
لم تكن ليلة رأس السنة في مدينة البصرة مجرد احتفال عابر، بل تحولت إلى "مسلخ للكرامة" هزت أصداؤه وجدان المجتمع العراقي. فبينما كانت أضواء الزينة تتلألأ على ضفاف شط العرب، كانت هناك فتاة قاصر تُحاصر من قبل عشرات "الوحوش البشرية" في مشهد وثّقته الكاميرات، لتبدأ بعدها رحلة مؤلمة للضحية التي تصارع الموت سريرياً، ومعركة قانونية يقودها حقوقيون لانتزاع عقوبات ترتقي لحجم الجريمة، بعيداً عن محاولات "التمييع" السياسي والالتفاف القانوني.
وفي هذا التقرير، تُفنّد شبكة "انفوبلس" تصريحات المحافظ أسعد العيداني، وتكشف عن تطورات الحادثة، كما تكشف عن تحرك يقوده حقوقيون بهدف إيقاع أقصى العقوبات على المتهمين الـ 17، المحتجزين في أحد مراكز الشرطة، في حال إدانتهم، استنادًا إلى مادة في قانون العقوبات العراقي تخص "الاعتداء على العرض".
حادثة موثقة ومحاضر رسمية
في الساعات الأولى من العام الجديد، انتشرت مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر محاصرة فتاة من قبل مجموعة كبيرة من الشبان في منطقة كورنيش البصرة، وسط صراخ وفوضى، وحركات ذات طابع جنسي واضحة. المشاهد التي وثقتها الكاميرات لم تكن "مضايقات عابرة" كما وُصفت لاحقًا، بل اعتداء جماعي مكتمل الأركان، وفق توصيف حقوقيين ومختصين في القانون.
وأكد ضابط في الشرطة المجتمعية، أن الحادثة وُثقت بمحضر رسمي، بعد زيارة الضحية والاستماع إلى إفادتها، مشيرًا إلى أن ما تعرّضت له الفتاة "تحرش جماعي عنيف قد يرقى إلى محاولة اغتصاب"، وهو توصيف يضع القضية في خانة الجرائم الجسيمة لا الجنح البسيطة.
وبحسب الضابط، الذي تحدث شريطة عدم كشف هويته، فإنّ "الشرطة المجتمعية قدمت الدعم اللازم للفتاة، بينما تتواصل الإجراءات الرسمية لإحالة المتهمين المعتقلين إلى القضاء، ولن تتهاون مع أي حالة تحرش أو اعتداء"، وأنّ "القضاء سيتخذ القرارات العادلة بشأن هكذا تصرفات فردية ومخلة بالآداب العامة".
تصريحات المحافظ.. محاولة لاحتواء الغضب؟
وسط تصاعد الغضب الشعبي، خرج محافظ البصرة أسعد العيداني بسلسلة تصريحات أثارت جدلًا واسعًا. فقد قال إن "مثل هذه الحوادث يمكن أن تقع في أي مكان في العالم"، معتبرًا أن القضية "أُخذت أكبر من حجمها"، ومضيفًا أن "الفتاة ممكن تضايقت داخل التجمع".
لكن تصريح العيداني "مضلل"، إذ إنّ المقاطع المصورة وثقت تعرض فتاة صغيرة إلى حالة تحرش جماعي بما لا يقبل اللبس، بعد محاصرتها من قبل مجموعة كبيرة من الأشخاص بمختلف الأعمار، وسط ضجيج وصراخ وحركات جنسية، ولم تكن مجرد مضايقات.
بعيدًا عن التوصيفات السياسية، فتحت مديرية الأمن الوطني في البصرة تحقيقًا معمقًا في القضية، بعد تقدم الفتاة بشكوى رسمية، طالبت فيها بمحاسبة المعتدين الذين "استغلوا التجمّعات البشرية للاعتداء عليها وتشويه سمعتها".
وأكد مصدر أمني أن الجهاز يمتلك "بيانات دقيقة عن الحادثة والمتورطين فيها"، مشيرًا إلى إلقاء القبض على عدد من الجناة، مع استمرار الجهود لتحديد هوية باقي المشاركين في الاعتداء.
العيداني.. تصريح آخر مضلل
وكان العيداني قد أكّد بدوره أيضًا أنّ السلطات الأمنية في البصرة تؤدي واجبها بالشكل المطلوب، بدليل أنّ "نسبة الجريمة أقل مقارنة ببعض المحافظات الأخرى، وذلك بفضل جهود الأجهزة الأمنية"، على حد قوله.
لكن هذا التصريح مضلل أيضًا، إذ إنّ محافظة البصرة تأتي في مقدمة محافظات العراق الأكثر تسجيلاً للجرائم، بعد العاصمة بغداد، وفق الإحصائيات المتوفرة.
وتشهد محافظات جنوب العراق، أبرزها البصرة، أعلى معدلات الجريمة على مستوى البلاد، "بسبب النزاعات بين العشائر وتفشي المواد المخدرة"، وفقًا لرئيس اللجنة الأمنية في مجلس محافظة نينوى، جاسم محمد، والذي أكّد أنّ هذه المعلومات تستند إلى تقارير شهرية تصدر عن وزارة الداخلية.
وفي عام 2024، شهد العراق أقل معدل للجرائم قياسًا بالنسبة السكانية خلال الـ 35 سنة الماضية، بحسب ما أكّده المختص في مجال القانون جمال الأسدي، مبينًا أنّ النسبة المئوية للجرائم بالنسبة للمحافظات في العراق ما عدا إقليم كردستان توزعت كما يلي:
- بغداد (الرصافة أولًا والكرخ ثانيًا بنسبة مئوية 28 من مجمل الجرائم).
- البصرة 10%
- الموصل 8 %.
- بابل 7 %.
- ذي قار 6 %.
- ديالى 6 %.
- كربلاء 4 %.
- واسط 4 %.
- الديوانية 2%
- السماوة 2%
17 متهمًا بانتظار المحاكمة
وبالعودة إلى القضية، ينتظر 17 شخصًا الإحالة إلى القضاء عن تهمة "التحرش الجماعي"، من أصل 45 شخصًا أعلنت قيادة شرطة محافظة البصرة اعتقالهم عبر "واجبات ميدانية مكثفة ضمن خطتها الأمنية الخاصة بتأمين ليلة رأس السنة"، مبينة أنّ الاعتقالات طالت "المخلّين بالحياء والآداب العامة، والمتورطين بحالات تحرّش، إضافة إلى إطلاق العيارات النارية واستخدام الألعاب النارية بصورة متهورة".
ويقول ضابط في شرطة البصرة إنّ المعتقلين إثر حادثة التحرش "لا يزالون محتجزين في أحد مراكز الشرطة وسط مدينة البصرة"، مبينًا أنّ المتهمين "ينتظرون إجراءات ترحيلهم إلى محكمة الجنح في المحافظة، للبت في القضية".
وكشف الضابط، أنّ القضية تشهد متابعة من حقوقيين ومحامين ومختصين بالقانون لـ "تبويب التهم الموجهة إلى المشتبه بهم ضمن جرائم انتهاك العرض، وليس الجنح المخلة بالآداب، أي توجيه الاتهامات إليهم وفق المادة 396 من قانون العقوبات".
الموت السريري ومحاولات الانتحار: صرخة أم مفجوعة
خلف الجدل السياسي، تقبع مأساة إنسانية يدمى لها الجبين. تروي والدة الفتاة الضحية تفاصيل تفطر القلوب؛ فالفتاة التي كانت في وضع صحي طبيعي لحظة الحادث، انهارت تماماً فور انتشار المقطع الفيديوي وتداول صورها على منصات التواصل الاجتماعي.
وتقول والدة الفتاة، إن "ابنتي منذ الحادث ولغاية الآن ميتة سريرياً، رغم أنها خلال الحادث كانت مرتبكة ووضعها الصحي طبيعي جداً، لكن مع انتشار المقطع الفيديوي خلال اليوم التالي بدأت حالتها النفسية تسوء بشكل ملحوظ". وأضافت: "حاولت ابنتي الانتحار مرتين، وتمكنا من منعها، ولا نعرف حقيقة ما سيحدث مستقبلاً مع ازدياد وضعها النفسي سوءاً، وأوجه مناشدة لكل من نشر المقطع أن يمسحه فوراً".
وأكدت الأم، أن "البصرة محافظة آمنة بشكل عام، وأن ما حصل يعتبر حالة فردية"، مشيرة إلى أن "عائلتها تتجول بحرية في المدينة طوال السنوات الماضية". وطالبت والدة الفتاة، وزارة الداخلية والأمن الوطني بـ"مسح مقطع الفيديو من مواقع التواصل الاجتماعي لحماية الضحية من المزيد من الضرر النفسي".
وأوضحت والدة الفتاة، أنهم سجلوا دعوى قضائية بحق المعتدين، معبرة عن أملها في إنصاف القضاء لابنتها، وحث الجهات المختصة على متابعة القضية لضمان تطبيق القانون وحماية حقوق الضحايا.
المسار القضائي: من "فعل فاضح" إلى "هتك عرض"
ينتظر حالياً 17 متهماً الإحالة إلى القضاء من أصل 45 معتقلاً. وتجري الآن معركة قانونية خلف الكواليس لتحديد نوع التهمة الموجهة إليهم.
وتنص المادة 396 من قانون العقوبات العراقي، على السجن 7 سنوات بحق من اعتدى بالقوة أو التهديد أو الحيلة أو أي وجه آخر بالإكراه على ذكر أو أنثى، والسجن 10 سنوات إذا كان المجني عليه أقل من 18 سنة، كما في حالة فتاة البصرة.
ويُعرف التحرش بوصفه "اعتداءً على كرامة وحرية الضحية من خلال تصرف عدواني"، وهو ما لا ينص قانون العقوبات العراقي عليه صراحة، بل يندرج ضمن الباب التاسع تحت عنوان "الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة"، حيث خصص المشرع العراقي الفصل الثالث من الباب التاسع لجريمة "الفعل الفاضح المخل بالحياء" ضمن المواد (400 - 404).
وتنص المادة (400) على: "من ارتكب مع شخص ذكرًا أو أنثى فعلًا مخلًا بالحياء بغير رضاه أو رضاها يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على مائة دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين"، قبل تعديل أحكام الغرامات بموجب القانون رقم (6) لسنة 2008.
وفي المادة (401) نص التشريع على إيقاع "عقوبة لا تزيد على ستة أشهر وبالغرامة أو إحدى هاتين العقوبتين، بحق من ارتكب الفعل الفاضح العلني"، فيما تضمنت المادة (402) تفاصيل أوسع، وكما يلي:
1- يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر وبغرامة لا تزيد على ثلاثين دينارا أو بإحدى هاتين العقوبتين:
- من طلب أمرًا مخالفة للآداب من آخر ذكرًا أو أنثى.
- من تعرض لأنثى في محل عام بأقوال أو أفعال أو إشارات على وجه يخدش حياءها.
2. تكون العقوبة، الحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر والغرامة التي لا تزيد على مائة دينار إذا عاد الجاني إلى ارتكاب جريمة أخرى من نفس نوع الجريمة التي حُكم من أجلها خلال سنة من تاريخ الحكم السابق.
وعلى هذا الأساس يشدد مختصون على ضرورة أن يخضع قانون العقوبات العراقي الصادر عام 1969 إلى تعديلات وإعادة نظر ليواكب تغيرات الحياة والتكنولوجيا، وتحديدًا بما يتعلق بجرائم التحرش على غرار دول أخرى مثل مصر والأردن.
بدورها، استنكرت منظمات وجهات حقوقية، من بينها المفوضية العليا لحقوق الانسان - العراق، الحادثة، واعتبرتها انتهاكًا صارخًا لحقوق الفتيات والنساء، مع دعوات إلى تطبيق القوانين بشفافية وحزم ضد المتحرشين، كما نشرت زوجة رئيس الجمهورية، شاناز إبراهيم أحمد، بيان استنكار، واعتبرت أن "التحرش عنف، والصمت عنه تواطؤ"، داعية السلطات إلى محاسبة المتورطين.
فضلًا عن ذلك، أعلن الاتحاد العراقي للمواي تاي في البصرة، عن مبادرة مجانية لتعليم الفتيات بعض أنواع الفنون القتالية مثل "المواي تاي"، بهدف تمكينهن من الدفاع عن أنفسهن في الأماكن العامة. وقال الاتحاد في بيان: "نظرًا لِما تتعرّض له بنات البصرة اليوم من مخاطر، وانطلاقًا من واجبنا الأخلاقي والرياضي في حمايتهن وتمكينهن، فإننا نعلن فتح باب تسجيل البنات مجانًا في قاعات المواي تاي في محافظة البصرة، وذلك لمدة شهر كامل".
ومع فداحة ما وقع على كورنيش البصرة، تجدد النقاش حول حجم حالات التحرش الجماعي التي يشهدها العراق، ومن بينها المضايقات والتحرش في الشوارع والتجمعات والمواصلات العامة، والتي يفلت مرتكبوها غالبًا من العقاب نتيجة صمت الضحايا خشية العواقب الاجتماعية (العار)، أو قصور التشريعات وعدم تطبيقها من قبل السلطات المختصة.
وتشير تقارير من منظمات حقوقية إلى تسجيل حالات تحرش وابتزاز جنسي في جامعات ومستشفيات ودوائر حكومية عراقية، بعضها يوثق استغلالًا وظيفيًا أو محاولات مساومة مقابل خدمات، مع صعوبة الوصول إلى الأرقام والإحصائيات الحقيقية الدقيقة لمثل هذه الحالات نتيجة تحفظ الجهات المختصة، إلا أن دائرة الطب العدلي كانت قد كشفت خلال العام الماضي عن تسجيل 421 حالة اغتصاب خلال ستة أشهر، أكثر من 20% منها طالت الذكور.
وفي النهاية، فإن قضية تحرش البصرة هي اختبار حقيقي للدولة العراقية؛ فإما أن ينتصر القانون لكرامة الإنسان ويضرب بيد من حديد على رؤوس المعتدين، وإما أن تذهب دماء الضحية النفسية سدى تحت وطأة التبريرات السياسية والمجاملات العشائرية.
إن الفتاة التي حاولت الانتحار مرتين، لا تنتظر "بيانات استنكار"، بل تنتظر أن ترى مغتصبي حريتها خلف القضبان لسنوات طوال، لتعلم أن في العراق قانوناً يحمي الضعفاء من غطرسة "الوحوش".

