"بورصة العقود" في البصرة.. حارس مدرسة بـ 40 ألف دولار ووظائف النفط لمن يدفع أكثر!
انفوبلس/ تقرير
في محافظة تُلقّب بـ"رئة العراق الاقتصادية"، وتطفو فوق واحد من أكبر احتياطات النفط في العالم، لم تعد الوظيفة الحكومية امتيازاً مهنياً يُنال بالكفاءة أو التحصيل العلمي، بل تحوّلت – وفق معطيات متقاطعة وشهادات متعددة – إلى سلعة تُباع وتشترى في سوق سوداء غير معلنة. في البصرة، بات السؤال الذي يلاحق الخريجين ليس عن المعدل أو الاختصاص، بل عن القدرة على الدفع، وعن "السعر" المطلوب لفتح باب التعيين.
تشير معلومات حصلت عليها مصادر مطلعة إلى تشكّل ما يشبه "بورصة منظمة للتعيينات"، تُحدد فيها الأسعار بحسب الجهة والصفة الوظيفية، وسط غياب فعلي للرقابة، وتغوّل شبكات وساطة مالية وإدارية، تعمل في الظل، لكنها باتت معروفة في الأوساط المحلية.
"شدّات" مقابل عقد.. كيف يعمل سوق الوظائف؟
في واحدة من أكثر المحافظات العراقية ثراءً بالموارد الطبيعية، وأعلى نسب البطالة في آن واحد، لم يعد التنافس على الوظائف الحكومية يجري عبر المسارات الرسمية فقط. فبحسب معطيات متقاطعة، نشأت آلية موازية للتعيين تعتمد على الدفع المباشر أو غير المباشر، مقابل ضمان إدراج الاسم ضمن قوائم المقبولين.
وتكشف المصادر أن سعر التعيين الواحد قد يصل إلى 40 ألف دولار، خصوصاً ضمن ملف الـ19 ألف درجة وظيفية في مديرية التربية، حتى لو كانت الوظيفة بصفة "حارس" أو "كاتب إداري". وفي حالات أخرى، تُدفع المبالغ على شكل دفعات تبدأ مع إدراج الاسم، وتنتهي عند صدور الأمر الإداري، ما يعكس درجة من "الاحتراف" في إدارة هذا السوق غير القانوني.
ولا يقتصر الأمر، بحسب المعلومات، على قطاع التربية، بل يمتد إلى قطاعات أخرى، بينها الشباب والرياضة، وبعض الشركات النفطية وشبه النفطية، حيث تختلف الأسعار تبعاً لطبيعة الجهة وقيمة العقد ومدته.
وظائف بلا كفاءة.. ودوام بلا حضور
محمد كاظم، وهو مقرّب من إحدى الكتل السياسية الكبيرة في البصرة، يؤكد أن المبالغ التي تُدفع لا تُقابل غالباً وظائف تخصصية أو مهام تتطلب خبرات، بل تذهب مقابل عقود بسيطة داخل المدارس والمؤسسات الخدمية.
ويقول كاظم إن "جزءاً من هذه التعيينات يُمرر على أساس الانتماء أو الارتباط بجهات سياسية نافذة، بعيداً عن معايير الكفاءة"، لافتاً إلى أن بعض من يُعينون بصفة "كاتب" في المدارس لا يمتلكون حتى المهارات الأساسية للقراءة والكتابة.
ويضيف أن أعداد الحراس والكتّاب والعمّال الحرفيين في مدارس البصرة ارتفعت بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، حتى تجاوزت – وفق تقديراته – ألف موظف بعقود مختلفة، مبيناً أن نسبة غير قليلة منهم لا تلتزم بالدوام الرسمي الكامل، إذ يقتصر حضور البعض على يوم واحد في الأسبوع أو أيام متباعدة خلال الشهر.
هذا الواقع، بحسب مراقبين، لا يضر فقط بسلامة التعيينات، بل ينعكس مباشرة على جودة العملية التعليمية، في وقت تعاني فيه المدارس من نقص واضح في الكوادر التدريسية المتخصصة.
"سوق منظّمة" وأسعار متفاوتة
عدنان محمد، وهو مقرّب من إحدى الشخصيات السياسية المؤثرة في البصرة، يصف ما يجري بأنه "سوق منظّمة" بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ويقول إن الوظائف الحكومية وشبه الحكومية تُعرض بأسعار متفاوتة، تبعاً لطبيعة الجهة ودرجة النفوذ المسيطر عليها.
وبحسب محمد، فإن بعض فرص العمل المرتبطة بشركات نفطية تُعرض مقابل مبالغ قد تصل إلى 50 ألف دولار، فيما تصل أسعار بعض التعيينات ضمن قطاعات الشباب والرياضة إلى نحو 20 ألف دولار. ويؤكد أن هذه العمليات لا تُدار بشكل مباشر، بل عبر وسطاء وسلاسل تواصل مغلقة، ما يصعّب تتبعها أو توثيقها رسمياً.
ويضيف أن الترتيبات تبدأ غالباً عبر تطبيقات المراسلة، ولا سيما "واتساب"، حيث تُناقش التفاصيل الأولية ويُحدد المبلغ المطلوب، قبل الانتقال إلى مرحلة التسليم، التي تجري في أماكن عامة مثل المقاهي الشعبية، لتجنّب أي توثيق مباشر قد يُستخدم لاحقاً في ملاحقات قانونية.
غياب الرقابة.. وحضور النفوذ
يرى مختصون أن تفشي هذه الظاهرة يعكس خللاً عميقاً في منظومة الرقابة الإدارية، وضعفاً في آليات التدقيق على ملفات التعيين، فضلاً عن تأثير النفوذ السياسي على مفاصل القرار داخل الدوائر المحلية.
وفي هذا السياق، يحذر عضو مجلس محافظة البصرة، علي عدنان العبادي، من أن استمرار منح الدرجات الوظيفية خارج معايير الاستحقاق والكفاءة سيؤدي إلى اختلالات خطيرة في بنية الجهاز الإداري، ولا سيما في القطاع التعليمي.
ويؤكد العبادي أن عدداً كبيراً من المدارس يعاني تراكماً في الوظائف الخدمية، مقابل نقص ملموس في الكوادر التدريسية، ما ينعكس سلباً على مستوى التعليم، ويهدر الموارد البشرية والمالية في آن واحد.
إحباط شبابي وشرخ اجتماعي
من جانبه، يصف عضو مجلس محافظة البصرة، عماد محسن، واقع ملف التعيينات بأنه "غير قابل للتحمّل"، في ظل غياب مبدأ تكافؤ الفرص، واحتكار جهات محددة لمسارات التوظيف.
ويحذر محسن من أن استمرار هذه الآليات سيؤدي إلى تعميق الإحباط لدى آلاف الشباب، خصوصاً الخريجين الذين ينتظرون فرصاً عادلة قائمة على المنافسة والشفافية، لا على القدرة المالية أو الانتماء السياسي.
ويضيف أن التعيينات يجب أن تُدار وفق خطط احتياج حقيقية ودراسات واضحة، تحدد الاختصاصات المطلوبة، بدلاً من تحويل الملف إلى أداة لإرضاء جهات أو تثبيت نفوذ سياسي داخل المؤسسات.
النفط حاضر.. والعدالة غائبة
المفارقة الأكثر قسوة، وفق مراقبين، أن هذه الممارسات تجري في محافظة تُعدّ القلب الاقتصادي للعراق، وتنتج النسبة الأكبر من صادراته النفطية. ففي البصرة، حيث تُصدّر ملايين البراميل يومياً، يجد آلاف الشباب أنفسهم خارج سوق العمل، إلا من يملك القدرة على الدفع.
ويحذر مختصون من أن تحويل الوظيفة إلى سلعة لا يهدد فقط نزاهة الإدارة العامة، بل يضرب مفهوم الدولة ذاته، ويحوّل المؤسسات إلى ساحات نفوذ متداخلة، تُدار بمعايير الولاء لا الكفاءة.
ملف مفتوح… وأسئلة بلا إجابات
حتى الآن، لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة عن حجم هذه الظاهرة، ولا عن الجهات المتورطة فيها، في ظل صمت إداري وتبادل اتهامات غير مباشر. لكن المؤشرات المتراكمة، والشهادات المتعددة، ترسم صورة مقلقة عن مسار التعيينات في البصرة.
إن ما يحدث في البصرة ليس مجرد حالات فساد فردية، بل هو "سيستم" موازٍ للدولة، تُباع فيه كرامة الخريجين بآلاف الدولارات. عندما يصل ثمن وظيفة "حارس" إلى 40 ألف دولار، فإننا نتحدث عن جريمة كبرى بحق الاقتصاد والتعليم ومستقبل الأجيال.
البصرة التي تُطعم العراق بخزائنها، باتت اليوم ساحة يُباع فيها "الأمل" لمن يدفع أكثر، وتُغلق فيها الأبواب بوجه الكفاءة. إن الحاجة الآن ليست لمزيد من العقود، بل لـ "ثورة إدارية" تعيد الاعتبار للمعايير المهنية والعدالة الاجتماعية، وتضرب بيد من حديد شبكات "الواتساب والمقاهي" التي تنهب أحلام شباب البصرة قبل أن تنهب أموالهم.
ويبقى السؤال الأبرز: كيف لمحافظة تُغذي خزينة الدولة أن تعجز عن توفير وظائف عادلة لأبنائها؟ وهل تتحول "بورصة العقود" من سوق خفية إلى واقع مُسلَّم به، إذا استمر غياب الرقابة والمحاسبة؟
في انتظار إجابات واضحة، تبقى الوظيفة الحكومية في البصرة حلماً مؤجلاً لمن لا يملك "ثمن الدخول"، فيما تتآكل ثقة المجتمع بمؤسسات يفترض أنها وُجدت لخدمته، لا لبيع أبوابها لمن يدفع أكثر.

