ست سنوات على استشهاد قادة النصر.. الدم الذي هزم الإرهاب يعود حاضراً في بغداد
انفوبلس/ تقارير
في ذكرى استشهاد قادة النصر، عادت بغداد لتفتح سجل الذاكرة الوطنية على واحدة من أكثر المحطات حساسية وتأثيراً في تاريخ العراق الحديث، محطة امتزجت فيها الدماء بالسيادة، والتضحيات بوحدة القرار، والرمزية بالفعل الميداني. ذكرى لم تكن مجرد مناسبة عابرة بل تحولت إلى مشهد وطني جامع، استدعى قادة الدولة ومؤسساتها، واستنهض جمهوراً واسعاً من مختلف المكونات، وسط تنظيم أمني وخدمي حافظ على الانسيابية العامة ومنع أي مساس بحركة الطرق أو الحياة اليومية، ليؤكد أن الذكرى باتت حدثاً وطنياً مستقراً لا يربك المدينة بل يعكس قدرتها على إحياء الذاكرة دون تعطيل الدولة.
احتفال رسمي مركزي ورسائل الدولة
أُحييت الذكرى السادسة لاستشهاد قادة النصر في بغداد عبر احتفال رسمي مركزي حضره رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، ورئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، إلى جانب الرؤساء العراقيين الثلاثة وعدد واسع من القيادات السياسية والأمنية والدينية.
الحضور الرسمي عكس بوضوح مكانة المناسبة في الوعي السياسي للدولة، ورسّخ فكرة أن استذكار القادة الشهداء لم يعد شأناً فصائلياً أو عاطفياً محضاً، بل محطة وطنية تستحضر لحظة مفصلية في حماية العراق وأمنه وسيادته.
وأكد المشاركون أن دماء الشهداء، وفي مقدمتهم الشهيد القائد أبو مهدي المهندس، كانت السد الحقيقي الذي وقف بوجه الإرهاب، وحمى الأرض والناس والمقدرات، ورسّخ معادلة الدفاع الوطني في أحلك الظروف.
رمزية قادة النصر وسياق المعركة مع الإرهاب
يستذكر العراقيون هذه الذكرى بوصفها امتداداً لمعركة وجود خاضها البلد بين عامي 2014 و2017، حين واجه تنظيم داعش الإرهابي تهديداً غير مسبوق.
في تلك المرحلة، برز الدور المحوري لقائد فيلق القدس الجنرال الإيراني الحاج قاسم سليماني، إلى جانب نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي الشهيد أبو مهدي المهندس، في دعم وتنسيق الفصائل المسلحة الشيعية، وتقديم الخبرات العسكرية والاستراتيجية التي أسهمت في قلب موازين المعركة.
هذا الدور لم يكن منعزلاً عن السياق العراقي، بل اندمج مع فتوى المرجعية الدينية العليا ومع إرادة شعبية واسعة، ليشكل منظومة دفاع وطني واجهت أخطر تهديد عرفه العراق في تاريخه الحديث.
الاغتيال وتداعياته الإقليمية
في الثالث من كانون الثاني عام 2020، نفذت الولايات المتحدة ضربة جوية قرب مطار بغداد الدولي استهدفت الحاج قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس، في عملية وُصفت بالغادرة، وأدت إلى تصعيد كبير في العراق والمنطقة.
الاغتيال لم يكن حدثاً أمنياً فحسب، بل تحول إلى أزمة سياسية وسيادية، اعتبرتها إيران هجوماً مباشراً على جيشها، فيما رأى العراقيون فيها انتهاكاً صارخاً لسيادة البلاد.
ومنذ ذلك التاريخ، تحولت ذكرى الاستشهاد إلى موعد سنوي لإعادة طرح أسئلة السيادة والقرار الوطني، واستحضار كلفة الدم التي دفعت دفاعاً عن العراق.
الزخم الشعبي ورسائل الداخل والخارج
في هذا السياق، أكد عضو الإطار التنسيقي عدي عبد الهادي أن إحياء ذكرى استشهاد قادة النصر يحمل رسالة عميقة لمن لا يجيد قراءة التاريخ.
وقال عبد الهادي في تصريح صحفي تابعته شبكة انفوبلس، إن التفاعل الشعبي الكبير من مختلف المكونات العراقية يبرهن على أن رسالة الشهداء ما زالت واضحة وراسخة، وأن دماءهم كانت عنواناً للصمود في مواجهة مؤامرات استهدفت العراق والأمة الإسلامية.
ولفت إلى أن هذا الزخم الشعبي يمثل رداً مباشراً على كل محاولات خلط الأوراق أو الانسجام مع تيارات تسعى لانتزاع إرادة الشعوب، مؤكداً أن ما زرعه الشهداء سيبقى نقطة مضيئة في التاريخ، وأن كل الأجندات التي راهنت على الاغتيال لإحداث انكسار أو فراغ فشلت أمام مشهد الحضور الجماهيري الواسع.
الانسيابية المرورية ونفي الشائعات
وبالتزامن مع الذكرى، نفت هيئة الحشد الشعبي بشكل قاطع الأنباء التي تحدثت عن قطع طريق المطار.
وأوضحت الهيئة في بيان رسمي ورد لشبكة انفوبلس، أنها رصدت قيام بعض الأشخاص المشبوهين بتصوير مشاهد تمثيلية ومفبركة توحي بقطع الطريق، وإرسالها بشكل متعمد إلى بعض وسائل الإعلام بهدف التشويش على التجمع الجماهيري الكبير الذي شهدته ليلة المطار.
وأكدت الهيئة أن طريق المطار لم يُقطع مطلقاً، وأن الحركة المرورية استمرت بانسيابية عالية رغم الزخم الكبير، بفضل التنظيم الأمني والخدمي، داعية وسائل الإعلام إلى توخي الدقة والمهنية، ومشيرة إلى أن الجهات المختصة ستلاحق المتورطين قانونياً، في رسالة واضحة بأن إحياء الذكرى لا يعني تعطيل الدولة أو شلّ مفاصلها.
خطاب الشهادة ومعانيها في كلمة الفياض
في كلمته خلال الذكرى، أكد رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض أن عروج القادة الشهداء كان تجارة رابحة مع الله نالوا بها الخلود والرفعة.
وبيّن أن مفهوم الشهادة في فكر القادة لا يرتبط بحدود جغرافية أو وطن معين، بل هو اصطفاء إلهي لمن نذروا أنفسهم للدفاع عن القيم الإنسانية والمبادئ الحقّة.
وأوضح أن من يُقتل دفاعاً عن أرضه وعرضه ومقدساته يسير في أرفع دروب الجهاد، مشدداً على أن دماء الشهداء لم تكن تضحية عابرة، بل رسمت طريق الثبات والكرامة، وستبقى إرثاً حياً للأجيال في مواجهة التحديات.
من الفتوى إلى الدولة
وتطرق الفياض إلى أحداث عام 2014، مؤكداً أن تهاون النفوس في تلك المرحلة أبرز القيمة التاريخية لفتوى المرجعية الدينية العليا في حماية العراق، متعهداً بالبقاء أوفياء للعهد في حماية المقدسات والدفاع عن الوطن.
كما شدد على أن الشهيدين المهندس وسليماني كانا رجالاً حسينيين بمعنى الكلمة، وأن تضحية سليماني للعراق تمثل أسمى درجات الشرف والوفاء، مديناً الجريمة التي استهدفت ضيف العراق والمدافع عنه، ومؤكداً أن الله أراد أن يُعلي شأنه بأن يُراق دمه على أرض رُويَت بدم الحسين عليه السلام.
مواقف برلمانية ورسائل سياسية
من جانبه، أكد رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي أن ذكرى استشهاد قادة النصر تحمل دروساً عميقة في التضحيات، وأسهمت في تهيئة الطريق نحو مرحلة جديدة.
وأوضح أن هذه المناسبة تعيد التأكيد على أهمية وحدة الصف وتغليب المصلحة الوطنية العليا، مستحضراً بإجلال تضحيات القادة والشهداء الذين كانوا رمزاً للفداء.
ودعا الحلبوسي إلى الالتزام بالتوقيتات الدستورية لتشكيل الحكومة الجديدة، وحثّ القيادات السياسية على اعتماد لغة الحوار والحكمة بما يعزز الاستقرار والإصلاح، في ربط واضح بين ذاكرة الشهادة ومسؤوليات الحاضر.
التخليد المؤسسي للذكرى
وفي إطار تخليد الذكرى على المستوى المؤسسي، أعلنت وزارة الاتصالات إصدار طابع بريدي خاص بذكرى استشهاد قادة النصر، بتوجيه من رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني وبإشراف وزيرة الاتصالات هيام الياسري.
وأوضحت الوزارة أن الطابع يأتي تخليداً لدماء الشهيد القائد أبو مهدي المهندس وكوكبة من شهداء العزة والكرامة الذين استشهدوا على طريق مطار بغداد الدولي، مشيرة إلى أن الشركة العامة للبريد والتوفير ستطلق الطابع عبر منافذها الرسمية، ليكون شاهداً رمزياً دائماً على هذه اللحظة المفصلية في تاريخ العراق.
بهذا الزخم الرسمي والشعبي، وبهذه الانسيابية التي حافظت على حركة المدينة، بدت ذكرى قادة النصر في بغداد رسالة مركبة المعاني، تؤكد أن الشهادة تحولت من حدث أمني إلى ركيزة في الوعي الوطني، وأن استحضار الدم لا يعني الفوضى بل يعكس قدرة الدولة على إدارة الذاكرة والواقع معاً. ذكرى تختصر صراع العراق مع الإرهاب، وتعيد رسم معادلة السيادة، وتبعث برسالة واضحة مفادها أن دماء القادة لم تُغلق صفحة، بل فتحت مساراً ما زال حاضراً في وجدان الدولة والمجتمع.


