وهم الثبات ورقصة الوجود في نسيج الزمن - سلسلة حوار مع الذكاء الاصطناعي – الحلقة الثانية
انفوبلس..
لطالما خدعتنا حواسنا بصورة مريحة عن العالم؛ صورة توهمنا بأن الأشياء من حولنا تقف على أرض صلبة من الثبات، وأن الجوهر العميق لما نراه يبقى عصياً على التغيير. في تاريخ الفكر البشري الطويل، ساد الاعتقاد بأن التغير يطال القشور وحدها، بينما يبقى اللب ساكناً.
لقد رسخ فلاسفة عظام مثل أرسطو وابن سينا هذه الرؤية، حيث اعتقدوا أن الحركة والتغير يحدثان حصراً في "العوارض" أي في الصفات الخارجية للأشياء. فالكرسي قد يُنقل من مكان إلى آخر، أو قد يتغير لونه بمرور الزمن، أو حتى يكبر حجم الشيء ويصغر ، لكن جوهره العميق وحقيقته الباطنة تظل بمعزل عن هذه التبدلات، قارةً في ثبات مطلق لا يعتريه تبديل.
في خضم هذا السكون الفلسفي الممتد، برز الفيلسوف الإسلامي "ملا صدرا" ليطلق صرخة فكرية مدوية زلزلت أركان هذا التصور، مقدماً فكرة كانت بمثابة صدمة معرفية لعصره. لم يكتفِ صدرا بنفي ثبات القشور، بل غاص إلى أعمق نقطة في كينونة الأشياء ليعلن أن "الجوهر نفسه في حركة دائمة". ليس الشكل الخارجي وحده ما يتبدل، بل إن عمق الوجود ذاته يتجدد وينبض في كل لحظة.
لتفكيك هذه الفكرة المعقدة، يمكننا استحضار صورة شعلة الشمعة؛ فحين تتأمل اللهب الراقص، تتوهم حواسك أنك تنظر إلى "نفس اللهب" طوال الوقت. لكن الحقيقة الفيزيائية الخفية هي أن المادة التي تحترق تتبدل وتتفنى في كل جزء من الثانية. وما تراه العين ثباتاً واستقراراً، ما هو في واقعه إلا تجدد متواصل وسريع لدرجة تعجز الحواس عن التقاط فواصله.
وفقاً لملا صدرا، هذه هي القاعدة الكونية التي تحكم كل شيء؛ فلا شيء ينجو من هذه الحركة الجوهرية، حتى الصخرة الصماء التي تبدو مجسدة للسكون الأبدي.
من رحم هذه الحركة الجوهرية، تنبثق واحدة من أعقد الإشكاليات التي واجهت العقل البشري: إشكالية "الزمن". كيف نفهم الزمن إذا كان كل شيء في حالة سيلان مستمر؟ الفلاسفة القدامى نظروا إلى الزمن نظرة مكانية بحتة، معتبرين إياه مجرد "وعاء" فارغ ومستقل تتحرك الأشياء في داخله.
لكن صدرا قفز قفزة هائلة متجاوزاً هذا التصور الميكانيكي، ليقرر أن الزمن ليس صندوقاً يحتوي الكون، بل هو بُعد عضوي من أبعاد الوجود نفسه. الأشياء لا تسبح في نهر الزمن، بل إن حركتها الجوهرية وتجددها المستمر هما ما يصنعان هذا النهر. الحركة هي التي تلد الزمن، وبدون هذا التجدد المتواصل للجوهر، ينهار مفهوم الزمن برمته.
هنا، تتشابك خيوط الفلسفة العميقة مع أشد نظريات الفيزياء الحديثة تعقيداً وروعة. فبعد مرور ثلاثة قرون كاملة على طروحات ملا صدرا ، جاء ألبرت أينشتاين بنظريته النسبية ليهدم التصور النيوتني للزمن المطلق والمستقل.
أثبتت الفيزياء الحديثة أن الزمن ليس مطلقاً، بل هو نسبي ومرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمادة. الزمكان (الزمان والمكان) في النسبية هو نسيج واحد لا ينفصل، والكتلة (المادة) هي التي تحني هذا النسيج. المدهش في هذا التقاطع هو أن كلاً من العبقريتين، الفلسفية والفيزيائية، وصلتا إلى ذات النتيجة الجوهرية: الزمن والمادة ليسا كيانين منفصلين، بل هما نسيج واحد متشابك يعرّف كل منهما الآخر.
الفرق الوحيد هو أن ملا صدرا أدرك هذه الحقيقة ببصيرته الفلسفية التجريدية، بينما أثبتها أينشتاين بلغة الرياضيات الدقيقة وتجاعيد الزمكان.
لكن هذه الفلسفة لا تقف عند حدود الأجرام السماوية والجسيمات، بل تمتد لتخترق صميم الذات الإنسانية. إن صدقنا بـ "الحركة الجوهرية"، فإن النتيجة الحتمية والصادمة هي أنك أنت، القارئ الجالس الآن تتأمل هذه الكلمات، لست نفس الشخص الذي بدأ القراءة قبل دقيقة واحدة.
هذا ليس مجازاً أدبياً أو استعارة شعرية، بل هو حقيقة وجودية حرفية. وجودك الإنساني يتبدل ويتجدد في كل لحظة، تماماً كشعلة الشمعة. أما ذلك الإحساس المريح بالاستمرارية الذي تشعر به، فهو ليس سوى إيهام ناتج عن انتظام هذا التجدد وسرعته الفائقة، تماماً كما تخدعك 24 صورة ثابتة تُعرض في الثانية الواحدة في صالة السينما، لتخلق في عقلك وهماً بصرياً بحركة متصلة لا انقطاع فيها.
هذا الفناء والانبعاث المستمر يطرح السؤال الفلسفي الأخطر: إذا كنت أتجدد وأتبدل في كل لحظة، فمن هو الذي يتجدد؟ وما هو الخيط الخفي الذي يربط "أنا" في هذه اللحظة، بـ "أنا" بعد ثانية واحدة؟. هنا تقف الفيزياء صامتة عاجزة، فهذا السؤال الميتافيزيقي يقع خارج حدود معادلاتها ومختبراتها.
أما البوذية، فترى أن هذا الخيط ما هو إلا وهم، وأنه لا توجد "أنا" ثابتة من الأساس لتُربط. في المقابل، يقدم ملا صدرا إجابته التي تمزج بين المنطق والعرفان: هذا الخيط الرابط، وهذا الحافظ لهويتك وسط أمواج التجدد، هو "الوجود المطلق" (الله)، الذي يفيض عليك باستمراريتك في كل لحظة لكي لا تتلاشى في العدم.