الابتزاز الاقتصادي الأمريكي يتصاعد عبر الدولار والنفط.. تهديدات عبر "رويترز" تصطدم بوحدة القرار العراقي
انفوبلس/ تقارير
في خضم تصعيد سياسي وإعلامي قادته واشنطن تحت عناوين العقوبات والضغط الاقتصادي، عاد العراق ليجد نفسه مجددًا في قلب صراع الإرادات الإقليمية والدولية، غير أن المعطيات المتراكمة تشير إلى أن هذه الضغوط، التي رُوّج لها بوصفها أدوات حاسمة لإضعاف الدولة العراقية، لم تُترجم إلى نتائج فعلية، فالعراق بمؤسساته الدستورية وقواه الأمنية المنضبطة ماضٍ في تشكيل حكومته، مؤكدًا استقلال قراره وفشل الرهانات الأمريكية.
تهديدات واشنطن.. محاولة كسر الإرادة العراقية
يوم أمس، كشفت تقارير إعلامية غربية في مقدمتها وكالة “رويترز”، أن الولايات المتحدة لوّحت بفرض عقوبات قاسية على سياسيين عراقيين بارزين، قد تمتد – بحسب تلك التهديدات – إلى الدولة العراقية نفسها.
ووفق أربعة مصادر تحدثت لرويترز، فإن التحذيرات شملت التلويح باستهداف الشريان المالي الأهم للعراق والمتمثل بعائدات النفط المودعة عبر بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك في حال إشراك "جماعات مسلحة مدعومة من إيران" في الحكومة العراقية المقبلة.
-
تقرير رويترز
هذا النوع من التهديدات عُدّ بحسب الوصف الأمريكي، من أشد أدوات الضغط التي استخدمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إطار حملته المعلنة لتقليص نفوذ الجماعات المرتبطة بإيران داخل العراق.
ثلاثة مسؤولين عراقيين إلى جانب مصدر مطلع على الملف، زعموا أن هذه الرسائل نُقلت مرارًا خلال الشهرين الماضيين عبر القائم بالأعمال الأمريكي في بغداد، جوشوا هاريس، سواء بشكل مباشر لمسؤولين حكوميين وقيادات سياسية شيعية نافذة، أو عبر وسطاء إلى بعض قادة الجماعات المستهدفة.
الرسالة الأمريكية في جوهرها لم تكن جديدة على المشهد العراقي، فمنذ سنوات تتعامل واشنطن مع العراق بوصفه ساحة ضغط غير مباشرة على إيران، مستندة إلى فرضية أن طهران تعتمد على النظام المصرفي العراقي للالتفاف على العقوبات الاقتصادية. ولهذا سعت إدارات أمريكية متعاقبة إلى خنق تدفق الدولار إلى العراق وفرضت بالفعل عقوبات على أكثر من عشرة بنوك عراقية خلال السنوات الماضية، لكنها لم تصل – في أي مرحلة – إلى خطوة وقف تحويلات الدولار من الاحتياطي الفيدرالي إلى البنك المركزي العراقي.
وفي رد رسمي على هذه الأنباء، زعم متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أن بلاده “تدعم سيادة العراق”، مضيفًا أن “لا مكان لميليشيات مدعومة من إيران تسعى لتحقيق مصالح خبيثة، وتغذي الانقسام الطائفي، وتنشر الإرهاب” وفق قوله. غير أن هذا التصريح الذي جاء بصيغة عامة تجنب الإجابة المباشرة عن سؤال العقوبات والتهديدات الاقتصادية، ما عزز الانطباع بأن واشنطن تستخدم سياسة الغموض المدروس لإبقاء سيف الضغط مرفوعًا دون التزام فعلي بالتنفيذ.
التصعيد السياسي.. حكومة تحت النار
في السياق ذاته، ذهبت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية إلى أبعد من ذلك، حين كشفت أن واشنطن مارست ضغوطًا مباشرة على كبار الساسة العراقيين المكلفين بتشكيل الحكومة مطالبة بإقصاء الجماعات المسلحة المدعومة من إيران من أي تشكيلة حكومية مقبلة.
وبحسب خمسة أشخاص مطلعين على تلك المحادثات، فقد شهدت الأسابيع الأخيرة اجتماعات متوترة، طالب خلالها مسؤولون أمريكيون بخطة “سريعة وذات مصداقية” لنزع سلاح هذه الجماعات.
ثلاثة من هؤلاء المصادر قالو إن التهديدات لم تكن سياسية فقط، بل شملت إجراءات اقتصادية صريحة، من بينها تقييد إمدادات الدولار النقدي التي تُرسل إلى العراق مقابل مبيعات النفط وهو ما عُدّ محاولة واضحة لاستخدام الاقتصاد أداة ابتزاز سياسي في بلد يعتمد بشكل أساسي على العائدات النفطية لإدارة شؤونه المالية.
وتصاعد هذا التوتر بحسب الصحيفة، عقب انتخاب عدنان فيحان العضو السابق في عصائب أهل الحق، نائبًا أول لرئيس البرلمان.
أحد المصادر وصف رد الفعل الأمريكي بالقول: “السفارة الأمريكية انفجرت غضبًا… اعتبروا ما حدث سلوكًا عدائيًا وتحديًا مباشرًا، وطالبوا باستبداله”. هذه الحادثة جاءت في وقت حساس، حيث كان الساسة العراقيون منخرطين في مشاورات مكثفة لتشكيل حكومة جديدة بعد انتخابات عززت نفوذ القوى الشيعية، وفي مقدمتها تحالف “الإطار التنسيقي”، الذي يملك الحصة الأكبر من الأصوات البرلمانية.
-
عدنان فيحان
غير أن القراءة العراقية الداخلية لهذه الضغوط اختلفت جذريًا عن القراءة الأمريكية، فبالنسبة لعدد من القوى السياسية فإن ما جرى لا يعدو كونه محاولة فاشلة لفرض إرادة خارجية على مسار دستوري داخلي، تحكمه نتائج انتخابات وآليات برلمانية واضحة.
ترامب ومشاريع الفشل.. سجل بلا إنجازات
في تقييم أوسع لسياق هذه التهديدات، يرى مراقبون أن الضغوط الأمريكية على العراق لا يمكن فصلها عن سجل دونالد ترامب الحافل بالإخفاقات سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها. فالرئيس الأمريكي الذي لوّح مرارًا باستخدام القوة الاقتصادية والسياسية لإخضاع خصومه، لم ينجح فعليًا في تحويل تهديداته إلى إنجازات مستدامة.
في الملف الصيني، هدد ترامب بفرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على المنتجات الصينية، فردت بكين بتفعيل نظام تراخيص المعادن الاستراتيجية، ووقف شراء فول الصويا الأمريكي. النتيجة لم تكن انتصارًا أمريكيًا، بل تراجعًا متبادلًا انتهى باتفاق على إيقاف التصعيد من الطرفين، في ما وصفه مراقبون بـ”الهدنة” لا أكثر.
أما في سياسات الهجرة، فرغم انخفاض أعداد المهاجرين غير النظاميين وترحيل الملايين، إلا أن هذه الإجراءات تركت أثرًا سلبيًا عميقًا على الاقتصاد الأمريكي، وأدت إلى بطء النمو وتضرر سوق العمل، لا سيما في القطاعات التي تعتمد على العمالة المهاجرة.
في الشرق الأوسط، لم يحقق ترامب اختراقًا حقيقيًا، حرب الإبادة في غزة انتهت باستنفاد أهدافها التدميرية دون أن يُسجل وقف إطلاق النار بوصفه إنجازًا سياسيًا. مشروع “مجلس السلام” الذي روّج له قوبل بردود فعل ساخرة ورافضة من دول كبرى مثل فرنسا وكندا وروسيا وإسبانيا، في دليل واضح على فشله الدبلوماسي.
الحرب الروسية – الأوكرانية بدورها لم تتوقف بتدخل ترامب الذي عجز عن إقناع كييف أو دول الاتحاد الأوروبي بقبول ما سماه “الأمر الواقع”.
أما إيران، فبعد ثماني سنوات من انسحاب واشنطن من اتفاق 5+1، ما زالت تحتفظ بمئات الكيلوغرامات من اليورانيوم، وعشرات آلاف الصواريخ، وحلفاء فاعلين في المنطقة، أحدهم حقق مواجهة غير متكافئة مع البحرية الأمريكية.
حتى في فنزويلا، لم ينجح ترامب في إسقاط النظام أو فرض مفاوضات حقيقية، بينما لم تتحقق صفقات الخليج التي تحدث عنها إلا بنسب ضئيلة، بحسب تقارير أمريكية.
وفي العراق تحديدًا، فشل مشروع “سافايا” وبسط النفوذ، كما تعثر مشروعه في غرينلاند، ما عزز صورة رئيس يكثر من التهديد ويقلّ إنجازه على أرض الواقع.
العراق والحشد.. قرار سيادي وقوة منضبطة
في مقابل هذا المشهد، يبرز الموقف العراقي بوصفه موقفًا سياديًا واضحًا، فالعراق ماضٍ في تشكيل حكومته وفق استحقاقاته الدستورية دون تدخل خارجي ودون الخضوع لإملاءات سياسية أو اقتصادية.
القوى الأمنية العراقية وفي مقدمتها هيئة الحشد الشعبي، تُعدّ جزءًا من المنظومة الرسمية للدولة، وتخضع بشكل مباشر لأوامر القائد العام للقوات المسلحة.
الحشد الشعبي ليس كيانًا خارج القانون، بل قوة أُقرت بقانون صوّت عليه مجلس النواب عام 2014، في ذروة المواجهة مع تنظيم “داعش” الإرهابي، ومنذ ذلك الحين باتت هذه المؤسسة جزءًا من الهيكل الأمني الرسمي تتمتع بانضباط عسكري وتسلسل قيادي واضح شأنها شأن بقية التشكيلات الأمنية.
الخطاب الذي يقدّم الحشد بوصفه “ميليشيا منفلتة” يتجاهل هذه الحقيقة القانونية والدستورية، ويقفز فوق الدور الذي لعبته هذه القوة في الدفاع عن الدولة ووحدة أراضيها، كما يتجاهل أن قرار إشراك أي طرف في الحكومة العراقية يخضع لإرادة البرلمان المنتخب، لا لإرادة السفارات.
في المحصلة، تبدو الضغوط الأمريكية أقرب إلى محاولة يائسة لإعادة فرض نفوذ تراجع فعليًا، أكثر من كونها سياسة قابلة للتنفيذ، فالعراق الذي خبر العقوبات والحصار والتدخلات لعقود بات اليوم أكثر وعيًا بأدوات الضغط، وأكثر تمسكًا بحقه في تقرير مصيره، ومع فشل ترامب في معظم مشاريعه الخارجية، يرسخ المشهد العراقي قناعة مفادها أن زمن الإملاءات قد ولّى وأن القرار الوطني مهما اشتدت الضغوط، لم يعد سهل الكسر.
