مرشح تسوية جديد.. ترشيح علي الزيدي لرئاسة الوزراء بين التوافق السياسي وتساؤلات الأداء الاقتصادي
انفوبلس..
شهدت الساحة السياسية العراقية، تطوراً لافتاً تمثّل في اتفاق قوى “الإطار التنسيقي” على ترشيح علي فالح كاظم الزيدي لرئاسة مجلس الوزراء، في خطوة وُصفت بأنها محاولة للوصول إلى مرشح توافقي يمكنه إدارة المرحلة المقبلة.
ويأتي هذا الترشيح في سياق سياسي معقد يتسم بتداخل المصالح الاقتصادية والسياسية، وتزايد التحديات الداخلية والخارجية.
وأعاد اتفاق قوى الإطار التنسيقي بالإجماع على ترشيح علي فالح كاظم الزيدي لرئاسة مجلس الوزراء فتح النقاش حول طبيعة المرشحين القادمين من خلفيات اقتصادية واستثمارية، وحدود قدرتهم على إدارة دولة معقدة كالعراق.
بحسب المعلومات المتداولة، فإن ترشيح الزيدي جاء بإجماع داخل الإطار التنسيقي خلال اجتماع عُقد لمناقشة ملف رئاسة الوزراء، حيث جرى التوافق عليه بوصفه “مرشح تسوية” يمكن أن يحظى بقبول نسبي بين القوى السياسية المختلفة .
الخلفية المهنية
يُقدَّم الزيدي كشخصية متعددة الاهتمامات تجمع بين القانون والمال والاستثمار، إذ يحمل شهادتين في القانون والعلوم المالية والمصرفية. وتُظهر مسيرته المهنية انخراطاً واضحاً في القطاع المصرفي وإدارة الشركات، حيث تولى رئاسة مجلس إدارة مصرف الجنوب لسنوات، مع تركيز على الحوكمة وإدارة المخاطر والسياسات الائتمانية.
كما يشغل حالياً مواقع إدارية بارزة، منها رئاسة مجلس إدارة الشركة الوطنية القابضة، التي تدير شبكة شركات متعددة النشاطات، إلى جانب حضوره في القطاع التعليمي من خلال رئاسته لجامعة الشعب ومعهد عشتار الطبي، وهو ما يعكس محاولة الجمع بين الاستثمار والتعليم كمسارين متوازيين في مشروعه الشخصي.
هذا التنوع في المواقع يمنح الزيدي صورة “رجل الإدارة الشاملة”، لكنه في الوقت ذاته يثير تساؤلات حول تضارب المصالح المحتمل بين القطاعين العام والخاص، في حال انتقاله إلى موقع تنفيذي أعلى.
الاقتصاد السياسي للمرشح
يمتلك الزيدي حضوراً اقتصادياً واضحاً من خلال ملكيته لمصرف الجنوب الإسلامي وشركة “الأويس”، التي تضم نحو 15 شركة تعمل في مجالات الغذاء والزراعة والمقاولات والنفط والخدمات الأمنية. وتشير البيانات إلى أن حجم الاستثمارات المعلنة يصل إلى نحو 500 مليون دولار، مع ارتباط مباشر بعقود حكومية، أبرزها تزويد وزارة التجارة بالسلة الغذائية، إضافة إلى عقود مع وزارة الدفاع لتأمين المواد الغذائية للجنود.
هذا الامتداد بين القطاع الخاص والعقود الحكومية يضع الزيدي ضمن فئة رجال الأعمال المرتبطين بالدولة، وهي فئة باتت لاعباً أساسياً في الاقتصاد العراقي خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في ظل توسع نموذج “الدولة المتعاقدة” بدل الدولة المنتجة.
ملف السلة الغذائية
يبرز ملف السلة الغذائية كأحد أكثر الملفات حساسية المرتبطة باسم الزيدي، نظراً لتعاقد شركة “الأويس” مع وزارة التجارة لتجهيز مفرداتها. وبحسب معطيات برلمانية وتقارير رسمية، فإن قيمة هذه العقود تصل إلى تريليونات الدنانير، ما يجعلها من أكبر برامج الإنفاق العام المرتبطة بالأمن الغذائي.
ورغم أن الوزارة تطرح البرنامج بوصفه أداة لتخفيف آثار التضخم، فإن تقارير رقابية أشارت إلى ملاحظات تتعلق بآليات التعاقد، من بينها تحديد الأسعار بالدولار خلافاً لتوصيات رسمية، وعدم وضوح بعض المواصفات الفنية، فضلاً عن محدودية خطابات الضمان مقارنة بحجم العقود.
هذه الملاحظات لا ترقى بالضرورة إلى أحكام قضائية، لكنها تعكس بيئة تعاقدية مثار جدل، خصوصاً في ظل غياب الشفافية الكاملة في بعض تفاصيل التنفيذ.
شبهات الفساد والتداخلات السياسية
تتجاوز الانتقادات الجانب الفني لتصل إلى اتهامات أوسع تتعلق بهدر المال العام، حيث تتحدث تقديرات عن وجود فساد بمبالغ كبيرة ضمن عقود السلة الغذائية. كما تشير معلومات إلى أن بعض التسهيلات التي حصلت عليها الشركة جاءت عبر قنوات سياسية وإدارية خلال فترة حكومة مصطفى الكاظمي، بما في ذلك تدخلات من مكتب رئاسة الوزراء آنذاك.
ومع ذلك، تبقى هذه الاتهامات ضمن إطار التداول الإعلامي والسياسي، ولم تُحسم جميعها قضائياً بشكل نهائي، ما يفرض التعامل معها بحذر تحليلي.
البطاقة التموينية الإلكترونية
يتقاطع اسم الزيدي أيضاً مع مشروع البطاقة التموينية الإلكترونية، الذي يمثل محاولة لتحديث نظام توزيع المواد الغذائية عبر التحول الرقمي. وتشير المعلومات إلى أن شركة “الأويس” كانت طرفاً في التعاقدات المرتبطة بهذا المشروع، ما يعزز حضورها في ملف الأمن الغذائي.
ورغم أن المشروع يهدف إلى تقليل الهدر وتحسين الكفاءة، فإن انتقادات وُجهت إليه تتعلق بإدارة البيانات، وشمول المستفيدين، وآليات الحجب، خصوصاً مع الحديث عن استبعاد ملايين المواطنين بحجة ارتفاع الدخل، وهو ما يثير تساؤلات حول العدالة في التوزيع.
اختبار النزاهة السياسية
يضع ترشيح الزيدي هذه الملفات جميعها في دائرة الضوء، إذ لم يعد الحديث عن رجل أعمال أو مدير شركة، بل عن مرشح محتمل لقيادة السلطة التنفيذية. وهذا الانتقال يفرض معايير أعلى من الشفافية والمساءلة، خصوصاً في ما يتعلق بعلاقاته السابقة مع مؤسسات الدولة.
كما أن وجود هذه الملفات يضعه أمام اختبار مزدوج: داخلي يتعلق بقبول القوى السياسية، وشعبي يرتبط بمدى ثقة الرأي العام، الذي بات أكثر حساسية تجاه قضايا الفساد وسوء الإدارة.
