"صيادة المعلومات": خفايا سقوط الطائرة المسيرة في صحراء كربلاء.. تفاصيل تُنشر لأول مرة
انفوبلس/ تقرير
في خضم التصعيد العسكري غير المسبوق الذي تشهده المنطقة، وبينما كانت الأنظار تتجه إلى تبادل الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية و"إسرائيل"، شهدت صحراء كربلاء حادثة "غامضة" أثارت موجة واسعة من التساؤلات والتكهنات، بعدما تداولت منصات التواصل الاجتماعي صوراً ومقاطع فيديو تظهر حطاماً مشتعلاً في منطقة صحراوية قرب قضاء عين التمر.
وخلال الساعات الأولى من الحادث، انتشرت روايات متضاربة تحدث بعضها عن سقوط طائرة ركاب مدنية تقل عشرات المسافرين، فيما ذهبت روايات أخرى إلى الحديث عن سقوط صاروخ أو جسم مجهول الهوية. لكن التحقيقات الميدانية وتحليل الصور والمعلومات التي حصلت عليها شبكة "إنفوبلس" من مصادر أمنية وفنية، تكشف أن الجسم الذي سقط لم يكن طائرة مدنية كما أُشيع، بل طائرة أمريكية مسيّرة متطورة من طراز "إم كيو-9 ريبر"، إحدى أهم منصات الاستطلاع والهجوم في الترسانة الجوية الأمريكية.
بداية القصة.. شائعات طائرة الركاب
مع ساعات المساء الأولى، انتشرت على نطاق واسع أخبار تتحدث عن سقوط طائرة ركاب في صحراء كربلاء أثناء استعدادها للهبوط في مطار النجف الدولي، مع مزاعم تشير إلى مقتل أكثر من 150 شخصاً كانوا على متنها.
وسرعان ما أثارت هذه الأخبار حالة من القلق والارتباك، خصوصاً أنها جاءت في توقيت حساس تزامن مع إغلاق العراق لمجاله الجوي بسبب التطورات العسكرية الإقليمية.
لكن الجهات الرسمية العراقية تحركت سريعاً لنفي تلك الأنباء، حيث أكدت وزارة النقل وسلطة الطيران المدني العراقية والشركة العامة لخدمات الملاحة الجوية عدم تسجيل أي حادث يتعلق بالطيران المدني داخل الأجواء العراقية، مشددة على أن جميع الرحلات الجوية كانت آمنة وأن الأخبار المتداولة لا أساس لها من الصحة.
كما نفى محافظ كربلاء نصيف جاسم الخطابي سقوط أي طائرة ركاب، مؤكداً أن المؤشرات الأولية كانت ترجح سقوط طائرة مسيّرة أو جسم عسكري مجهول. وأكد قائمقام قضاء عين التمر مقداد وهب التميمي أن الجسم الساقط كان طائرة مسيّرة، مشيراً إلى أن الجهات الأمنية المختصة باشرت التحقيقات لمعرفة طبيعة الطائرة والجهة التي تتبع لها وأسباب سقوطها.
المشاهد الأولى للحطام
الصور ومقاطع الفيديو التي انتشرت من موقع الحادث أظهرت بقايا محترقة متناثرة على مساحة واسعة من الصحراء، مع استمرار تصاعد ألسنة اللهب والدخان لساعات.
وبحسب مصادر أمنية تحدثت لـ"إنفوبلس"، فإن فرقاً أمنية وعسكرية متخصصة فرضت طوقاً أمنياً واسعاً حول الموقع فور وصولها، فيما باشرت فرق فنية جمع بقايا الحطام وتحليل الأجزاء المتناثرة.
اللافت في تلك الصور أن بعض القطع المعدنية كانت تحمل أرقاماً تعريفية واضحة لم تتعرض للتلف الكامل، وهو ما وفر خيطاً مهماً للوصول إلى هوية الطائرة.
الأدلة الفنية تكشف الهوية
تحليل الصور من قبل شبكة "انفوبلس" أظهر وجود جزء من جناح الطائرة يحمل رقماً تعريفياً خاصاً بتجميعات أطراف الأجنحة المستخدمة حصراً في طائرات "إم كيو-9 ريبر" الأمريكية. كما أظهرت المقارنات الفنية التي أجراها مختصون أن تصميم الهيكل والمحركات وبقايا أنظمة التوجيه يتطابق بصورة كبيرة مع المواصفات المعروفة للطائرة الأمريكية الشهيرة.
ووفق المعلومات التي حصلت عليها "إنفوبلس"، فإن نتائج الفحص الأولي للحطام عززت فرضية أن الطائرة الساقطة هي بالفعل من طراز "إم كيو-9 ريبر"، وهي واحدة من أكثر الطائرات المسيّرة تطوراً في العالم. وتُنتج هذه الطائرة شركة "جنرال أتوميكس" الأمريكية.
ما هي طائرة "إم كيو-9 ريبر"؟
تعد "إم كيو-9 ريبر" العمود الفقري لعمليات الاستطلاع والاغتيال الدقيقة التي تنفذها الولايات المتحدة في مناطق النزاعات.
وتتميز هذه الطائرة بقدرتها على التحليق لأكثر من 27 ساعة متواصلة، والعمل على ارتفاعات تتجاوز 15 ألف متر، ومراقبة أهداف على مسافات بعيدة جداً، وحمل صواريخ "هيلفاير" الموجهة، حمل قنابل ذكية موجهة بالأقمار الصناعية، وتنفيذ عمليات استطلاع وضربات هجومية في الوقت نفسه.
وتبلغ قيمة الطائرة الواحدة قرابة 30 مليون دولار، ما يجعل خسارتها ضربة مالية وعسكرية مؤثرة.
كيف سقطت الطائرة؟
المعلومات الأمنية التي حصلت عليها "إنفوبلس" تشير إلى أن الطائرة لم تتعرض لعطل فني أو خلل تقني أدى إلى سقوطها. وبحسب مصدر أمني مطلع، فإن المؤشرات الأولية تفيد بأن المسيّرة تعرضت لإصابة مباشرة أثناء تحليقها في الأجواء العراقية.
ويؤكد المصدر أن مسار الأضرار الظاهر على أجزاء الحطام يشير إلى تعرض الطائرة لانفجار خارجي قبل ارتطامها بالأرض، وهو ما يتوافق مع سيناريو إصابتها بصاروخ أرض-جو.
وتشير المعلومات إلى أن عملية الإسقاط تزامنت زمنياً مع الهجوم الإيراني الواسع بالصواريخ والطائرات المسيّرة على أهداف إسرائيلية، الأمر الذي جعل الأجواء العراقية تشهد نشاطاً جوياً مكثفاً واستثنائياً.
الاستهداف المباشر
مصادر أمنية أكدت تعرض المسيّرة لنيران مقاومة داخل الأراضي العراقية أثناء تنفيذ مهمة استطلاعية مرتبطة بمتابعة التطورات العسكرية في المنطقة. وبحسب هذه المصادر، فإن التوقيت الذي سقطت فيه الطائرة يتزامن بدقة مع موجة من العمليات الجوية والاستطلاعية التي نفذتها أطراف متعددة لمراقبة مسارات الصواريخ والطائرات المسيّرة العابرة للأجواء الإقليمية.
وتشير المعلومات إلى أن الطائرة كانت تحلق فوق مناطق صحراوية غرب العراق قبل أن تفقد الاتصال بمراكز التحكم وتتحطم قرب منطقة منارة موجدة التاريخية.
صحراء العراق.. ساحة صراع خفية
حادثة كربلاء لا يمكن فصلها عن التحولات الكبيرة التي تشهدها الساحة العراقية خلال الأشهر الأخيرة، فالصحراء العراقية الممتدة من الأنبار إلى كربلاء تحولت تدريجياً إلى منطقة ذات أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة للقوى الإقليمية والدولية.
وخلال الفترة الماضية تكررت التقارير الغربية والإسرائيلية التي تحدثت عن نشاط استخباري وعسكري متزايد في هذه المناطق، سواء من خلال الطائرات المسيّرة أو عبر قواعد ومواقع مراقبة متقدمة. كما أشارت تقارير دولية إلى أن العراق أصبح جزءاً من مسرح العمليات غير المباشر المرتبط بالمواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
خسائر أمريكية متصاعدة
حادثة كربلاء تأتي أيضاً في وقت تواجه فيه القوات الأمريكية واحدة من أكبر موجات خسائرها في مجال الطائرات المسيّرة. فبحسب تقارير غربية، فقدت الولايات المتحدة خلال الأشهر الماضية ما لا يقل عن 24 طائرة من طراز "إم كيو-9 ريبر" في مناطق عمليات مختلفة.
وترتفع التقديرات إلى نحو 30 طائرة عند احتساب المسيّرات التي تعرضت لأضرار جسيمة وأخرجت من الخدمة بشكل نهائي. وتُعد هذه الأرقام غير مسبوقة مقارنة بالخسائر التي سجلتها واشنطن في السنوات الماضية، خصوصاً أن هذه الطائرات تمثل ركيزة أساسية في العقيدة العسكرية الأمريكية الحديثة.
لماذا كانت الطائرة فوق العراق؟
السؤال الأهم الذي يفرض نفسه بعد تحديد هوية المسيّرة هو: ما المهمة التي كانت تنفذها فوق الأجواء العراقية؟ مصادر متابعة للشأن العسكري ترى أن الطائرة كانت على الأرجح تقوم بمهمة استطلاع استراتيجية مرتبطة بمتابعة حركة الصواريخ والطائرات المسيّرة في المنطقة.
وتشير تقديرات أخرى إلى أنها ربما كانت جزءاً من شبكة مراقبة واسعة تعمل على جمع المعلومات الاستخبارية حول مسارات الضربات المتبادلة بين إيران و"إسرائيل". كما لا تستبعد بعض التحليلات أن تكون المسيّرة مكلفة بمتابعة تحركات جماعات مسلحة أو مراقبة مواقع حساسة داخل الأراضي العراقية.
منارة موجدة.. شاهد على الحادث
اختيار منطقة سقوط الطائرة لم يكن عادياً، فمنارة موجدة التاريخية الواقعة على بعد نحو 40 كيلومتراً غرب كربلاء تعد من أبرز المعالم الصحراوية في المنطقة.
وتتميز المنطقة المحيطة بها باتساعها وقلة الكثافة السكانية فيها، ما يجعلها مسرحاً مناسباً لحركة الطائرات العسكرية والمسيّرات بعيدة عن المناطق الحضرية. ولهذا السبب تمكنت القوات الأمنية من تطويق الموقع بسرعة ومنع وصول المدنيين إليه لحين استكمال التحقيقات.
ما الذي تكشفه الحادثة؟
تكشف حادثة سقوط المسيّرة الأمريكية في كربلاء مجموعة من الحقائق المهمة، أبرزها أن الأجواء العراقية أصبحت جزءاً مباشراً من الصراع الإقليمي المتصاعد، وأن الطائرات المسيّرة المتطورة لم تعد تتمتع بالحصانة المطلقة التي كانت تتمتع بها في السابق.
كما تعكس الحادثة حجم التعقيد الأمني الذي تشهده المنطقة، حيث تتداخل العمليات العسكرية والاستخبارية بصورة تجعل من الصعب أحياناً تحديد طبيعة الأهداف والجهات المتورطة في أي حادث بشكل فوري.
وفي الوقت الذي تستمر فيه التحقيقات الرسمية لتحديد الملابسات الكاملة للحادث، فإن المعطيات الفنية والأمنية التي حصلت عليها "إنفوبلس" تشير بوضوح إلى أن الجسم الذي سقط في صحراء كربلاء لم يكن طائرة مدنية كما رُوّج في البداية، بل طائرة أمريكية مسيّرة من طراز "إم كيو-9 ريبر"، سقطت في ظروف ترتبط على الأرجح بالتطورات العسكرية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، لتفتح بذلك فصلاً جديداً من الأسئلة حول طبيعة الحرب الخفية الدائرة فوق سماء العراق.


