من هم قتلة سبايكر؟.. "انفوبلس" تكشف الشبكة التي أدارت أكبر جريمة إبادة جماعية في العراق الحديث
انفوبلس/..
لم تكن مجزرة سبايكر التي وقعت في حزيران/يونيو 2014 جريمة نفذتها مجموعة صغيرة من المسلحين بصورة عشوائية أو نتيجة فوضى رافقت سقوط مدينة تكريت بيد تنظيم داعش الاجرامي، بل كانت عملية منظمة ومعقدة جرى التخطيط لها وإدارتها من قبل قيادات التنظيم في محافظة صلاح الدين، وشارك في تنفيذها عشرات العناصر الذين توزعوا على مهام النقل والاحتجاز والفرز والإعدام والتوثيق الإعلامي.
وتكشف الوثائق والتحقيقات الخاصة بالمجزرة أن عدد العناصر الذين شاركوا بصورة مباشرة في عمليات القتل داخل مجمع القصور الرئاسية في تكريت تراوح بين 100 و150 عنصراً، جرى توزيعهم ضمن تشكيلات ومفارز محددة، تولت كل منها جانباً من جوانب العملية التي انتهت بمقتل آلاف الضحايا من طلبة القوة الجوية ومنتسبي الأجهزة الأمنية.
شبكة القتلة
بحسب التحقيقات، تألفت القوة المنفذة للمجزرة من ثلاثة مكونات رئيسة. الأول ضم غالبية المقاتلين الذين دخلوا مدينة تكريت ضمن الأرتال العسكرية التابعة لتنظيم داعش أثناء الهجوم على المدينة.
أما المكون الثاني فكان من السجناء الذين أطلق التنظيم سراحهم من سجن التسفيرات ومراكز الاحتجاز الأخرى في تكريت بعد سيطرته عليها.
فيما ضم المكون الثالث عناصر الخلايا النائمة التابعة للتنظيم داخل المدينة والمناطق المحيطة بها والذين كان غالبيتهم من ابناء عشائر المدن التي سقطت، والذين ظهروا فور انهيار الوضع الأمني وانضموا إلى عمليات التنظيم الاجرامي.
هذه التركيبة منحت داعش عدداً كبيراً من العناصر القادرين على تنفيذ عملية واسعة النطاق تطلبت السيطرة على المحتجزين ونقلهم إلى مواقع القتل وتأمين محيط المجمع الرئاسي ومنع أي محاولة للهرب أو التدخل.
أبو نبيل.. العقل المدبر للمجزرة
في قمة الهرم القيادي برز اسم أبو نبيل، واسمه الحقيقي وسام عبد زيد، والذي كان يشغل منصب والي تنظيم داعش في محافظة صلاح الدين.
تشير المعلومات إلى أن أبو نبيل كان ضابطاً سابقاً خلال حقبة النظام السابق قبل انضمامه إلى التنظيم المتطرف. وبعد صعود داعش في صلاح الدين، تسلم منصب الوالي أواخر عام 2013 أو مطلع عام 2014، ليصبح المسؤول الأعلى عن العمليات العسكرية والأمنية للتنظيم في المحافظة.
خلال مجزرة سبايكر، لعب أبو نبيل الدور المركزي في إدارة العملية. فقد أشرف على نقل المحتجزين إلى مجمع القصور الرئاسية، ووزع العناصر إلى مجموعات متخصصة، وحدد أماكن انتشارهم، وأصدر التعليمات الخاصة بفرز الضحايا وتنفيذ عمليات الإعدام الجماعي.
وتؤكد التحقيقات أنه لم يكتف بإدارة العملية من الخلف، بل شارك شخصياً في تنفيذ عمليات القتل داخل إحدى مناطق الإعدام، ما يجعله أحد أبرز المسؤولين المباشرين عن المجزرة.
وبعد أشهر من الجريمة، نقله التنظيم إلى ليبيا ليتولى منصباً قيادياً هناك، قبل أن يلقى حتفه في غارة جوية عام 2015 وفقاً للمعلومات المتوافرة.
أبو عبد الهادي.. الغطاء الشرعي للقتل
إلى جانب أبو نبيل، برز دور أبو عبد الهادي، واسمه الحقيقي سالم بكر مصطفى، والذي شغل منصب القاضي الشرعي لتنظيم داعش في صلاح الدين.
كان أبو عبد الهادي أحد أهم الشخصيات العقائدية داخل التنظيم، حيث تولى إصدار الفتاوى والقرارات الشرعية التي استخدمت لتبرير عمليات القتل الجماعي بحق الضحايا.
وخلال أحداث سبايكر، شارك بصورة مباشرة في الإشراف على العملية، كما ظهر في تسجيلات التنظيم وهو حاضر في مواقع الإعدام. وتؤكد التحقيقات أنه أطلق النار بنفسه على عدد من المحتجزين داخل إحدى مناطق القتل.
قادة الميدان
لم تعتمد العملية على القيادات العليا فقط، بل شارك فيها عدد من أمراء المناطق والمفارز الأمنية الذين لعبوا أدواراً مباشرة في تنفيذ المجزرة.
ومن أبرز هؤلاء المشتبه به المعروف بالأحرف (ع.خ.1)، والذي كان أمير منطقة الجلام وقائداً للمجموعة التي دخلت تكريت من الجهة الشرقية. وتشير المعلومات إلى أنه شارك شخصياً في إطلاق النار على المحتجزين داخل إحدى مناطق الإعدام.
وبعد المجزرة، تمت مكافأته من قبل التنظيم بتوسيع صلاحياته وتكليفه بإدارة مناطق الدور والعلم والبو عجيل، قبل أن يختفي أثره لاحقاً ويصبح مصيره مجهولاً.
كما برز اسم المشتبه به (ن.م)، وهو سجين سابق في معتقل بوكا، كان يشغل منصب نائب مفرزة الأمن الخاصة التابعة للتنظيم في صلاح الدين. وقد ظهر في تسجيلات المجزرة وهو يشارك في نقل المحتجزين وتجميعهم وإطلاق النار عليهم.
وتشير التحقيقات كذلك إلى تورطه في عمليات اعتقال وقتل عناصر الشرطة العراقية أثناء سقوط مدينة تكريت، ما يجعله أحد أبرز العناصر الأمنية التي شاركت في جرائم التنظيم داخل المحافظة.
فهد أبو جعفر.. من الجلام إلى ساحات الإعدام
من بين الأسماء التي وردت في التحقيقات أيضاً فهد أبو جعفر، المعروف باسم فهد العكرة، والذي كان مسؤولاً عن إحدى المفارز التابعة للتنظيم في منطقة الجلام.
شارك أبو جعفر في عمليات جمع المحتجزين واقتيادهم إلى مواقع الإعدام، كما ظهر في تسجيلات التنظيم خلال تنفيذ المجزرة.
وتشير المعلومات إلى أنه شارك بصورة مباشرة في إطلاق النار على الضحايا، قبل أن يقتل لاحقاً خلال المعارك التي دارت قرب مدينة تكريت بعد بدء العمليات العسكرية لاستعادة المحافظة.
حمزة.. المنفذ الميداني
برز كذلك عنصر يدعى حمزة، وهو من أبناء سامراء وكان يعمل ضمن التشكيلات العسكرية التابعة للتنظيم.
وتظهره تسجيلات داعش مرتدياً ملابس عسكرية وهو يشارك في عمليات الإعدام الجماعي داخل مجمع القصور الرئاسية.
وتشير بعض المعلومات إلى احتمال وجود صلات مباشرة بينه وبين القيادة العليا للتنظيم، بما في ذلك أبو بكر البغدادي، قبل أن يقتل لاحقاً في منطقة الضلوعية أواخر عام 2014.
الهارب من أبو غريب
ومن بين المشاركين أيضاً عنصر يعرف بالأحرف (أ.ر)، وهو سجين سابق تمكن من الفرار من سجن أبو غريب قبل انضمامه إلى داعش.
شارك هذا العنصر في تنظيم حركة المحتجزين داخل إحدى مناطق القتل، حيث كان مسؤولاً عن توجيه الطوابير نحو مواقع الإعدام.
ورغم ظهوره في تسجيلات التنظيم وتحديد هويته من قبل المحققين، فإن مكان وجوده الحالي لا يزال غير معروف.
أبو ماريا.. موثق الجريمة
إذا كان القتلة قد نفذوا المجزرة بالسلاح، فإن أبو ماريا لعب دوراً مختلفاً لا يقل خطورة.
واسمه الحقيقي عباس مزهر عباس محسن الرافعي، وينحدر من مدينة بلد. شغل منصب المسؤول الإعلامي لتنظيم داعش في منطقة الجلام قبل أن يصبح لاحقاً الأمير الإعلامي للتنظيم في محافظة صلاح الدين.
خلال المجزرة، لم يكن أبو ماريا مجرد مصور أو مراقب، بل كان جزءاً من العملية نفسها. فقد تنقل بين مناطق القتل المختلفة، وأشرف على توثيق الأحداث بالصوت والصورة، فيما تم التعرف إلى صوته في التسجيلات التي نشرها التنظيم لاحقاً.
وكان برفقته مصورون آخرون، من بينهم عنصر يعرف باسم أبو بصير، حيث تولوا إنتاج المواد الدعائية التي استخدمت لإظهار قوة التنظيم وبث الرعب في المجتمع العراقي.
وتشير وسائل إعلام داعش نفسها إلى أن أبو ماريا كان القائد الإعلامي لهجوم سبايكر، قبل أن يقتل لاحقاً في غارة جوية.
جريمة منظمة لا حادثة عابرة
تكشف الأسماء والأدوار الواردة في التحقيقات أن مجزرة سبايكر لم تكن نتيجة قرارات فردية أو تصرفات ارتجالية، بل عملية إبادة جماعية منظمة شاركت فيها قيادات سياسية وعسكرية وشرعية وإعلامية داخل تنظيم داعش الاجرامي.
فقد تولى بعضهم التخطيط، بينما أشرف آخرون على التنفيذ، وتكفل فريق ثالث بالتوثيق الإعلامي والدعاية، في حين نفذت عشرات العناصر عمليات القتل الميداني بصورة مباشرة.
ولهذا السبب تعد مجزرة سبايكر واحدة من أكثر الجرائم توثيقاً في تاريخ التنظيم الاجرامي، وأحد أبرز الأدلة على الطبيعة المنهجية للجرائم التي ارتكبها داعش في العراق، والتي استهدفت المدنيين والعسكريين على أساس الهوية والانتماء، وأسفرت عن واحدة من أبشع المآسي الإنسانية التي عاشها العراق في تأريخه المعاصر.