المنتخب الأولمبي في مأزق قبل كأس آسيا.. صدام مع الأندية واستقالة عماد محمد تعمّق الأزمة
انفوبلس/ تقرير
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار القارة الآسيوية إلى الملاعب السعودية لمتابعة النسخة السابعة من بطولة كأس آسيا تحت 23 عامًا، يدخل المنتخب الأولمبي العراقي البطولة وهو مثقل بأزمات إدارية وفنية غير مسبوقة، جعلت مشاركته أقرب إلى "اختبار صمود" منها إلى حملة تنافسية تقليدية. أزمات بدأت برفض الأندية تفريغ لاعبيها، مرورًا بسفر بعثة منقوصة العدد، وانتهاءً بإعلان مدرب المنتخب عماد محمد استقالته قبل انطلاق المنافسات، في مشهد يعكس عمق الخلل البنيوي في إدارة ملف المنتخبات الوطنية.
رحلة الـ 19 لاعباً
وصل وفد المنتخب الأولمبي العراقي إلى العاصمة السعودية الرياض بواقع 19 لاعبًا فقط من أصل 23 لاعبًا تم استدعاؤهم في القائمة الرسمية، وهو نقص عددي خطير في بطولة قصيرة ومضغوطة لا تحتمل المجازفة. غياب أربعة لاعبين أساسيين لم يكن بسبب الإصابة أو الخيارات الفنية، بل نتيجة رفض أنديتهم – المحلية والخارجية – تفريغهم، بحجة أن البطولة تُقام خارج أيام التوقف الدولي المعتمدة من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).
هذا الواقع فرض نفسه بقوة على الجهاز الفني، الذي وجد نفسه مضطرًا للتعامل مع سيناريو استثنائي، خصوصًا أن الوفد سافر بحارسَي مرمى فقط، ما يضع المنتخب أمام مخاطرة حقيقية في حال تعرض أحدهما لإصابة أو إيقاف، في بطولة تتطلب جاهزية كاملة على مستوى جميع المراكز.
عضو الاتحاد العراقي لكرة القدم فراس بحر العلوم أكد أن الجهاز الفني اضطر إلى البحث في "القائمة الخمسينية" التي أُرسلت سابقًا إلى الاتحاد الآسيوي، في محاولة لسد النقص الطارئ، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن ضيق الوقت وتعقيدات الإجراءات جعلت المهمة بالغة الصعوبة.
أندية في مواجهة المنتخب.. صراع المصالح يتجدد
لم تكن أزمة التفريغ جديدة على الكرة العراقية، لكنها هذه المرة بلغت ذروتها. فاستمرار منافسات دوري نجوم العراق، وضغط المباريات، وتمسك الأندية بنقاطها ومراكزها، جعل مصلحة المنتخب الأولمبي في المرتبة الثانية لدى بعض الإدارات، رغم أن المنتخب يمثل واجهة العراق الكروية في واحدة من أهم البطولات القارية للفئات العمرية.
رئيس الاتحاد العراقي لكرة القدم عدنان درجال حاول احتواء الأزمة عبر اجتماعات مباشرة مع إدارات الأندية، وكان أبرزها اجتماعه مع إدارة نادي الزوراء عقب إحدى مباريات الدوري. ورغم الجهود المبذولة، لم تسفر المفاوضات إلا عن موافقة جزئية، إذ وافق النادي على تفريغ أربعة لاعبين فقط، مع الإبقاء على لاعبين آخرين، ما عكس حجم التعقيد في العلاقة بين الاتحاد والأندية.
وخلال الأيام التي سبقت السفر، لم يتمكن المنتخب من خوض تدريبات مكتملة، إذ اقتصرت بعض الوحدات التدريبية على 9 لاعبين فقط، في مشهد غير مسبوق على مستوى الإعداد لبطولة قارية، وأثّر بشكل مباشر على التحضير البدني والتكتيكي للفريق.
بيان شكر.. ورسائل مبطنة
في خضم هذه الأزمة، أصدر الاتحاد العراقي لكرة القدم بيانًا رسميًا شكر فيه الأندية التي وافقت على تفريغ لاعبيها، معتبرًا أن موقفها "يجسد روح المسؤولية الوطنية"، ومؤكدًا أن مصلحة الكرة العراقية يجب أن تعلو فوق أي اعتبار.
لكن البيان حمل في طياته رسائل مبطنة، حين أشار الاتحاد إلى أن المشاركة في البطولة تُعد "محطة إعداد وتقييم" أكثر من كونها مشاركة مشروطة بتحقيق اللقب، في محاولة واضحة لخفض سقف التوقعات، وتهيئة الرأي العام لاحتمال تعثر النتائج، في ظل الظروف الاستثنائية التي تحيط بالمنتخب.
استقالة عماد محمد.. قشّة قصمت ظهر الإعداد
وسط هذا المشهد المضطرب، أعلن مدرب المنتخب الأولمبي عماد محمد تقديم استقالته من منصبه، مؤكدًا أن رحيله سيكون مباشرة بعد نهاية مشاركة المنتخب في البطولة. الاستقالة جاءت كصدمة إضافية، وألقت بظلال ثقيلة على أجواء الفريق، خصوصًا أنها صدرت قبل صافرة البداية.
عماد محمد برر قراره بما وصفه بـ"التدخلات في عمله"، إضافة إلى الصعوبات الكبيرة التي واجهها في إعداد المنتخب، وفي مقدمتها عدم التحاق عدد من اللاعبين الأساسيين، سواء من المحترفين في الخارج أو من لاعبي الدوري المحلي.
وقال المدرب في بيان مقتضب: "لأن العراق أكبر من الجميع، قبلت المهمة في وقت سابق حتى لا أُتهم بالتخلي أو الخيانة، لكن التدخلات الأخيرة وعدم توفير الحد الأدنى من متطلبات النجاح جعلت استقالتي جاهزة بعد البطولة".
تصريحات المدرب عكست حالة إحباط واضحة، وفتحت الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذه التدخلات، وحدود صلاحيات الجهاز الفني، ودور الاتحاد في حماية المدرب وتوفير البيئة المناسبة لعمله.
قائمة ناقصة وتعديلات طارئة
تخلّف تسعة لاعبين عن الالتحاق بالمنتخب مقارنة بالقائمة الرسمية التي أُرسلت مسبقًا، ما وضع الجهاز الفني في موقف بالغ الحرج. ومع ضيق الوقت، اضطر عماد محمد إلى البحث لساعات طويلة عن لاعبين متاحين يمكن إضافتهم للقائمة، بانتظار موافقة الاتحاد الآسيوي على إدراج خمسة لاعبين جدد، في إجراء استثنائي تأمل إدارة المنتخب أن يحظى بتفهم قاري، نظرًا للظروف القاهرة التي مرَّ بها الفريق.
الاتحاد العراقي والمدرب يعوّلان على أن البطولة غير مرتبطة بشكل مباشر بالتأهل إلى أولمبياد لوس أنجلوس، ما قد يسهل مهمة تمرير هذه التعديلات، لكن ذلك لا يقلل من حجم الارتباك الذي ضرب التحضيرات في توقيت حساس.
يلعب العراق في المجموعة الرابعة إلى جانب منتخبات أستراليا والصين وتايلاند - يستهل مشواره في الثامن من كانون الثاني/ يناير - وهي مجموعة لا تخلو من الصعوبة، خصوصًا في ظل الجاهزية غير المكتملة للمنتخب العراقي. ورغم ذلك، يؤكد اللاعبون عزمهم على تقديم أفضل ما لديهم، ومحاولة تعويض النقص بالروح القتالية والانضباط داخل الملعب.
تشهد النسخة السابعة من بطولة كأس آسيا تحت 23 عامًا، التي تقام في المملكة العربية السعودية ما بين 6 و24 يناير/ كنون الثاني الحالي، مشاركة كل الأبطال السابقين للبطولة، في نسخة تُعد بأن تكون استثنائية بكل المقاييس.
وتقام المباريات الـ32 على أربعة ملاعب في مدينتي الرياض وجدة، من بينها ملعبان سيتم استخدامهما في بطولة كأس آسيا للرجال 2027، وهما: ملعب الأمير عبد الله الفيصل في مدينة جدة الذي يتسع لـ27 ألف متفرج، وملعب الشباب في مدينة الرياض الذي يتسع لـ13 ألف متفرج، إلى جانب ملعب الأمير فيصل بن فهد في الرياض الذي يتسع لـ22 ألف متفرج، وملعب مدينة الملك عبد الله الرياضية في جدة.
وسجلت 3 منتخبات عربية ظهوراً دائماً في بطولة كأس آسيا فلم تغب عن أي نسخة من النسخ الست الماضية، وهي: العراق والسعودية والأردن، بينما شارك منتخبا قطر والإمارات في خمس مناسبات.
تاريخيًا، يُعد المنتخب الأولمبي العراقي من أنجح المنتخبات العربية في البطولة، إذ تُوّج بلقب النسخة الأولى عام 2013، وحقق المركز الثالث في نسختي 2016 و2024، كما يتصدر قائمة المشاركات العربية من حيث عدد المباريات والانتصارات والأهداف (من خلال 29 مباراة (رقم قياسي) وكذلك من خلال الفوز في 17 مباراة وتسجيل 49 هدفاً في ست مشاركات).
والمفارقة أن المنتخب الذي يدخل البطولة وهو يعاني من أزمات إدارية خانقة، يُصنف في الترشيحات المسبقة ضمن المنتخبات المنافسة على اللقب، إلى جانب السعودية وأستراليا وكوريا الجنوبية. هذا التناقض بين الإرث والواقع، يعكس حجم الفجوة بين الإمكانات البشرية التي تزخر بها الكرة العراقية، وبين أسلوب إدارتها على مستوى التخطيط والتنظيم.
وما يمر به المنتخب الأولمبي اليوم – بحسب رياضيين - لا يمكن اختزاله في بطولة عابرة، بل هو امتداد لأزمة أعمق تتعلق بعلاقة الاتحاد بالأندية، وتضارب المصالح، وغياب الرؤية الموحدة لإدارة المنتخبات الوطنية. فطالما بقيت المشاركات القارية والدولية خاضعة لاجتهادات اللحظة، دون تنسيق مبكر وجدولة واضحة، ستبقى المنتخبات العراقية تدفع ثمن الصراعات الإدارية.
وفي النهاية، يدخل أولمبي العراق كأس آسيا تحت 23 عامًا وهو محاصر بالأسئلة أكثر من الإجابات. استقالة مدرب، إعداد ناقص، قائمة غير مكتملة، وضغوط نفسية كبيرة، كلها عوامل تجعل المهمة شاقة. ومع ذلك، يبقى الأمل معقودًا على روح اللاعبين، وقدرتهم على تحويل الأزمات إلى دافع، كما فعلت أجيال سابقة في محطات صعبة.
لكن ما بعد البطولة يجب ألا يكون كما قبلها. فهذه المشاركة، مهما كانت نتائجها، ينبغي أن تُفتح بعدها ملفات جادة للمحاسبة والتقييم، حتى لا تتحول الأزمات إلى "وضع طبيعي" يرافق الكرة العراقية في كل استحقاق قاري.

