التسول في العراق نظام سرّي.. متسولون يرفضون رواتب الرعاية لـ"قلة قيمتها".. والداخلية تتحدث عن أُسر ميسورة تدفع بأبنائها للتسول
انفوبلس..
تعاني العاصمة بغداد، في العقد الأخير خصوصاً، من ظاهرة التسوّل التي بدأت تتفاقم بشكل كبير رغم الجهود الأمنية الكبيرة لمكافحتها والجهود الحكومية لتقليل نسبة الفقر في العراق، لكن اتضح مؤخراً أن تلك الظاهرة لا علاقة لها بالفقر في أغلب الأحيان حيث تحولت إلى مهنة لدى بعض الأفراد، وإلى شبكات منظمة بإدارة أشخاص محددين أو مؤسسات تعمل في مجال الاتجار بالبشر.
يرفضون رواتب الرعاية
مدير مكافحة الاتجار بالبشر العميد مصطفى رضا الياسري كشف في تصريحات متلفزة، الخميس الماضي، أن القوات الأمنية وفي حملة واحدة فقط ألقت القبض على 579 متسولاً في العاصمة، أكثر من 100 منهم كانوا من جنسيات عربية وأجنبية، 139 منهم في الرصافة والبقية في الكرخ، وكان بينهم 39 طفلاً.
وأضاف الياسري، أن وزير الداخلية وبتوجيه من رئيس مجلس الوزراء وجه بأخذ معلومات المتسولين وإرسالها إلى وزارة العمل لتقوم بدورها بعمل تقاطع للمعلومات وكشف المستحقين منهم لتصرف لهم رواتب رعاية اجتماعية وإطلاق سراحهم بعد توقيعهم على تعهد يقضي بعدم التسوّل مجدداً.
ولفت إلى أن الكثير من المتسولين رفضوا توقيع التعهد بتوفير رواتب لهم مقابل ترك التسوّل فبعضهم يحصل على 100 ألف يومياً.
عوائل ميسورة أبناؤها متسولون
وفي السياق، قدَّم الناطق باسم وزارة الداخلية، وصفاً شاملاً لظاهرة التسوّل في العراق، مؤكدا تراجعها قليلا بعد شمول فئات أكثر برواتب الرعاية الاجتماعية، لكنه تحدث عن وجود أطفال من عوائل ميسورة وأبناء عساكر وموظفين آخرين، كما اعترف بمسؤولية قوات الأمن عن تسرّب أجانب الى داخل العراق لممارسة الاستجداء.
وقال اللواء خالد المحنا الناطق باسم الداخلية، الجمعة الماضية، إن "بعض المتسولين يُلقى القبض عليهم عشرات المرات، لأنه بعد خروج أحدهم من السجن أو الاحتجاز يعود إلى الشارع، والدولة لا توفر له البديل. ولا يصل المتسوّل الى هذه الحالة بشكل مفاجئ، بل المحيط الذي عاش فيه قد أوصله إلى ما هو عليه، وبالتالي ما إن يخرج من السجن يعود إلى هذه البيئة أو الحاضنة، ولن يجد سوى ما كان قد اعتاد على فعله".
وأضاف: "المتشردون قنابل موقوتة في الشارع، وهم مشاريع إرهاب وجريمة خصبة، لذلك نعمل على إيجاد بنى تحتية لإيوائهم بالتعاون مع الجهات المعنية بهذا الأمر كون ذلك لا يتعلق مباشرة بوزارة الداخلية، والواقع هو أن المتسولين والمتشردين ليسوا مسؤولية الداخلية بشكل كامل بل نحن حلقة في سلسلة مواجهة هذه الظاهرة، أما باقي الأمور فهي تقع على عاتق دُور الإيواء الحكومية وللأسف هذه الدور والبنى غير مهيئة تماماً لاحتضان هذه الفئات".
وتابع، "هناك بعض البنى التحتية في العراق تؤويهم لكنها تعود إلى السبعينيات، بالتالي لن نستطيع القضاء على هذه الظاهرة ما لم نستطع أن نوفر بيئة مختلفة عن بيئة المتسول والمشرد القائمة، ومسألة تسول الأجانب ودخولهم بشكل غير قانوني إلى العراق وممارسة هذا الفعل، هي مسؤولة الداخلية بشكل مباشر".
وأردف: "وأود أن أوضح نقطة مهمة جداً وهي أن توسع دائرة الشمول بشبكة الرعاية الاجتماعية ساعدت في خفض نسبة المتسولين والمشردين في العراق بشكل عام. وعصابات الاتجار بالبشر التي تكون واجهتها التسول هي مختلفة عن ظاهرة التسول وهذه العصابات يقع على عاتقنا الوصول إليها واستئصال جذورها من المجتمع، وقد ألقينا القبض على 6 مجموعات في بغداد".
وأشار الى أن "هناك عوائل ميسورة تدفع أولادها للتسول، من باب الطمع والخلل البنيوي للأسرة اجتماعياً. وهذا ما قلنا عنه أنه انحطاط الأخلاق، وقد ألقينا القبض على بعضهم وتبين أن أباءهم موظفون أو عسكريون، وهنا القانون يحاسب أرباب هذه الأُسر بالمواد القانونية الخاصة بالاستغلال".
وأكد أنه "قد تصل العقوبة إلى حد سلب الوصاية الأبوية، لكن أعود وأكرر أن هذا الأمر يحتاج إلى تهيئة الدور الحكومية، وهذه الدور لا تهيئ البيئة الاجتماعية الصحيحة لاحتواء هؤلاء الأطفال أو المشردين". لافتا "فنحن نحتاج إلى قوانين وتشريعات تتناسب وتطبيق هذه الإجراءات، خاصة وأنه ليست هناك أرقام محددة لأعداد المتسولين لأن هذه الفئات غير ثابتة اجتماعياً ولا يمكن حصرها بقائمة معينة".
وصف تفصيلي لشبكات التسوّل
في منتصف العام الماضي، كشفت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية، عن وجود أكثر من 4 ملايين عراقي عاطل من العمل، مؤكدة أنها شكّلت فريقاً حكومياً لمعالجة ظاهرة التسوّل، عبر إيجاد الحلول الناجعة للحدّ منها، وذلك بعد أيام قليلة من تنفيذ الشرطة سلسلة من عمليات الاعتقال طالت عشرات المتسولين في بغداد ومحافظات عديدة يستخدم بعضهم الأطفال الرضّع وادعاء الإعاقة لكسب تعاطف الناس.
وقالت وكيلة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية، عبير الجلبي، إن "الوزارة سجلت أكثر من مليوني عاطل من العمل في قاعدة بياناتها، وهناك أعداد مماثلة للعاطلين غير مُسجّلين لديها، إلا أن ظاهرة تسول الشباب لا تنضوي أسبابها ضمن قلة فرص العمل، بل تعود إلى عوامل اجتماعية متمثلة بالتفكك الأسري وانتشار المخدرات، لاسيما في المناطق والمحافظات الفقيرة التي يلجأ أكثر أبنائها إلى العاصمة هرباً من واقعهم الصعب".
وأضافت الجلبي، إن "الوزارة تعمل ضمن فريق يضمّ وزارات الداخلية والأمن الوطني والتربية لغرض وضع خطة لمكافحة ظاهرة التسول في البلاد ووضع الحلول الناجعة لمكافحة التسول والحد منه".
وأشارت الجلبي إلى "تنسيق الجهود الوطنية وتحديد متطلبات التعامل مع هذه الظاهرة، وتنظيم أدوار ومسؤوليات الجهات ذات العلاقة، وفق رؤية وطنية وسياسية شاملة، تشترك فيها كل الجهات والقطاعات الحكومية".
وبيّنت، إن "رصد حالات التسول والتشرد للأحداث (القُصّر الذين تقلّ أعمارهم عن السن القانونية) يقع على عاتق وزارة الداخلية، التي بدورها تنسق مع وزارة العمل لغرض إيداعهم في دور المشردين التابعة للوزارة، ممن تتراوح أعمارهم بين 12 إلى 17 عاماً، لغرض إعادة تأهيلهم وتدريبهم للحصول على عمل في حال تم الإفراج عنهم".
وفي وقت سابق من العام الماضي، أكد المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية، خالد المحنا، أن "الوزارة مستمرة بحملاتها الأمنية للقضاء على ظاهرة التسول، لاسيما وأن البعض من المتسولين يمارسون وسائل غير مشروعة تصل إلى حد ابتزاز المواطنين"، موضحا أن "مفارز الشرطة مستمرة في حملاتها لمكافحة الظاهرة".
وأضاف، أن "موضوع التسول يرتبط بعوامل كثيرة، حيث إن بعض المتسولين يعيشون تحت خط الفقر، فيضطرون للخروج للشارع للتسول من أجل سد حاجاتهم الضرورية، لهذا يجب على وزارة العمل والشؤون الاجتماعية شمول أكبر عدد من الفئات الفقيرة التي تعيش تحت خط الفقر، لكي يتسنى لوزارة الداخلية والأجهزة التنفيذية القيام بواجباتها تجاه ضبط المتسولين والمشردين"، مشدداً على "أهمية توفير البنى التحتية الخاصة لإيواء الأطفال المشردين وغيرهم".
المرشد الاجتماعي في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية، علي الساعدي قال إنهم بحاجة إلى "مساعدة من البرلمان، تتضمن سنّ قانون لمعالجة ظاهرة التسول، ومن أبرز ما يجب أن يتضمن القانون هو بناء دُور إيواء في كل المدن العراقية، لإيداع المشردين وممن ليس لهم مأوى بمن فيهم المتسولون، وتخصيص نفقات مالية لرعايتهم وإعادة تأهيلهم".
واعتبر أن اعتقال المتسول ليومين أو ثلاثة ثم إطلاق سراحه غير مُجدٍ، إذ إن سبب المشكلة الذي أخرجه للشارع ما زال مستمرا، محذرا في الوقت ذاته من وجود عصابات تسول نشطة، جزء منها يتاجر بالبشر وينشط بعالم الجريمة خاصة في بغداد، وهم مَن يجب على الشرطة ضربهم وتفكيك شبكاتهم".
ووفقا لمدير عام الشرطة المجتمعية بوزارة الداخلية العراقية ببغداد، العميد غالب العطية، فإن "المديرية سجلت حالات لعصابات تقوم بتأجير الأطفال في عمليات التسول، وهذه تُعد جريمة منظمة"، مبينا أن "هذه العصابات تعاقب وفق القانون، بتهمة الاتجار بالبشر".
وأضاف، أن "القانون ساعد القوات الأمنية في مواجهة هذه الحالة، وأن السجون اليوم امتلأت بتلك العصابات"، مؤكدا أن "العمل على هذا الملف مستمر من قبل الشرطة المجتمعية وبعض المؤسسات الأمنية".
وأشار إلى أن "مداخل ومخارج العاصمة بغداد، هي من أكثر الأماكن التي سجلت تواجد هذه العصابات، فضلا عن مناطق المزارات الدينية في محافظتي النجف وكربلاء، إذ إن هناك بعض العرب والأجانب يقدمون بقصد الزيارة، ويقومون باستغلال أطفالهم بعمليات التسول".
وعن الإجراءات الخاصة بالتعامل مع الأطفال المتسولين ومن يقف وراءهم، أوضح مدير قسم مكافحة التسول والتشرد هيثم عادل، أنه "عند القبض على تجار الاطفال، يُعرض الطفل أمام القاضي ويتم البتّ في موضوع نقله الى دُور الإيواء، بالإضافة الى محاسبة مَن يتاجر به وفق الضوابط والتعليمات والقوانين والمواد المنصوص عليها بقانون الاتجار بالبشر أو قانون العقوبات".
وأشار، إلى أن "قسم مكافحة التسول جهة استشارية، تقوم بوضع آلية عمل وتسليمها إلى اللجان المسؤولة في المحافظات للعمل بها"، لافتا الى أن "رئيس الوزراء كلف مجلس استشارية الأمن القومي بالتعاون مع وزارات مختلفة لإعداد السياسة الوطنية لمكافحة التسول".
بدوره أوضح مدير سجن الأحداث ولي الخفاجي، أن "تأجير الأطفال واستخدامهم للتسول أصبح ظاهرة منتشرة في الآونة الأخيرة خاصة في المناطق التي تعاني من الفقر وعدم وجود الخدمات، فضلا عن مشكلة التفكك الأُسري المنتشر، وتتضمن شكلين، الأول يقوم الأفراد فيه بالتسول نتيجة الفقر وتقوم العصابة باستغلالهم وصرف مبالغ لهم مقابل الإيواء وتوفير الحماية لهم، أما الشكل الثاني فتقوم من خلاله العائلة الفقيرة بتأجير أطفالها خاصة ممن يعانون أمراضا أو ذوي إعاقة".
وبشأن النصوص القانونية التي تتعامل مع هذه الظاهرة، لفت الخبير القانوني علي التميمي الى أن "المواد 390، 391، 392 من قانون العقوبات العراقي تنص على الحبس البسيط والغرامات على التسول أو الإيداع في دور الدولة في حالة تكرار ضبط المتسول لكن عند التمعن في نصوص المواد أعلاه نجدها تجيز التسول لمن لا عمل له".
وأضاف، أن "قانون الاتجار بالبشر 28 لسنة 2018 ينص على عقوبة الحبس والغرامات من 5 إلى 10 ملايين دينار على الاتجار بالبشر"، مشيرا الى أن "تجنيد الصغار والاستجداء بهم يعتبر اتجارا بالبشر خاصة وقتلاً لمستقبلهم".
ونوه، الى أن "قانون رعاية الأحداث العراقي 76 صدر عام 1983 يحتاج إلى تعديل بهذا الجانب لمعالجة مشكلة استغلال الطفولة في العراق".
أما الخبير بالشأن العراقي أحمد الشيخلي، فقال إن ظاهرة التسول باتت مصدر إزعاج كبير للأُسر العراقية في الحدائق العامة وتقاطعات الطرق وحتى الأسواق والمجمعات التجارية، وقسم منهم يحرجون المواطنين خاصة العائلات والنساء ويلتصقون بالسيارات والأشخاص، وفي بعض الأحيان حين يعطونهم وحدات نقدية من فئات بسيطة يرمونها على صاحبها ويسمعونه شتائم.
وأضاف، إن المشكلة باتت تستدعي تدخلاً أمنياً، إذ إن عدد المتسولين المرتبطين بشبكات أو جماعات توزعهم على مناطق بغداد كبير، وهو يؤكد بالضرورة أن عملهم منظّم ولصالح جهات خارجة عن القانون". معتبرا أن "المتسولين حرموا شريحة أخرى وكبيرة من المواطنين المحتاجين من تقديم المساعدة لهم كنوع من التكافل في مثل هذه الظروف".