تصعيد خطير في الخليج والشرق الأوسط: قصف حقل غاز جنوب بارس الإيراني وتأزم التحالفات الدولية
وفي ضوء هذه التطورات، تبرز مؤشرات على تحوّل في الموقف الأمريكي تجاه أمن حلفائه في الخليج، حيث فُهمت تصريحات الرئيس الأمريكي الأخيرة، خلال مؤتمر صحفي في البيت الأبيض قبل يومين
رسول حمزاتوف
في تطور بالغ الخطورة يعكس تحوّلاً نوعياً في مسار التصعيد الإقليمي، أفادت تقارير متطابقة، اليوم الأربعاء 18 آذار 2026، عند الساعة الثالثة والنصف عصراً بتوقيت بغداد، بأن الطيران الحربي الإسرائيلي نفّذ، بتنسيق كامل ومباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية، ضربة جوية استهدفت حقل غاز “جنوب بارس” الإيراني، وهو أحد أعمدة البنية التحتية للطاقة في إيران وأحد أكبر حقول الغاز في العالم، إذ يمتد جغرافياً ليشترك مع حقل الشمال القطري، ما يمنحه حساسية استراتيجية مضاعفة تتجاوز البعد الإيراني إلى الإطار الإقليمي برمته. وقد أكدت تصريحات صادرة قبل دقائق عن متحدث رسمي باسم وزارة الخارجية القطرية أن هذا الاستهداف لا يمس إيران وحدها، بل يمثل تهديداً مباشراً لأمن واستقرار المنطقة بأكملها، نظراً للطبيعة المشتركة للحقل وتأثيراته العابرة للحدود.
وتكمن الأهمية الحيوية لحقل جنوب بارس في كونه يلبّي ما بين 70 إلى 75 بالمئة من احتياجات إيران اليومية من الغاز، مع اعتماد داخلي شبه كامل على إنتاجه، حيث يوجَّه معظمه للاستهلاك المحلي، لاسيما في تغذية محطات توليد الطاقة الكهربائية التي تستحوذ على نحو 80 بالمئة من الإمدادات المرتبطة بالحقل، فضلاً عن دوره المحوري في دعم قطاع التكرير وإنتاج الوقود اللازم لوسائل النقل. وعليه، فإن أي تعطيل واسع النطاق لهذا المرفق الاستراتيجي يفضي إلى تداعيات كارثية، من بينها انقطاعات كهربائية قد تصل إلى مستويات غير مسبوقة تقارب 80 بالمئة من الشبكة، وما يرافق ذلك من شلل اقتصادي، واضطرابات حادة في منظومات النقل والإمداد، وتآكل في الموارد المالية المرتبطة بالعملة الصعبة.
وفي قراءة أعمق لخلفيات هذا الاستهداف، تشير تحليلات سياسية متقاطعة في مراكز بحث دولية ووسائل إعلام غربية إلى أن هذه الضربة تمثل انتقالاً من مرحلة استهداف النظام الإيراني سياسياً إلى استراتيجية إضعاف الدولة ذاتها عبر ضرب بنيتها التحتية الحيوية. ويأتي ذلك بعد سلسلة من الإخفاقات التي مُنيت بها المرحلة الأولى من التصعيد، والتي شملت الفشل في إحداث تغيير داخلي في بنية النظام، وعدم القدرة على توظيف الورقة الكردية، والإخفاق في فرض وقائع ميدانية في مضيق هرمز، إضافة إلى تعثر الجهود الرامية إلى تقويض البرنامج الصاروخي والنووي الإيراني، فضلاً عن عجز واشنطن وتل أبيب عن حشد دعم أوروبي شامل أو جرّ دول الخليج إلى مواجهة مباشرة.
وتشير المعطيات الإعلامية العبرية الصادرة خلال الساعات الأخيرة إلى أن الاستراتيجية الراهنة تقوم على توسيع نطاق الحرب عبر استهداف شامل لقطاعات الطاقة الإيرانية، بما في ذلك المنشآت النفطية ومحطات الكهرباء، مع العمل في الوقت ذاته على تضييق الخناق على صادرات النفط الإيرانية عبر مضيق هرمز، بما يعمّق من حالة الاختناق الاقتصادي ويضع طهران أمام معادلة الرد الإقليمي. وفي هذا السياق، أصدرت إيران تحذيرات مباشرة إلى ثلاث دول خليجية، هي قطر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، ملوّحة باستهداف منشآتها النفطية والبتروكيماوية ومحطات الطاقة، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريوهات تصعيد قد تطال أسواق الطاقة العالمية، خصوصاً مع احتمال تأثر صادرات النفط الخليجية والغاز القطري.
وفي ضوء هذه التطورات، تبرز مؤشرات على تحوّل في الموقف الأمريكي تجاه أمن حلفائه في الخليج، حيث فُهمت تصريحات الرئيس الأمريكي الأخيرة، خلال مؤتمر صحفي في البيت الأبيض قبل يومين، على أنها تعكس استعداداً لتحمّل تبعات استهداف إيران لدول الخليج دون تعديل المسار العسكري، إذ أقرّ بعدم وجود تقديرات مسبقة داخل إدارته لاحتمال رد إيراني يستهدف هذه الدول، وأكد في الوقت ذاته أنه ما كان ليوقف العمليات حتى لو كان ذلك الاحتمال قائماً، معتبراً أن الضربة تمثل “صفقة استراتيجية كبرى”، وهو ما فسّره مراقبون دوليون بأنه مؤشر على إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية بحيث تتقدم الاعتبارات المرتبطة بأمن إسرائيل على حساب التزامات الحماية التقليدية تجاه شركاء الخليج.
وتذهب تقديرات صادرة اليوم عن مراكز تحليلية أوروبية وأمريكية إلى أن المنطقة تقف عند مفترق طرق حاسم، حيث إن استهداف البنية التحتية للطاقة في إيران قد يستدعي ردوداً غير تقليدية تتجاوز الإطار العسكري المباشر، بما في ذلك استخدام أدوات الضغط على أسواق الطاقة العالمية، أو توسيع نطاق الاستهداف ليشمل منشآت حيوية في دول الجوار، الأمر الذي قد يفضي إلى اضطراب واسع في إمدادات الطاقة الدولية وارتفاع حاد في الأسعار، مع تداعيات اقتصادية عالمية.
وفي هذا السياق، تبدو الخيارات أمام دول الخليج مفتوحة ولكنها معقدة، إذ يمكنها، وفق ما تشير إليه بعض التحليلات، تبنّي موقف جماعي أكثر استقلالية في مواجهة التصعيد، سواء عبر أدوات اقتصادية مثل إعادة النظر في سياسات الإنتاج النفطي، أو عبر تحركات دبلوماسية ضاغطة لإعادة ضبط مسار الأزمة، على غرار المواقف الأوروبية التي أبدت تحفظاً على الانخراط في تحالف عسكري واسع. وفي المقابل، فإن استمرار الوضع الراهن دون موقف موحّد قد يعرّض الأمن الإقليمي لمخاطر غير محسوبة، في ظل تصاعد نهج عسكري يستهدف إعادة تشكيل التوازنات في المنطقة عبر القوة، بما يهدد السيادة الوطنية للدول واستقرارها.
وعليه، فإن المشهد الراهن يعكس انتقالاً إلى مرحلة أكثر خطورة من الصراع، حيث لم يعد الهدف مقتصراً على احتواء نفوذ إيران أو تعديل سلوكها، بل بات يتجه نحو إعادة هندسة البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط، بما يحمله ذلك من احتمالات مفتوحة على تصعيد شامل، في ظل تداخل المصالح الدولية والإقليمية، وغياب أفق واضح لتسوية سياسية في المدى القريب.