إخفاء الشيعة: حينما يُفسر غياب الأرشيف الرسمي كدليل على العدم
ينشر الكاتب مقالاته وقراءاته النقدية في العديد من المنصات والمواقع الثقافية العربية والعراقية البارزة، وتتميز كتاباته بالعمق والتحليل المفصل للمنتج الثقافي.
الحلقة الأولى
وليد غالب، وهو كاتب وباحث عراقي من مواليد عام 1977، يعمل في مجال التصميم الصحفي ويهتم بشكل واسع بقضايا النقد الأدبي والتاريخ والسير، والفلسفة.
ينشر الكاتب مقالاته وقراءاته النقدية في العديد من المنصات والمواقع الثقافية العربية والعراقية البارزة، وتتميز كتاباته بالعمق والتحليل المفصل للمنتج الثقافي.
من أبرز الطروحات الجدلية التي يوردها إسحاق نقاش في كتابه "شيعة العراق"، رأي ينص على أنه: "ليس هناك دليل يشير إلى أن الشيعة اقتربوا ذات يوم من تشكيل أكثرية السكان في العراق قبل القرن التاسع عشر، بل وحتى القرن العشرين". تستوجب هذه المقولة وقفة نقدية فاحصة، إذ إن هذا الطرح، في جوهره، يتعارض مع القواعد المنطقية الأساسية.
فمن الناحية المنهجية، لا يمكن اعتبار أن غياب الدليل المادي يمثل بالضرورة دليلاً على العدم، وبناءً عليه، فإن عدم توفر إثباتات قطعية على تشكيل الشيعة للأغلبية السكانية قبل القرن التاسع عشر أو العشرين لا ينفي وجودهم الفعلي كأغلبية، لا سيما في ظل حقب تاريخية هيمنت فيها حكومات انتهجت سياسات إقصائية أو معادية تجاههم.
وفي محاولة لمقاربة هذا الخلل المنهجي، يمكن افتراض سيناريو يقوم فيه باحث غير عراقي بتقصي النسبة العددية للشيعة في العراق خلال حكم صدام حسين.
إذا اعتمد هذا الباحث حصرياً على الأرشيف الصحفي، والخطاب الرسمي للدولة، والإذاعات الحكومية، فإنه لن يعثر على أي أثر لمصطلح "شيعي".
وبالمثل، إذا تتبع الإنتاجين المسرحي والتلفزيوني، فلن يجد شخصيات تحمل دلالات أو أسماء شيعية مميزة، كما سيلاحظ غياب التطابق بين قوانين الدولة وعطلاتها الرسمية وبين المناسبات الدينية الشيعية. ومآل هذا المنهج الاستقرائي هو الوصول إلى نتيجة خاطئة تنفي وجود الشيعة كأغلبية في تلك الحقبة، وستكون النتيجة أقرب لجملة كتاب الموتى الفرعوني: "من لا اسم له لا وجود له".
مقاربتي السابقة، من المؤكد أنها لا تهدف إلى عقد مقارنة هيكلية بين نظام صدام حسين الأمني الدكتاتوري وبين حالة الانفلات الإداري والسياسي التي رافقت الحقبة العثمانية. بل يكمن الهدف، ببساطة، في التأكيد على أن الافتقار إلى أدلة إحصائية رسمية تثبت الأغلبية الشيعية لا ينفي بطبيعة الحال تحققها على أرض الواقع، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الإدارة العثمانية لم تكن تعتمد في سياساتها على إجراء إحصاءات سكانية مبنية على أسس "مذهبية" لمواطنيها في الولايات العراقية، بل لم تكن تجري أي احصاءات عامّة إلا في حلول القرن التاسع عشر تقريبا.
على الرغم من ذلك، تبرز ضرورة علمية لمناقشة بعض الأطر المفاهيمية والمنهجية التي استند إليها إسحاق نقاش في تحليلاته.
يمكن الشروع في هذا التحليل النقدي من خلال نص محوري – على الأقل بالنسبة لي - يكشف عن طبيعة الأسلوب الاستنتاجي للمؤلف، وهو النص المتعلق بمسألة "تفريس" عائلة كمّونة، حيث يقول: "في أعقاب الاحتلال الأول، أصبحت عائلة كمّونة التي تبوأت مركز نقيب الأشراف، واسع النفوذ في بغداد، على ارتباط ببلاط الشاه في إيران، وجرى تفريسها بصورة تدريجية".
يحيل نقاش القارئ في هامش هذه الفقرة إلى مرجع تاريخي، وهو كتاب المؤرخ العراقي عباس العزاوي "تاريخ العراق بين احتلالين" (الجزء الثالث، الصفحات 315، 342، 354-356). بالرجوع إلى المصدر، نجد أن العزاوي يذكر في حوادث سنة 1508م أن نقيب بغداد وأحد أبرز أشرافها، السيد محمد كمّونة، الذي ورث منصب النقابة أبًا عن جد، قد وُجهت إليه تهمة الإخلاص للشاه، مما دفع "باريك" إلى إصدار أمر بإلقاء القبض عليه وإيداعه السجن.
إن القراءة الدقيقة لنص العزاوي تؤكد أن منصب نقابة الأشراف في بغداد كان محصوراً في آل كمّونة، يتوارثونه جيلاً بعد جيل، أي أن نفوذهم يعود إلى مرحلة حكم دولة "الآق قوينلو" للعراق، وهي دولة كانت تعتنق المذهب السني.
ويضيف العزاوي في الصفحة ذاتها (315)، والتي استند إليها نقاش، قائلاً: "وعند الصباح اجتمع الأهلون ببغداد وجاؤوا إلى الجب الذي سجن فيه السيد محمد كمونة المذكور فأخرجوه منه، وسلموا إليه مقاليد الأمر ببغداد، وهذا يُعد بمثابة طاعة منهم للشاه".
من خلال المطابقة، يمكن للباحث بسهولة تمييز الفجوة بين النص الأصلي لعباس العزاوي، والتأويل الذي قدمه نقاش. فنص العزاوي يقرر بوضوح أن عائلة كمّونة، وهي عائلة ذات جذور عربية، قد ورثت منصب النقابة تاريخياً. في المقابل، تمت صياغة نص نقاش بطريقة توحي بأن العائلة استولت على المنصب حصراً نتيجة الاحتلال الفارسي الأول، وهو ما يتجلى في توظيفه لمفردات مثل "في أعقاب" و"تبوأت".
هنا، يوجه نقاش تفكير القارئ نحو استنتاج مفاده أن آل كمّونة استمدوا مكانتهم ونفوذهم الواسع كنقباء لأشراف بغداد بفضل الغطاء أو الدعم الذي وفره الحكم الصفوي، متجاهلاً حقيقة إقرار المصدر بأنهم توارثوا هذا المنصب تاريخياً.
[5/19/2026 7:08 PM] ايوب الحفيف اون لاين: بالإضافة إلى ذلك، يُظهر العزاوي في نصه أن "الأهلين" (أي سكان بغداد) أبدوا الطاعة للشاه.
وقد قدم العزاوي تفسيراً موضوعياً لهذه الطاعة، مرجعه إلى افتقار العوام للقدرة العسكرية على المواجهة، مما يدفعهم لتأييد القوة الحاكمة الغالبة، حيث يقول: "والحالة التي نعرفها في تلك الأيام أن الأهلين يرون الإذعان للحكومة الإسلامية ضرورياً، فلا يسلّون السيف في وجه القوي، ولا يدافعون كثيراً".
هذا السلوك المجتمعي للأهالي، وفقاً للتحليل التاريخي لعباس العزاوي، يمكن تفسيره في ضوء غياب المفهوم الحديث لـ "الدولة" في الوعي الجمعي العراقي آنذاك. فقد كان الانقسام في الميول الدينية (نحو الفرس أو العثمانيين) محكوماً بمنطق الخضوع للقوتين الإمبراطوريتين العظميين اللتين تداولتا السيطرة على العراق. أما فيما يتعلق بالإحالة إلى الصفحات من 354 إلى 356، فيورد العزاوي ما نصه: "في هذه السنة قُتل السيد محمد كمونة في واقعة جالديران كما تقدم. واشتهر اسم هذه الأسرة في الأقطار وأخذ يرددها التاريخ، فإن السيد محمد رئيس أسرة آل كمونة كان متهماً في الميل إلى الشاه فناله من جراء ذلك حبس وإهانة".
لكن العزاوي لم يحدد هوية الجهات التي ساقت هذا "الاتهام" ضد السيد محمد كمّونة، كما لم يوضح الدلالة الدقيقة لمفهوم "التهمة" في سياق تاريخي أقر هو فيه بأن الأهالي كانوا يظهرون الطاعة للشاه بدافع الضرورة، تماماً كما قد يطيعون العثمانيين. الجملة التي يذكرها العزاوي، والتي تخص "تهمة" محمد كمونة، تنحصر في "اخلاصه للشاه"، وبالنظر لأن محركات الصراع في ذاك الوقت هي محركات سياسية مذهبية، فالأمر بشكل واضح لا علاقة له بالروح القومية أو الدفاع عن العراق من عدمه، بل تتعلق بالطائفة، خصوم كمونة، كانوا يرون أن الشاه "رافضي" وفي تلك الفترة كان "الرفض" جريمة تعاقب عليها الدولة العثمانية بالقتل كما ظهر في فتاوى أبو السعود افندي سنة 1548، والفقيه ابن كمال – ت 1535 – الذي تكلم عن وجوب المعركة ضد الشيعة الذين احتلوا أراضي متعددة للسنة ابتغاء تأسيس "عقيدتهم الفاسدة".
سأحدد السؤال بشكل أكثر دقّة: ماذا لو كان محمد كمونة مخلصًا للسلطان سليم الأول، هل ستكون هناك "تهمة" عليه؟!
إن أبسط تحليل تاريخي، من الممكن له ببساطة استنتاج أن من كتب التاريخ كان يرى التشيع شيء خارج عن السياق الإسلامي العام، مع العلم أنني أستطيع رصد شخصيات عراقية بارزة أظهرت التبعية للدولة العثمانية وافعت عنها بوصفها الحاضنة للمذهب السني، ومع ذلك لا تعمد الأدبيات التاريخية أو "المثقفون" إلى تصنيف هذا السلوك ضمن إطار اتهامات بـ "العثمنة".
#شبكة_انفو_بلس