الجزء الثالث: دبلوماسية الدولار.. كيف تحول "مصرف الجنوب" من قائمة الحظر إلى الساحة الدبلوماسية؟
الهيمنة الأمريكية
الكاتبة/زينب مهدي - كريمة الشهيد ابو زينب الخالصي
ذكرنا كيف استخدمت أمريكا إيرادات النفط العراقي البالغ 85 مليار دولار، إضافة إلى 30 مليار دولار أصول النظام السابق المودعة في حساب عراقي لدى البنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك، كأداة ضغط لتأمين مصالحها في المنطقة.
كلما حاول العراق الالتفاف على القيود أو استخدام قنوات مالية موازية، تتدخل الخزانة الأمريكية ومجلس الاحتياطي الفدرالي بفرض عقوبات مباشرة طالت 35 مصرفاً أهلياً عراقياً (من ضمنها مصرف الجنوب الإسلامي)، بتهمة عمليات تحويل مالية غير مشروعة مرتبطة بضعف الامتثال، وتأخذ عدة أشكال، أبرزها:
1. الفواتير الاستيرادية المزورة: تقديم التاجر أو المصرف وثائق تدعي استيراد بضائع (مثل مواد غذائية أو أجهزة) بقيمة ملايين الدولارات، بينما في الحقيقة البضاعة لم تدخل العراق أو قيمتها الحقيقية أقل بكثير، والهدف الفعلي هو إخراج الدولار خارج البلاد.
2. غسيل الأموال: إدخال أموال مجهولة المصدر أو ناتجة عن أنشطة غير قانونية (كالفساد أو الرشاوى) في النظام المصرفي، وتحويلها للخارج لتظهر وكأنها أرباح تجارية شرعية.
3. خرق العقوبات الدولية (تهريب العملة): تحويل مبالغ مالية بطرق مباشرة أو ملتوية إلى دول أو كيانات مفروض عليها حظر اقتصادي دولي (مثل إيران)، وهو الخط الأحمر الأساسي بالنسبة للفيدرالي الأمريكي.
لاحقاً، ومع إبداء بغداد التزاماً تاماً بالمنصة الإلكترونية والتحول نحو البنوك المراسلة الدولية (مثل سيتي بنك وجي بي مورغان)، بدأت واشنطن مساراً تدريجياً لـ"إعادة تأهيل" 7 من المصارف المحظورة كأداة مكافأة وضمان لاستمرار التنسيق الأمني والسياسي، منها (مصرف الجنوب).
ترتبط قضية تأهيل مصرف الجنوب الإسلامي بصعود مالك ورئيس مجلس إدارة المصرف السابق، علي فالح الزيدي، إلى منصب رئيس وزراء العراق (منذ مايو/ ايار 2026)، ليتحوّل ملف المصرف من مجرد قضية تجارية إلى ملف دبلوماسي رفيع المستوى، جرى التفاوض عليه بين بغداد وواشنطن خلال زيارة الزيدي الرسمية الأولى إلى الولايات المتحدة ولقائه بالإدارة الأمريكية في يوليو/ تموز 2026. حيث انتزع علي الزيدي صك البراءة عبر تقرير شركة التحقيق والامتثال الأمريكية الشهيرة K2 Integrity، التي أدلت بعدم وجود أدلة تثبت تورط الزيدي أو مصرفه في تحويلات مالية مباشرة لإيران، وبررت أن القيود التي فُرضت على المصرف عام 2024 كانت نتيجة "مخاطر تتعلق بالسمعة والمحيط المالي"، وليست أدلة إدانة قطعية بغسيل الأموال، مما فتح الباب قانونياً أمام الخزانة الأمريكية لبدء مسار التأهيل.
في الحقيقة، هندسة الإجراءات المصرفية والأمنية تؤكد استهداف مسارات مالية محددة ترتبط بالمحور الإقليمي المناهض لواشنطن، مع الحفاظ التام على أمان الكيانات السياسية والاقتصادية "الصديقة" أو الموازنة للمصالح الأمريكية في العراق.