دور شيوخ العشائر في قتل الحسين (ع)
الأولى منها: ضمان البقاء في زعامة العشيرة، فقد عمدت السلطة الأموية الى استبعاد كل شيوخ العشائر الذي لا يدينون بالولاء المطلق للسلطة، واستبدالهم بآخرين موالين لها.
انطلقت مواقف معظم شيوخ العشائر -باستثناء هاني بن عروة والحر الرياحي- على أسس مصلحية، ولم يأخذ شيوخ العشائر في ذلك الزمان في تعاملهم مع هذه القضية الحساسة بنظر الاعتبار، لا القيم الدينية ولا حتى القيم الإنسانية، إلى التشجع على نصرة المظلوم، بل انطلقت مواقفهم من مصالحهم الشخصية والاجتماعية فحسب.
وقد كانت هذه المصالح تتمثل بعدة مقومات:
الأولى منها: ضمان البقاء في زعامة العشيرة، فقد عمدت السلطة الأموية الى استبعاد كل شيوخ العشائر الذي لا يدينون بالولاء المطلق للسلطة، واستبدالهم بآخرين موالين لها.
الثانية: الحصول على المكاسب المادية من نقد وأراضٍ كانت تهبها السلطة لمن يقدم خدمات أكبر وأكثر لها.
الثالثة: الحصول على مناصب رسمية علاوة على المنصب الاجتماعي، فقد كان أغلب رؤساء العشائر يطمحون بحكم الولايات أو قيادة الجيوش، لأن ذلك كان يعزز مكانتهم الاجتماعية، ويزيد من سعة ثرواتهم المادية.
الرابعة: ما كانت تقتضيه طبيعة العربي في ذلك الزمان، وهو الوقوف مع القوي. فإن التنشئة الاجتماعية كانت مبنية على احترام القوة، وأن الحق لم يكن ليؤخذ بالقانون، بل بحد السيف، لذلك نشأ العربي عموماً على عبادة القوة، والوقوف الى جانبها وإن كانت ظالمة جائرة.
من هنا نجد أن غالبية شيوخ العشائر أيدت موقف السلطة الأموية ووقفت الى جانبها، بل وحرضت عشائرها للوقوف الى جانب الأمويين، وفيما يلي نماذج لبعض شيوخ العشائر.
1-عمرو بن الحجاج الزبيدي: كان زعامة مذحج الى هانئ بن عروة المرادي، وكان عمرو بن الحجاج يطمح للحصول على تلك الزعامة، لذلك لعب دوراً سلبياً من قضية هانئ.
فبعد أن أُلقي القبض على هانئ بن عروة اجتمعت عشائر مذجح بباب قصر عبيد الله بن زياد، يطالبون بالإفراج عنه، قال ابن طاووس في اللهوف: ((وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانياً قد قُتل، وكانت رويحة بنت عمرو هذا تحت هانئ بن عروة فأقبل عمرو في مذحج كافة حتى أحاط بالقصر، ونادى عمرو بن الحجاج هذه فرسان مذحج ووجوهها لم نخلع طاعة ولم نفارق جماعة، وقد بلغنا أن صاحبنا هانياً قد قُتل، فعلم عبيد الله باجتماعهم وكلامهم فأمر شُرَيْحاً القاضي أن يدخل على هانئ فيُشاهده، ويُخبر قومه بسلامته من القتل، ففعل ذلك وأخبرهم فرضوا بقوله وانصرفوا)).
فرغم عِلم ابن الحجاج بمقتل هانئ والتمثيل بجسده الشريف إلا أننا نراه بعد ذلك أحد قادة جيش عبيد الله وعلى رأس أربعة آلاف فارس كان أغلبهم من عشيرته، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنه لم يكن جادا في مطالبته السلطة بالحفاظ على حياة نسيبه وابن عمه هانئ بن عروة.
2-محمد بن الأشعث بن قيس وأخوه قيس بن الأشعث: كان أبوه أحد ملوك كِنْدة وشيخها العام، وقد حاول أمير المؤمنين (ع) إسناد زعامة هذه العشيرة لرجل مخلص وهو حجر بن عدي، لكن أبناء كندة نفسها أصرّوا على الإبقاء على زعامة الأشعث بن قيس لهم، وبعد وفاته، كانت زعامة كندة بيد ولده محمد بن الأشعث، وقد ساهم هو وأخوه قيس بن الأشعث مساهمة فعالة في المعركة ضد الحسين (ع)، وكان قيس هو رئيس القبيلة، قال المؤرخون: وجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً وصاحبهم قيس بن الأشعث.
3-حجار بن ابجر بن جابر العجلي: زعيم قبيلة ربيعة، كان أبوه ابجر بن جابر سيد ربيعة، ومات في الكوفة نصرانياً، ثم تولى الزعامة من بعده ابنه حجار، وكان حجار في كربلاء على رأس قوة من ألف فارس. (أنساب الأشراف، ج2، ص178).
4-أسماء بن خارجة الفزاري: زعيم قبيلة فزارة، وأحد من تولى الكوفة بعد مقتل الحسين (ع)، ولا نجد نصاً تأريخياً يذكر موقفاً لأسماء في معركة كربلاء، لكن ورد اسمه في الأشعار، مما يدل على أنه كان له دور في قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة، فهو الذي أخذ هانئ غدراً وأدخله على ابن زياد، يقول الشاعر:
أيركب أسماء الهماليج آمنا***وقد طلبته مذحج بذحول.
كما يظهر أنه كان موجوداً في واقعة كربلاء، حيث تشفع عند القتلة إلى الحسن المثنى بن الإمام الحسن (ع)، وترك له ولم يُقتل، وذلك يدل على عظمة مكانته لدى السلطة.
5-عمر بن حريث المخزومي، قائد الشرطة في الكوفة، وزعيم أهل المدينة جميعاً فيها، ثم أصبح أول والٍ على الكوفة خلفه عبيد الله بن زياد بعد فراره منها، ثم أصبح والياً عليها مرة أخرى في عهد عبد الملك بن مروان.
وقد لعب هذا الرجل دورا كبيرا في تتبع الشيعة وقتلهم والوشاية بهم الى السلطة بدءاً من حجر بن عدي وميثم التمار، وكان الرجل الثاني في المعركة مع مسلم بن عقيل (ع). (المناقب: ج3، ص244).
وقال الطبري ج4، ص260: ((فبعث عبيد الله إلى عمرو بن حريث المخزومي، وكان صاحب شرطة، ومعه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فلم يعلم مسلم حتى أُحيط بالدار...))، وهذا يعني أن ابن حريث هو من كُلِّف بقتل مسلم (ع)، وعبد الرحمن بن الأشعث كان مجرد دليل إلى بيت طوعة.
6-شبت بن ربعي بن الحصين الرياحي: زعيم قبيلة بني رياح بن يربوع من تميم، وكان أبوه زعيماً للقبيلة قبله، وهو شخص متلوّن، يميل مع القوة حيثما وُجدت.
كان ممّن كاتب الإمام الحسين (ع)، ولكن انقلب عليه بعد وصول ابن زياد الى الكوفة، وأول راية عقدها ابن زياد كانت لشبث بن ربعي (الارشاد، ج2، ص53)، ثم جعله يوم العاشر من محرم أميراً على الرجالة. (نفس المصدر ص95).
7-كثير بن شهاب بن حصين الحارثي: من بني الحارث بن كعب أحد بطون قبيلة مذحج، قال ابن سعد في الطبقات:ج6، ص149: ((وكان كثير بن شهاب سيد مذحج بالكوفة)).
وهو أحد القادة الذين اعتمد عليهم ابن زياد كثيرا في قمع الثوار مع الحسين (ع)، فكان هذا الرجل من أكابر مَن خذل الناس عن مسلم بن عقيل، قال أبو الفرج في المقاتل ص71: ((ودعا بعبيد الله بن كثير بن شهاب الحارثي، وأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج فيخذل الناس عن ابن عقيل ويخوفهم الحرب وعقوبة السلطان.
وقال: وكان أول من تكلم كثير بن شهاب، فقال: أيها الناس الحقوا بأهاليكم ولا تعجلوا انتشروا ولا تعرضوا أنفسكم للقتل، فهذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت، وقد أعطى الله الأمير عهداً لئن أقمتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم هذه أن يحرم ذريتكم العطاء يفرق مقاتليكم في مغازي الشام على غير طمع ويأخذ البريء بالسقيم والشاهد بالغائب حتى لا يبقى فيكم بقية من أهل المعصية إلا أذاقها وبالَ ما جنَت)).
وهو الذي ألقى القبض على عبد الأعلى الكلبي أحد شباب الكوفة الذين أرادوا اللحاق بمسلم بن عقيل، فأتى به ابن زياد فأمر بقتله.
8-القعقاع بن شور الذهلي، بنو ذهل بن شيبان، بطن من بكر بن وائل من ربيعة.
جعله الإمام علي والياً على كسكر (الكوت حاليا) فسرق بيت المال وفرّ الى معاوية. (الغارات ج2، ص532).
كان القعقاع ممن خذل الناس عن مسلم بن عقيل، ورفع راية أمان لمن يتركون مسلم ويعودون الى طاعة السلطة، حضر مقاتلة مسلم مع ابن الأشعث (الطبري ج4، ص286).
كما كان له موقف سيئ جدا في التاريخ، فحينما أُلقي القبض على مسلم بن عقيل وأُخذ الى القصر، وجد على باب القصر جماعة ومعهم ماء فطلب منهم ماءً فأبَوا أن يسقوه، وكان من هؤلاء القعقاع بن شور، وقتيبة الباهلي أبو قتيبة بن مسلم الباهلي.
9-شمر بن ذي الجوشن العامري
لُقب أبوه بذي الجوشن، لأن صدره كان ناتئاً، واسمه شرحبيل، والمهم إثبات كونه شيخ عشيرة هوازن، قال الزركلي في الأعلام جج3، ص175: ((كان في أول أمره من ذوي الرياسة في هوازن)) وقال المؤرخون: ((جاءت هوازن باثنين وعشرين، أو عشرين رأساً على بعض المصادر، وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن)). (أنساب الأشراف، ج3، ص207)
وموقفه من الحسين (ع) أشهر من أن يُذكر، ويكفي أنه كان أميراً على الميسرة في جيش عمر بن سعد، وهو الذي تولى قتل الحسين (ع) على رأي أكثر المؤرخين، رغم أنه كان ممن كاتب الحسين (ع) على ما في أنساب الأشراف. (ج3، ص173).
10-زحر بن قيس الجعفي
بنو جعفي، بطن من سعد العشيرة من مذحج. كان يعتبر من أشراف العرب وشيخ عشيرة، والدليل على ذلك: في معركة دير الجماجم أمر القراء عليهم أبا البختري، فقال: أنا مولى فأمروا رجلاً من العرب، فأمروا جبلة بن زحر بن قيس. (تاريخ خليفة، ص217)
شهد هذا الرجل الجمل مع الإمام علي (ع) في البصرة، وكان رسوله الى الكوفة ليخبرهم بالانتصار (الارشاد ج1، ص259).
لكن مصلحته اقتضت أن يغير ولاءه شأنه شأن باقي رؤساء القبائل في الكوفة، فتولى حرس الكوفة، نقاط التفتيش لئلا يلتحق أحد من أهلها بالحسين (ع). (أنساب الأشراف، ج3، ص179)
ثم شهد كربلاء، وقد وقع عليه اختيار ابن زياد أن يحمل رأس الحسين (ع) والسبايا الى الشام، وجعله أميراً على ألف مقاتل.
للمقال تتمة إذا أحببتم.
الكاتب. د. عبد الهادي الطهمازي.
#لبيك_داعي_الله
#شبكة_انفو_بلس