الحرب على إيران تسرّع الانتقال العالمي من الأحادية الأميركية إلى التوازن
سقوط الهيمنة المنفردة
انفوبلس..
منذ انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع التسعينيات، عاشت الولايات المتحدة مرحلة "الهيمنة المنفردة" على النظام الدولي، حيث تحولت إلى القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية الأكثر تأثيراً في العالم.
لكنّ التحولات المتسارعة خلال العقد الأخير، وخصوصاً الحرب الأميركية – "الإسرائيلية" على إيران، كشفت أنّ هذا النموذج يقترب تدريجياً من نهايته، وأنّ العالم يدخل مرحلة جديدة عنوانها "التوازن الدولي" وتعدد الأقطاب.
النقاش لم يعد يدور حول ما إذا كانت الأحادية الأميركية تتراجع، بل حول شكل النظام الجديد، ومن ستكون القوى القادرة على صياغته، وكيف ستدار الصراعات الدولية ضمنه.
القمّة التي تعكس تحوّل العالم
القمّة المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني"شي جين بينغ" لم تعد مجرّد اجتماع بين زعيمي أكبر اقتصادين، بل تحوّلت إلى رمز سياسي لتحوّل تاريخي في موازين القوى الدولية.
فالعالم الذي تشكّل بعد الحرب الباردة بقيادة أميركية مطلقة، يواجه اليوم واقعاً مختلفاً يقوم على تراجع القدرة الأميركية على فرض إرادتها منفردة، مقابل صعود قوى منافسة، في مقدمتها الصين.
تقارير غربية عدّة وصفت القمة بأنها “اختبار للنظام الدولي الجديد”، حيث اعتبرت صحيفة فايننشال تايمز أنّ ترامب يدخل المفاوضات “من موقع أضعف” بسبب تداعيات الحرب على إيران والأزمة العالمية للطاقة.
كما نقلت واشنطن بوست عن محللين أنّ الصين باتت أكثر ثقة بقدرتها على مواجهة الضغوط الأميركية، وأنّ بكين تنظر إلى نفسها اليوم كقوة عالمية كاملة لا كمجرد شريك اقتصادي.
وبحسب ما نقلته صحيفة "واشنطن بوست" عن محللين وخبراء، فإنّ الصين باتت تنظر إلى نفسها اليوم بوصفها قوة عالمية مكتملة النفوذ، وليست مجرد شريك اقتصادي يعتمد على السوق الأميركية.
ويرى هؤلاء أن بكين أصبحت أكثر ثقة بقدرتها على تحمل الضغوط والعقوبات الأميركية، مستندة إلى توسع نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري، إضافة إلى امتلاكها أدوات تأثير عالمية مثل المعادن النادرة وسلاسل التوريد.
كما يعتبر المسؤولون الصينيون أن تراجع الهيمنة الأميركية والانشغال بالحروب والأزمات الدولية منح الصين مساحة أكبر لترسيخ موقعها كقطب دولي منافس لواشنطن.
هذا التحوّل لا يرتبط فقط بالاقتصاد، بل أيضاً بفشل الحروب الأميركية الطويلة في الشرق الأوسط، والتي استنزفت واشنطن مالياً وعسكرياً وسياسياً، وأضعفت صورتها كقوة قادرة على الحسم.
الصين التي فشل الاحتواء الأميركي بإيقافها
طوال عقدين، حاولت الإدارات الأميركية المتعاقبة احتواء الصين عبر العقوبات التجارية والحصار التكنولوجي والتحالفات العسكرية في آسيا. لكنّ النتيجة جاءت معاكسة للتوقعات الأميركية.
فالصين تحولت إلى أكبر قوة صناعية في العالم، وأصبحت منافساً مباشراً للولايات المتحدة في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة النظيفة والاتصالات.
صحيفة وول ستريت جورنال أشارت إلى أنّ بكين حققت تقدماً هائلاً في الصناعات المتقدمة والقدرات العسكرية رغم الأزمات الاقتصادية الداخلية، وأنّ القيادة الصينية باتت تضع “الاعتماد الذاتي” في صلب استراتيجيتها الوطنية.
أما مشروع “الحزام والطريق” فقد منح الصين نفوذاً جيوسياسياً واسعاً في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، عبر الاستثمار في البنية التحتية والطاقة والموانئ والسكك الحديدية.
ولهذا لم تعد واشنطن تنظر إلى الصين كمنافس اقتصادي فقط، بل كقوة تسعى لإنهاء عصر الهيمنة الأميركية.
المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP) اعتبر أنّ مفهوم "العالم متعدد الأقطاب" أصبح جزءاً مركزياً من العقيدة الدبلوماسية الصينية في عهد "شي جين بينغ"، ويرتبط مباشرة بفكرة تراجع النفوذ الأميركي العالمي.
وبحسب تقرير المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، فإنّ مفهوم “التعددية القطبية” لم يعد مجرد توصيف لتحول موازين القوى الدولية، بل أصبح مشروعًا سياسيًا تتبناه قوى صاعدة مثل الصين وروسيا والهند لإعادة تشكيل النظام العالمي بعيدًا عن الهيمنة الأميركية.
ويشير التقرير إلى أنّ الصين ترى التحول نحو عالم متعدد الأقطاب أمرًا حتميًا، وتتعامل معه باعتباره فرصة تاريخية لترسيخ نفسها كقوة قيادية عالمية، مستفيدة من تفوقها الاقتصادي والتكنولوجي وتوسع نفوذها الدولي.
كما يؤكد الباحثون أنّ بكين أصبحت أكثر ثقة بقدرتها على مواجهة الضغوط الغربية، وتعتبر أنّ مرحلة الأحادية الأميركية تتراجع تدريجيًا بفعل الأزمات الدولية وتنامي قوة دول “الجنوب العالمي”.
التقرير يلفت أيضًا إلى أنّ العديد من الدول لم تعد تنظر إلى النظام الغربي باعتباره النموذج الوحيد لإدارة العالم، بل باتت تسعى إلى نظام دولي أكثر توازنًا يمنح القوى الصاعدة دورًا أكبر في القرار العالمي.
الحرب على إيران كشفت حدود القوة الأميركية
الحرب الأميركية – “الإسرائيلية” على إيران شكلت لحظة مفصلية في إدراك العالم لحدود القوة الأميركية.
فواشنطن دخلت المواجهة على أساس أنّ العقوبات والضغط العسكري سيجبران طهران على القبول بالشروط الأميركية، لكنّ النتائج جاءت مختلفة.
إيران لم تنهَر، بل تمكنت من تحويل مضيق هرمز إلى نقطة ضغط عالمي على أسواق الطاقة، ما تسبب بارتباك اقتصادي واسع.
كما أظهرت الحرب تردداً داخل الإدارة الأميركية، وتناقضاً بين الخطاب السياسي والقدرة الفعلية على الحسم العسكري.
رويترز نقلت عن مسؤولين وخبراء أنّ الحرب أضعفت موقع واشنطن الدولي، وأثرت على انتشارها العسكري في آسيا، بينما استفادت الصين من انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
بحسب تقرير وكالة "رويترز"، فإنّ الحرب على إيران رفعت من أهمية القمة المرتقبة بين دونالد ترامب وشي جين بينغ، إذ باتت بكين تمتلك أوراق ضغط أكبر في مواجهة واشنطن، خصوصًا مع اعتماد الأسواق العالمية على الدور الصيني في ملفات الطاقة والمعادن النادرة وسلاسل التوريد.
ويشير التقرير إلى أنّ الصين تنظر إلى الحرب باعتبارها استنزافًا للنفوذ الأميركي وتشتيتًا لتركيز واشنطن عن آسيا، بينما ترى الإدارة الأميركية أنّها بحاجة إلى دور صيني للمساعدة في احتواء تداعيات الأزمة وفتح الملاحة في مضيق هرمز.
كما نقلت رويترز عن مسؤولين وخبراء أنّ بكين تدخل المحادثات بثقة أكبر، مدفوعة بتوسع نفوذها العالمي وقدرتها على استخدام ملفات التجارة والطاقة والتكنولوجيا كورقة تفاوضية في مواجهة الضغوط الأميركية.
السيناتور الأميركي جاك ريد، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، قال إنّ ترامب يتوجه إلى القمة مع الصين وهو "في وضع ضعيف للغاية"، بسبب تداعيات الحرب والطاقة وتحويل الموارد العسكرية بعيداً عن المحيط الهادئ.
في المقابل، قدمت إيران نفسها كدولة قادرة على الصمود أمام الضغوط العسكرية والاقتصادية، ما عزز صورة محور المقاومة لدى قطاعات واسعة في المنطقة والعالم.
الصين تدخل الشرق الأوسط بطريقة مختلفة
بعكس الولايات المتحدة التي بنت نفوذها في الشرق الأوسط على القواعد العسكرية والأحلاف الأمنية، تتحرك الصين بمنطق مختلف يقوم على الاقتصاد والاستثمار والوساطات السياسية.
خلال الحرب، دعمت بكين حق إيران في الدفاع عن نفسها، ورفضت العقوبات الأميركية على الشركات الصينية المتعاملة مع طهران. المتحدث باسم الخارجية الصينية غوو جياكون أكد أنّ بكين “ستحمي المصالح الشرعية لشركاتها”، وندد بالعقوبات الأحادية الأميركية.
كما أدانت الصين وروسيا الضربات الأميركية و"الإسرائيلية" على إيران، واعتبرتا أنها تنتهك القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
صحيفة نيويوركر رأت أنّ بكين تحاول استغلال الحرب لتقديم نفسها كـ”قوة استقرار عالمية” في مواجهة صورة أميركية مرتبطة بالفوضى والحروب.
الفرق الجوهري أنّ الصين لا تسعى حالياً إلى احتلال عسكري أو تغيير أنظمة، بل إلى توسيع نفوذها عبر الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا. وهذا ما يجعل عدداً متزايداً من دول الشرق الأوسط يفتح قنوات أوسع مع بكين.
الذكاء الاصطناعي والحرب الباردة الجديدة
الصراع بين واشنطن وبكين لم يعد محصوراً بالتجارة أو الجغرافيا السياسية، بل انتقل إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، الذي بات يُنظر إليه كسلاح القرن الحادي والعشرين.
الولايات المتحدة فرضت قيوداً واسعة على تصدير الرقائق الإلكترونية المتقدمة إلى الصين، في محاولة لمنعها من الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة. لكنّ الصين ردّت بتسريع برامجها الوطنية وتطوير سلاسل إنتاج مستقلة.
التقديرات الغربية تشير إلى أنّ السيطرة على الذكاء الاصطناعي ستحدد مستقبل الاقتصاد العالمي وأنظمة التسليح والسيطرة على البيانات والبنية التحتية الرقمية. ولهذا يصف كثير من الباحثين الصراع الحالي بأنه "حرب باردة جديدة"، لكن بأدوات مختلفة عن القرن الماضي.
دراسات أكاديمية حول العلاقات الأميركية – الصينية اعتبرت أنّ الصراع الحالي يتجاوز الاقتصاد إلى "صراع على قيادة النظام الدولي نفسه".
تراجع الثقة بالحماية الأميركية
من أبرز نتائج الحرب على إيران أنّ عدداً من حلفاء واشنطن بدأوا يعيدون النظر في الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة كضامن للأمن.
حتى الدول الخليجية التي ارتبطت لعقود بالمظلة الأميركية، بدأت بتوسيع علاقاتها مع الصين وروسيا، سواء في مجالات الطاقة أو الاقتصاد أو التسليح أو الوساطات السياسية.
هذا التحوّل نابع من إدراك متزايد بأنّ الولايات المتحدة لم تعد قادرة على إدارة كل الأزمات العالمية في وقت واحد، وأنّ الحروب الطويلة أضعفت قدرتها على فرض الاستقرار.
تقارير إعلامية وتحليلات غربية تحدثت عن قلق متزايد لدى حلفاء واشنطن من “تراجع الموثوقية الأميركية” بعد الحرب على إيران والانقسامات الداخلية داخل الولايات المتحدة نفسها.
في المقابل، تحاول الصين تقديم نفسها كشريك اقتصادي طويل الأمد، يركّز على التنمية والبنية التحتية والتبادل التجاري بدلاً من التدخلات العسكرية المباشرة.
تعدد الأقطاب لم يعد نظرية
قبل سنوات كان الحديث عن “تعدد الأقطاب” يُطرح كتصور مستقبلي أو فكرة أكاديمية، أما اليوم فقد أصبح واقعاً سياسياً يتجسد في الاقتصاد والطاقة والتحالفات الدولية.
فروسيا استعادت جزءاً من نفوذها العسكري والسياسي، والصين باتت قوة اقتصادية وتكنولوجية عالمية، ودول كالهند والبرازيل وجنوب أفريقيا تحاول لعب أدوار أكثر استقلالية ضمن تكتلات مثل “بريكس”.
حتى المؤسسات الدولية بدأت تشهد تراجع القدرة الأميركية على التحكم الكامل بقراراتها، مع تنامي الاعتراضات الدولية على السياسات الأميركية ورفض العقوبات الأحادية.
هذا لا يعني نهاية الولايات المتحدة كقوة عظمى، لكنها لم تعد قادرة على فرض رؤيتها منفردة كما حدث بعد غزو العراق أو خلال تسعينيات القرن الماضي.
عالم جديد يولد وسط الصراعات
التحوّل الجاري اليوم ليس انتقالاً هادئاً، بل عملية معقدة ومليئة بالصراعات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية.
فالتاريخ يظهر أنّ القوى الكبرى نادراً ما تتخلى عن نفوذها بسهولة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقيادة النظام الدولي.
لكنّ العالم الحالي أكثر ترابطاً اقتصادياً من أي وقت مضى، ما يجعل أي مواجهة شاملة بين القوى الكبرى كارثية على الجميع. ولهذا يبدو أنّ الاتجاه السائد هو “إدارة الصراع” لا الانزلاق إلى حرب عالمية مباشرة.
القمة بين ترامب وشي قد لا تحلّ كل الخلافات، لكنها قد تؤسس لمرحلة جديدة عنوانها: إدارة التوازنات الدولية بدل الهيمنة المنفردة.
وفي قلب هذا التحول، برزت الحرب على إيران كحدث كشف حدود القوة الأميركية، وأظهر أنّ استخدام القوة العسكرية لم يعد كافياً لفرض الإرادة السياسية، وأنّ العالم يدخل تدريجياً مرحلة جديدة تتوزع فيها القوة بين أكثر من قطب دولي، في مشهد يبدو مختلفاً جذرياً عن عالم ما بعد الحرب الباردة.