انكسار معادلة الردع.. كيف أعادت إيران رسم هندسة القوة في سماء الشرق الأوسط وتجاوزت منظومات التفوق الإسرائيلي الأميركي
انفوبلس/..
في التحولات الأخيرة التي شهدتها المنطقة، لم يعد الحديث عن الصراع الإيراني –الإسرائيلي – الأميركي يدور حول التفوق التقليدي في القوة الجوية أو التكنولوجيا العسكرية وحدها، بل انتقل إلى مستوى أعمق يتعلق ببنية الردع نفسها، وحدود القدرة الغربية على حماية فضائها الاستراتيجي في مواجهة تطور نوعي في منظومات الصواريخ والطائرات المسيّرة.
من وجهة النظر الإيرانية، وما تعكسه تصريحات مسؤولين ومراكز دراسات قريبة من هذا التوجه، فإن ما جرى خلال المواجهات الأخيرة لم يكن مجرد تبادل ضربات، بل اختباراً عملياً لمنظومات الدفاع الجوي الأكثر تطوراً في العالم، وعلى رأسها “القبة الحديدية” الإسرائيلية، وأنظمة “ثاد” و“باتريوت” الأميركية، والتي أظهرت - وفق هذا التقييم - محدودية واضحة أمام تكتيكات الإغراق الناري وتعدد مسارات الهجوم.
تحوّل في فلسفة الحرب
تؤكد القراءة الإيرانية أن طبيعة الحروب في المنطقة تغيّرت جذرياً خلال العقد الأخير. فبدلاً من الغزو البري المباشر كما حدث في العراق وأفغانستان، انتقل الصراع إلى “حروب من خارج المجال البري”، تعتمد على الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، مقابل أنظمة دفاعية باهظة ومعقدة.
هذا التحول، بحسب هذا التصور، منح إيران هامشاً استراتيجياً لتطوير ما تعتبره “معادلة ردع غير متكافئة”، تقوم على قدرة إنتاجية واسعة للصواريخ الباليستية والمتوسطة المدى، إضافة إلى تطوير المسيّرات الانتحارية، مقابل استنزاف الخصوم في مخزونهم الدفاعي الاعتراضي.
اختبار القبة الحديدية: حدود النظام الدفاعي
في الهجوم الإيراني المباشر الذي استهدف العمق الإسرائيلي، برزت “القبة الحديدية” بوصفها أحد أهم أنظمة الدفاع الجوي في العالم. غير أن القراءة الإيرانية للنتائج تشير إلى أن النظام صُمم أساساً للتعامل مع تهديدات قصيرة المدى، مثل صواريخ الهاون أو الصواريخ غير الموجهة، وليس مع صواريخ باليستية عالية السرعة أو هجمات مركّبة متعددة الاتجاهات.
وتشير هذه القراءة إلى أن بعض الصواريخ التي أُطلقت مثل نماذج من عائلة “قيام” و“فاتح” تتميز بسرعة تفوق سرعة الصوت بعدة مرات، وبمسار طيران شبه باليستي أو متغير، ما يجعل عملية الاعتراض أكثر تعقيداً، خصوصاً عند دمجها مع موجات من الطائرات المسيّرة التي تعمل على إرباك الرادارات وتشتيت منظومات التتبع.
استراتيجية الإغراق الناري
أحد أهم عناصر التحليل الإيراني يتمثل في مفهوم “الإغراق الناري”، وهو تكتيك يقوم على إطلاق عدد كبير من الأهداف في وقت متزامن، تشمل صواريخ باليستية ومسيّرات منخفضة التكلفة، بهدف إنهاك أنظمة الدفاع الجوي وإجبارها على توزيع قدراتها بشكل غير متوازن.
وفق هذا التصور، فإن كل نظام دفاعي - even الأكثر تطوراً - يملك سقفاً تشغيلياً محدداً، سواء من حيث عدد الرادارات أو سرعة معالجة البيانات أو عدد الصواريخ الاعتراضية الجاهزة للإطلاق. وعندما يتجاوز الهجوم هذا السقف، تبدأ الفجوات بالظهور.
وتشير التقديرات التي يتم تداولها في هذا السياق إلى أن البطاريات الدفاعية الإسرائيلية تعمل ضمن حدود ذخائر محدودة نسبياً في كل اشتباك، ما يجعل استنزافها هدفاً استراتيجياً بحد ذاته، وليس مجرد نتيجة جانبية.
معركة المخزون: الحرب غير المرئية
في خلفية المواجهة العسكرية، تدور حرب أخرى لا تقل أهمية: حرب المخزون العسكري. فأنظمة مثل “ثاد” و“باتريوت” و“حيتس” تعتمد على إنتاج محدود نسبياً من الصواريخ الاعتراضية، بسبب التعقيد الصناعي وارتفاع تكلفة الإنتاج.
هذه نقطة ضعف مركزية في المنظومة الغربية. فبينما يمكن للصواريخ الباليستية أن تُنتج بوتيرة أسرع وبكلفة أقل نسبياً، فإن الصواريخ الاعتراضية تتطلب سلاسل تصنيع معقدة، تشمل مواد نادرة، ومحركات صاروخية دقيقة، واختبارات أمان طويلة.
هذا التفاوت في الإيقاع الصناعي يعني، بحسب هذا الطرح، أن أي حرب استنزاف طويلة قد تميل تدريجياً لصالح الطرف الذي يمتلك قدرة إنتاج أسرع وأرخص، وليس بالضرورة الطرف الأكثر تطوراً تكنولوجياً.
البعد الصناعي: نقطة الضعف الغربية
في هذا السياق، يتم التركيز على البنية الصناعية العالمية التي تقوم عليها صناعة الدفاع الغربية. فالعناصر الأرضية النادرة، مثل النيوديميوم والغاليوم والجرمانيوم، تلعب دوراً محورياً في تصنيع الرادارات وأنظمة التوجيه.
وتشير هذه القراءة إلى أن السيطرة الصينية على جزء كبير من سلاسل توريد هذه المواد يمنح بكين قدرة غير مباشرة على التأثير في الإيقاع الصناعي العسكري الغربي.
وبالتالي، فإن أي توسع في المواجهات الإقليمية قد يصطدم ليس فقط بالقدرات العسكرية، بل أيضاً بالقيود الصناعية العالمية.
إعادة تعريف الردع
ما يجري لا يمكن اعتباره مجرد مواجهة عسكرية، بل إعادة صياغة لمفهوم الردع نفسه. فبدلاً من الردع القائم على التفوق الجوي أو النووي غير المعلن، يتشكل اليوم نمط جديد يقوم على “تشتيت القدرة الدفاعية للخصم عبر الضغط الكمي والتقني المتزامن”.
هذا التحول، بحسب هذا التصور، يقلل من قيمة التفوق التكنولوجي التقليدي، ويزيد من أهمية القدرة على الصمود والاستمرار في الإنتاج خلال الحرب.
الرسالة الاستراتيجية
الرسالة التي تبرز من هذا الإطار التحليلي هي أن أي مواجهة مستقبلية في المنطقة لن تكون سريعة أو حاسمة كما كان يُعتقد سابقاً، بل ستكون معركة استنزاف طويلة، تعتمد على القدرة على الحفاظ على المخزون، وإعادة الإنتاج، وتحمّل الضغوط الاقتصادية والصناعية.
كما أن هذه القراءة تشير إلى أن الاعتماد المفرط على أنظمة الدفاع الصاروخي، رغم أهميتها، لا يمكن أن يشكل درعاً مطلقاً، بل منظومة تخضع هي الأخرى لقوانين الإرهاق والتشبع.
توازن يتشكل من جديد
في النهاية، ترى القراءة الإيرانية أن ما حدث لم يكن مجرد اختبار عابر، بل لحظة تحول في بنية الصراع الإقليمي. فالمعادلات القديمة التي كانت تمنح التفوق المطلق لمن يمتلك التكنولوجيا الأكثر تقدماً بدأت تتآكل أمام تطور أدوات الردع غير المتكافئ.
وبينما تستمر إسرائيل والولايات المتحدة في تطوير أنظمة اعتراض أكثر تقدماً، فإن ايران تعمل في الاتجاه المقابل على توسيع قدراتها الهجومية الكثيفة والمنخفضة التكلفة.