جوائز بالملايين مقابل سلَع زهيدة.. تسويق مشاهير التواصل الاجتماعي يُشعل الأسواق ويضع المستهلك أمام اختبار الشفافية
انفوبلس/..
في مشهدٍ تسويقي غير مألوف، بدأت الأسواق المحلية خلال الأشهر الأخيرة تشهد تصاعداً لافتاً في أنشطة ترويجية يقودها مشاهير وصناع محتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تحولت منتجات استهلاكية بسيطة، لا تتجاوز قيمتها بضعة آلاف من الدنانير، إلى بوابة لجوائز ضخمة تشمل سيارات فارهة، وهواتف ذكية، وسبائك ذهب، ومبالغ نقدية مغرية.
هذه الظاهرة، التي انتشرت بسرعة كبيرة، أعادت رسم سلوك المستهلك وغيرت قواعد التسويق التقليدي، وسط إقبال جماهيري واسع يقابله جدل متصاعد حول أبعادها القانونية والمالية وحدودها المشروعة.
اندفاع جماهيري غير مسبوق
في الأسواق ومحال البيع، بات مشهد تكدس كميات كبيرة من منتج واحد أمراً مألوفاً، حيث يسارع المستهلكون لشراء عشرات وربما مئات الوحدات من السلعة نفسها، أملاً بالفوز بجائزة كبرى. ولم يقتصر الأمر على الشراء فقط، بل امتد إلى توثيق هذه المشتريات ونشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي، في سلوك يشبه “الترويج الذاتي” أو “الاستجداء الرقمي” كما يصفه بعض المختصين.
ويقول أحد الباعة في سوق محلي إن الطلب على بعض هذه المنتجات ارتفع خلال فترة قصيرة بشكل غير طبيعي، مضيفاً أن “الزبائن لا يسألون عن جودة المنتج أو فائدته، بقدر سؤالهم عن عدد الكوبونات وفرص الفوز”.
تسويق بواجهة الجوائز
يقف خلف هذه الحملات مشاهير يمتلكون ملايين المتابعين، استثمروا ثقة جمهورهم للترويج لمنتجات تحمل أسماءهم الشخصية أو شعاراتهم، عبر حملات إعلانية رقمية مكثفة. ويجري الإعلان عن الجوائز بأسلوب استعراضي، حيث تُعرض السيارات الفارهة أو الذهب في مقاطع فيديو قصيرة، غالباً ما تحصد ملايين المشاهدات خلال ساعات.
ويرى مختصون في مجال التسويق أن هذا الأسلوب يعتمد على “اقتصاد الحلم السريع”، إذ يتم ربط الشراء بإمكانية تغيير الواقع المعيشي فجأة عبر الفوز بالجائزة، ما يدفع الجمهور إلى قرارات استهلاكية عاطفية أكثر منها عقلانية.
أرقام تثير التساؤل
الخبير الاقتصادي جليل اللامي حذر من تصاعد هذه الظاهرة، مشيراً إلى وجود فجوة واضحة بين قيمة المنتجات المطروحة وحجم الجوائز المعلنة.
وقال اللامي إن سعر كيس الجبس في السوق المحلي يتراوح بين 5 إلى 8 آلاف دينار عراقي، في حين تصل قيمة سيارة فارهة واحدة إلى ما بين 10 و15 ألف دولار، أي ما يعادل أكثر من 22 مليون دينار عراقي.
وأوضح أن هذا الفارق الكبير يثير تساؤلات منطقية حول عدد الوحدات المباعة وهوامش الربح ومصادر تمويل الجوائز، خصوصاً عندما يتم الإعلان عن أكثر من جائزة كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة.
وفي عملية حسابية مبسطة، ووفق أسعار السوق، يبلغ سعر كيس الجبس الواحد نحو 250 ديناراً عراقياً في بعض الحملات، بينما لا يقل سعر السيارة المعروضة كجائزة عن 16 مليون دينار. وباحتساب الفارق، فإن تغطية قيمة سيارة واحدة فقط تتطلب بيع ما لا يقل عن 64 ألف كيس جبس، دون احتساب تكاليف الإنتاج والنقل والتسويق والضرائب وبقية الجوائز المرافقة.
بين التسويق وغسل الأموال
قانونياً، لا يمكن تصنيف هذه الأنشطة تلقائياً على أنها غسل أموال، إذ يشترط القانون وجود أموال متحصلة من جريمة أصلية ومحاولة إخفاء مصدرها. إلا أن مختصين يؤكدون أن غياب الشفافية والرقابة يجعل هذا النوع من السحوبات التجارية من أكثر الأنشطة عرضة للاستغلال المالي.
ويشير خبراء بالشأن المالي إلى أن تضخم الإيرادات خلال فترة قصيرة، مع غياب الإفصاح المالي الواضح، قد يضع الجهات المنظمة تحت مجهر هيئات مكافحة غسل الأموال، خاصة إذا لم تكن حركة الأموال ومصادرها وآليات الإنفاق معلنة بشكل شفاف.
فجوة تنظيمية محلية
عند مقارنة الواقع المحلي بالتجارب الدولية، تتضح فجوة تنظيمية كبيرة. ففي الولايات المتحدة وبريطانيا، يُلزم المؤثرون بالإفصاح الكامل عن مصادر دخلهم، وتُفرض ضرائب مباشرة على أرباح الإعلانات والتسويق، كما تخضع الحملات الترويجية المصحوبة بجوائز لقوانين صارمة تحدد قيمة الجوائز وآليات السحب بشكل واضح.
أما في دول الاتحاد الأوروبي، فتُصنف هذه الأنشطة ضمن الأنشطة التجارية الخاضعة لقوانين حماية المستهلك ومنع الخداع، وقد تؤدي أي مخالفات أو تضليل إعلاني إلى غرامات مالية كبيرة. وفي المقابل، نظمت دول إقليمية مثل الإمارات والسعودية عمل المؤثرين عبر تراخيص رسمية وربط نشاطهم بالإفصاح الضريبي، مع حظر أي حملات جوائز غير مرخصة أو غير واضحة المصدر.
اقتصاد مؤثرين بلا مسارات محاسبية
محلياً، يعكس المشهد فراغاً رقابياً واضحاً في تنظيم اقتصاد المؤثرين. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن بعض الحسابات الرقمية تحقق إيرادات شهرية بعشرات أو حتى مئات الملايين من الدنانير، دون وجود مسارات محاسبية أو ضريبية معلنة تتناسب مع حجم الإنفاق الإعلاني والجوائز المقدمة.
ويرى مختصون أن الإشكالية لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما تتعلق بالمنظومة التنظيمية، محذرين من أن استمرار هذا الفراغ قد يحوّل منصات التواصل الاجتماعي من أدوات تسويق حديثة إلى قنوات مالية موازية خارج الإطار القانوني.
المستهلك الحلقة الأضعف
وسط هذا المشهد، يبقى المستهلك الطرف الأكثر عرضة للخسارة. فغالبية المشترين يقبلون على هذه المنتجات بدافع الفوز بالجائزة لا لقيمتها الفعلية، ما يجعلهم ينفقون مبالغ قد لا تتناسب مع دخلهم، مقابل فرصة غير مضمونة.
ويؤكد مراقبون أن هذا السلوك يخلق سوقاً مشوهاً، تُضخ فيه أموال كبيرة خلال فترات قصيرة، دون رقابة واضحة على آليات السحب أو شفافية الإعلان عن نسب الفوز وعدد المشاركين الفعليين.
دعوات للتنظيم لا المنع
ويرى مختصون أن معالجة هذه الظاهرة لا تتطلب المنع المطلق، بقدر ما تحتاج إلى تنظيم واضح، يشمل إلزام الجهات المنظمة بالحصول على تراخيص رسمية، والإفصاح عن مصادر التمويل، وتحديد آليات سحب خاضعة للرقابة، بما يحقق التوازن بين حرية النشاط التجاري وحماية المستهلك والاقتصاد.
ويحذر الخبراء من أن استمرار الوضع الحالي دون تدخل قد يقوض الثقة بالاقتصاد الرقمي، ويضر بعدالة السوق، ويفتح الباب أمام شبهات مالية يصعب احتواؤها لاحقاً.
