الحاج "أبو حسين الحميداوي" في شوارع كربلاء: قراءة في دلالات الظهور وكسر هيبة الاستخبارات الأمريكية
انفوبلس/ تقرير
في لحظة فارقة من تاريخ الصراع المحتدم بين فصائل المقاومة العراقية والولايات المتحدة، شهدت مدينة كربلاء المقدسة حدثاً لم يكن في حسبان دوائر الاستخبارات في واشنطن ولا الأقمار الصناعية التي ترقب الأرض العراقية على مدار الساعة. فبينما كانت وزارة الخارجية الأمريكية تنتظر مكالمة تبيع لها معلومة عن "المطلوب الأول" مقابل عشرة ملايين دولار، كان الحاج أحمد محسن الحميداوي (أبو حسين)، الأمين العام للمقاومة الاسلامية كتائب حزب الله، يشق صفوف الجماهير في "مسيرة النصر" بزيّه العربي الأصيل، ليعلن بدء مرحلة التحدي العلني.
الجغرافيا والرسالة.. لماذا كربلاء؟
لم يكن اختيار مدينة كربلاء لظهور الحاج الحميداوي الأول والعلني مجرد صدفة جغرافية، بل كان اختياراً محملاً بالرموز والدلالات الاستراتيجية أولها "الحاضنة الشعبية" حيث الظهور في كربلاء، قلب الجنوب العراقي والعمق العقائدي للمكون الشيعي، يرسل رسالة مفادها أن القائد لا يحتاج إلى ثكنات محصنة طالما يتحرك وسط "أهله وناسه".
-
الحاج الحميداوي خلال مسيرة النصر في كربلاء المقدسة
وكذلك تحدي "المكافأة"، إذ عرضت واشنطن 10 ملايين دولار، مبلغ كفيل بإغراء الكثيرين في أي مكان في العالم، لكن ظهور الحاج الحميداوي دون حراسة مشددة مبالغ فيها وسيره لمسافات طويلة في الشوارع الرئيسية، كان "سخرية ميدانية" من فكرة شراء الولاءات بالمال. بالإضافة الى الرمزية الدينية حيث إن المشاركة في "مسيرة النصر" بمدينة الحسين تعطي الانطباع بأن المعركة الحالية هي امتداد للقيم السيادية والعقائدية التي تمثلها المدينة، وتربط بين "المقاومة المسلحة" و"الهوية الوطنية".
الحاج "أبو حسين الحميداوي".. القائد الذي خرج من الظل
لطالما كان الحاج الحميداوي الشخصية الأكثر غموضاً في منظومة الفصائل. ومنذ توليه القيادة خلفاً للشهيد القائد أبو مهدي المهندس في عام 2020، ظل لغزاً يحير أجهزة المخابرات الدولية.
ولد في جنوب العراق عام 1971، ونشأ في بيئة عُرفت بصلابتها وعروبتها. هذا الانتماء الجنوبي ظهر جلياً في ارتدائه (العقال والثوب الأسود) خلال ظهوره، وهو ما اعتبره المتابعون تأكيداً على "عراقية وجنوبية" المقاومة في وجه محاولات "شيطنتها" أو عزلها عن نسيجها القومي.
وهذا النوع من الرمزية البصرية يُستخدم كثيراً في الرسائل السياسية غير المباشرة، حيث تتحول التفاصيل الصغيرة إلى أدوات خطابية. فالزي العربي، خصوصاً في مناطق جنوب العراق، يعبر عن الانتماء الاجتماعي والقبلي، ويرتبط بفكرة الأصالة والعروبة والهوية المحلية.
كما يُعرف الحاج الحميداوي داخل الحشد الشعبي بتبنيه الخط "العقائدي المتشدد" تجاه الوجود الأجنبي. فهو لا يؤمن بأنصاف الحلول في ملف السيادة، وبرز اسمه بقوة بعد عام 2020 كقائد استطاع الحفاظ على تماسك الكتائب وتطوير قدراتها الصاروخية والجوية (المسيّرات) لتصل إلى مراحل متقدمة من الردع.
ومن هذا الموقع، أصبح الحاج الحميداوي أحد أبرز الأسماء المرتبطة بالخطاب العسكري للفصائل، خصوصاً في الملفات المتعلقة بالوجود الأمريكي في العراق والتوترات الإقليمية.
فشل الاستخبارات الأمريكية.. المليارات لا تصنع المعلومات
الخارجية الأمريكية، وعبر برنامج "مكافآت من أجل العدالة"، وجهت اتهامات للحميداوي بالتورط في هجمات ضد مصالحها. لكن السؤال الذي يطرحه الشارع العراقي اليوم: كيف يمكن لدولة عظمى ترصد 10 ملايين دولار لـ "معلومات" عن شخص، بينما هذا الشخص يسير علناً في واحدة من أكثر مدن العراق ازدحاماً؟
وتتباهى واشنطن بقدرتها على تتبع بصمة الوجه والصوت، لكن الحاج الحميداوي بظهوره "البسيط" أثبت أن العامل البشري والولاء العقائدي يتفوق على التكنولوجيا. كما ان المكافأة المالية كانت تهدف إلى خلق حالة من الريبة حول القائد، لكن استقبال الجماهير له "استقبال الفاتحين" عكس فجوة كبيرة بين الرؤية الأمريكية للمقاومة والرؤية الشعبية لها.
والظهور العلني يعني أن الحميداوي يسيطر تماماً على أمنه الشخصي، وأنه يثق في أجهزته الاستخباراتية الخاصة التي استطاعت تأمين هذا الظهور في ظل وجود طيران مسيّر أمريكي لا يفارق سماء العراق.
"مسيرة النصر" وسياق المواجهة الإقليمية
يأتي ظهور الحاج الحميداوي في ظل مشاركة المقاومة الاسلامية كتائب حزب الله منذ مطلع مارس/آذار الماضي في عمليات واسعة دعماً لمحور المقاومة في مواجهة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية.
والظهور يقول لواشنطن إن المقاومة الإسلامية "كتائب حزب الله" ليست منظمة "تحت أرضية" فحسب، بل هي كيان اجتماعي وسياسي وعسكري متجذر لا يمكن اجتثاثه بضربات جوية أو قوائم إرهاب. والرسائل التي واكبت الظهور أكدت على التضامن المطلق مع محور المقاومة، مما يقطع الطريق أمام أي محاولات أمريكية لعزل الفصائل العراقية عن عمقها الاستراتيجي في المنطقة.
يشير الخبراء إلى أن واشنطن قد تتجه الآن لتغيير قواعد اللعبة. فبما أن الحميداوي أصبح "هدفاً معلناً" وخرج إلى العلن، فإن القلق يتعلق باحتمالية لجوء الولايات المتحدة لعمليات "اغتيال" غادرة خارج أطر التفاوض السياسي. ومع ذلك، فإن الحميداوي بظهوره هذا قد "حرق الأوراق"؛ فالاغتيال بعد هذا الظهور الجماهيري سيفجّر غضباً شعبياً لا تستطيع واشنطن ولا الحكومة العراقية احتواءه.
وبحسب خبراء، فإن هذا الظهور "المفاجئ" ينهي الشائعات التي روجت لإصابته في الضربات السابقة، ويضع واشنطن في موقف محرج أمام حلفائها، حيث ظهر "المطلوب الأول" وهو يسير طويلاً بين الحشود دون أي عوائق أمنية.
ردود فعل الشارع العراقي
احتفت منصات التواصل الاجتماعي والعديد من الأوساط الشعبية بظهور الحاج الحميداوي بالزي العربي (العقال والثوب)، حيث رأى الكثير من المدونين والمواطنين أن هذا الاختيار يمثل رسالة "هوية" قوية. والقائد عراقي جنوبي ينتمي لهذه الأرض، وليس "شخصية غريبة" كما تحاول الماكينة الإعلامية الغربية تصويره.
كما سادت موجة من الفخر في مناطق مثل جنوب العراق (مسقط رأسه) والبصرة وكربلاء، حيث اعتبروا أن "شجاعة" القائد في السير بين الحشود تكسر هيبة "الجوكر" الأمريكي والمكافآت المالية.
تحولت مكافأة الـ 10 ملايين دولار إلى مادة للسخرية والتهكم في الشارع العراقي؛ إذ تساءل ناشطون: "كيف تعرض واشنطن الملايين للبحث عن شخص يسير في شوارع كربلاء بوضح النهار؟". إذ أدى الظهور إلى إضعاف ثقة الجمهور في القدرات الاستخباراتية الأمريكية، وصُوّر الأمر على أنه فشل تقني ومعلوماتي ذريع أمام "البساطة" العراقية.
خلاصة الدلالات
وهنا يمكن قول إن الدلالات هي "كسر الهيبة الاستخباراتية (الصفعة الرقمية)"، إذ أولى الدلالات وأبرزها هي إثبات فشل المنظومة الاستخباراتية الأمريكية. فبعد أيام من رصد 10 ملايين دولار كـ "ثمن" لمعلومة تدل على مكانه، ظهر الحاج الحميداوي يسير على قدميه في شوارع كربلاء المزدحمة. هذه الخطوة جردت "المكافأة المالية" من قيمتها العملية وحولتها إلى أداة سخرية، مؤكدةً أن التكنولوجيا الأمريكية (من أقمار صناعية وطائرات مسيرة) عجزت عن رصد قائد يتحرك وسط حاضنته الشعبية.
وكذلك رسالة "الهوية والسيادة" (العقال والثوب)، حيث إن ارتداء الحاج الحميداوي للزي العربي الأصيل (العقال والعباءة) بدلاً من الزي العسكري أو التخفي، يحمل دلالة رمزية عالية وهي التجذر والتأكيد على أنه "ابن الأرض" وعراقي جنوبي ينتمي لهذا النسيج الاجتماعي، وليس مجرد "رقم" في قائمة أهداف دولية. بالإضافة الى السيادة، إذ الرسالة هنا هي أن "أهل الأرض هم حماتها"، وأن الشرعية تُستمد من الشارع العراقي لا من الاعتراف الدولي أو التهديدات الخارجية.
وثالث الدلالات هي "المكان والتوقيت" (كربلاء ومسيرة النصر)، حيث إن اختيار كربلاء في هذا التوقيت (خلال مسيرة النصر) يحمل أبعاداً عقائدية وسياسية، وهي العمق الاستراتيجي، إذ إن كربلاء هي رمز المقاومة والتضحية، وظهوره فيها يربط نشاط الكتائب بالقيم التاريخية والدينية للمكون الأكبر في العراق. وكذلك تحدي "الاستهداف"، إذ الظهور في مكان مفتوح ومكتظ بالسكان يمثل تحدياً أمنياً كبيراً؛ فإقدامه على هذه الخطوة يعني امتلاكه "ثقة مطلقة" في أجهزته الأمنية الخاصة وقدرتها على تحييد أي خطر تقني أو بشري خلال الجولة.
وايضاً رفع الروح المعنوية لـ "محور المقاومة"، حيث يأتي الظهور في ذروة الصراع الإقليمي الحالي، ليعطي دفعة معنوية هائلة لمقاتلي الفصائل. رؤية "القائد المطلوب الأول" وهو يتجول ببساطة بين الناس، تكسر حاجز الخوف وترسخ فكرة أن "القيادة في قلب الميدان"، مما يعزز التلاحم بين القواعد الشعبية والقيادات العليا. وكذلك نفي الشائعات وتثبيت "الشرعية الميدانية"، إذ كانت هناك تقارير إعلامية (غربية وعربية) تروج لإصابة الحاج الحميداوي أو مغادرته العراق أو حتى استشهاده في ضربات سابقة. ظهوره العلني وسيره لمسافات طويلة أنهى هذه الشائعات تماماً، وأثبت أنه يمسك بزمام الأمور فعلياً وليس صورياً.
ومن الدلالات ايضاً رسالة "اللاعودة" في المواجهة، إذ بهذا الظهور، أعلن الحاج الحميداوي الانتقال من مرحلة "السرية التنظيمية" إلى مرحلة "القيادة العلنية المتحدية". هي رسالة لواشنطن بأن "المقاومة" لم تعد تخشى التهديدات المباشرة، وأنها مستعدة للمواجهة الشاملة، معتبرةً أن أي محاولة اغتيال بعد هذا الظهور ستكون "انتحاراً سياسياً" لأمريكا داخل العراق، كونها ستستهدف رمزاً وطنياً يسير وسط شعبه.
انتصار الإرادة على "سوق النخاسة"
في النهاية يمكن القول إن مشهد الحاج أبو حسين الحميداوي وهو يسير بوقار الزي العربي في كربلاء، سيظل محفوراً في ذاكرة الصراع العراقي-الأمريكي كأكبر عملية "تسقيط" لمنظومة المكافآت الاستخباراتية. لقد أثبت "العراقي الجنوبي الشجاع" أن السيادة والكرامة والمبادئ لا تُباع بعشرة ملايين ولا بمئة مليون.
الرسالة النهائية لواشنطن كانت واضحة: "ها أنا ذا بين أهلي وناسي.. لا تحتاجون للمال لتعرفوا أين أقف، لكنكم تحتاجون للكثير من الشجاعة لتواجهوا حقيقة أنكم فقدتم السيطرة على الأرض التي ادعيتم يوماً حمايتها".
