انفوبلس تفصّل المقترح الإيراني الجديد الذي وضع البيت الأبيض في حالة استنفار
انفوبلس/ تقرير
في ربيع عام 2026، وبينما لا تزال جراح "حرب الـ40 يوماً" التي اندلعت في فبراير الماضي لم تندمل بعد، دخلت الأزمة (الإيرانية - الأمريكية) منعرجاً ديبلوماسياً هو الأخطر والأكثر تعقيداً. ففي الوقت الذي يترقب فيه العالم انفجاراً جديداً، خرجت طهران بمناورة تفاوضية أطلق عليها المراقبون "مقترح الفصول الثلاثة"، وهي مبادرة قدمتها عبر القناة الباكستانية تهدف إلى تفكيك الارتباط العضوي بين أمن الطاقة العالمي وبين الطموح النووي الإيراني.
هذا التقرير يشرح بعمق زوايا هذا المقترح، والموقف الأمريكي المتصلب، وفرص النجاة من ثقب "هرمز" الأسود.
فلسفة المقترح الإيراني.. الفصل الجراحي للملفات
جاء المقترح الإيراني الذي كشف عنه موقع "أكسيوس" الأمريكي ليعكس واقعاً ميدانياً جديداً فرضته هجمات فبراير الجوية والحصار البحري المتبادل. الجوهر الحقيقي لهذا المقترح ليس التنازل، بل هو "إعادة ترتيب الأولويات" أو ما يسميه الدبلوماسيون "التفاوض تحت الضغط العالي".
تدرك طهران أن خناق الحصار الأمريكي لن يستمر. لذا، قدمت مقترحاً يقوم على مبدأ "المضيق أولاً، والنووي لاحقاً". هذا الفصل يهدف إلى تخفيف الضغط الدولي عبر فتح مضيق هرمز، تستعيد إيران دورها كـ "ضامن لأمن الطاقة" بدلاً من "مهدد له"، مما يسحب ذريعة التدخل الدولي العسكري الواسع.
وكذلك الالتفاف على الانقسام الداخلي كما كشف الوزير عباس عراقجي للوسطاء الباكستانيين، لا يوجد إجماع في "مطبخ القرار" الإيراني حول التنازل في ملف التخصيب، لذا فإن ترحيل الملف النووي هو وسيلة لتوحيد الجبهة الداخلية خلف مكسب "رفع الحصار".
ولم يصدر من الجانب الإيراني ما ينفي أو يؤكد تقديم هذا المقترح. لكن وكالة الأنباء الإيرانية نقلت عن هيئة رئاسة البرلمان قولها إن جميع أركان النظام "متحدون ضد العدو"، وإنه لا خلاف بينهم. وفي تصريحات أدلى بها عراقجي في موسكو قبيل محادثاته مع نظيره الروسي والرئيس فلاديمير بوتين، قال إن المرور الآمن عبر مضيق هرمز قضية عالمية مهمة.
وأبقت طهران مضيق هرمز مغلقاً إلى حد كبير، وهو الممر البحري الذي يمر عبره عادة نحو 20 بالمئة من شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال للأسواق العالمية، وفرضت واشنطن حصاراً على موانئ إيران.
وصباح أمس الأحد، قال وزير الخارجية الإيراني إنه التقى سلطان عمان هيثم بن طارق آل سعيد، وأجرى مباحثات معه ومع كبار المسؤولين في السلطنة. وذكرت وزارة الخارجية الإيرانية في بيان أن عراقجي ناقش خلال محادثاته في سلطنة عمان الأمن في مضيق هرمز ومياه الخليج بشكل عام، والجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الصراع الإيراني الأمريكي.
المراحل الثلاث لخارطة الطريق الإيرانية
وفقاً لتحليل الخبراء المقربين من دوائر صنع القرار في طهران، فإن المقترح لا يقتصر على الوعود الشفهية، بل هو "خارطة طريق" إجرائية تتألف من ثلاث محطات:
المرحلة الأولى (تثبيت الميدان): الانتقال من "وقف إطلاق النار الهش" الذي بدأ بعد ضربات 28 فبراير، إلى حالة "إنهاء العدوان" الشامل. هذه المرحلة تتطلب ضمانات أمريكية بعدم تكرار الهجمات الجوية على القواعد الصاروخية والمنشآت الحيوية.
المرحلة الثانية (مقايضة السيادة بالتدفق): هنا يقع جوهر العرض؛ إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية (التي يمر عبرها 20% من نفط العالم) مقابل رفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية وتأمين خطوط الائتمان التجاري.
المرحلة الثالثة (المناورة النووية): ترحيل النقاش حول نسب التخصيب إلى "مرحلة نضوج سياسي" لاحقة. ومع ذلك، قدمت إيران "بادرة حسن نية" تقنية تتمثل في تحويل مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى 20% لاستخدامات طبية، وهي خطوة تهدف لتقليل "المسافة الزمنية" التي تفصلها عن القنبلة النووية (Breakout Time) لإغراء البيت الأبيض.
"ورقة الأخضر" والمطالب المقابلة.. كلفة السلام
إيران لا تطرح السلام مجاناً؛ فخلف كل خطوة إجرائية قائمة من "الديون التاريخية" والطلبات المالية التعجيزية. وتتضمن القائمة الإيرانية:
التعويضات: تطالب طهران بغرامات مالية ضخمة جراء الأضرار التي لحقت بآلتها العسكرية واقتصادها خلال حرب فبراير 2026.
الأموال المجمدة: الإفراج الشامل عن الأرصدة الإيرانية في البنوك العالمية (منذ عام 1979 وحتى اليوم)، وهو مطلب ترى فيه واشنطن "انتحاراً مالياً".
رفع العقوبات: ليس فقط المرتبطة بالملف النووي، بل العقوبات "الإرهابية" والحقوقية التي كبّلت الاقتصاد الإيراني لسنوات.
الموقف الأمريكي.. ترامب في "غرفة العمليات"
في البيت الأبيض، يبدو المشهد مختلفاً تماماً. الرئيس دونالد ترامب، الذي يخوض مواجهة مفتوحة منذ فبراير، يرى في المقترح الإيراني "محاولة لشراء الوقت". الموقف الأمريكي المعلن، والذي أكده المحللون الاستراتيجيون في الحزب الجمهوري، يقوم على مبدأ "قاعدة التنس الأول"، أي لا يمكن الانتقال للنقطة الثانية قبل حسم النقطة الأولى، والأولى هنا هي اليورانيوم.
البيت الأبيض يرفض "فصل الملفات" لعدة أسباب استراتيجية أولها أن ترامب الذي انسحب من اتفاق 2018 بحجة أنه "سيئ"، لا يمكنه قبول اتفاق "أقل تفصيلاً" يسمح لإيران بالاحتفاظ بقدرات التخصيب مقابل فتح ممر مائي. كما تخشى واشنطن أن يؤدي "وقف إطلاق النار الطويل" إلى منح إيران فرصة ذهبية لإعادة بناء ترسانتها الصاروخية وقواعد الطائرات المسيرة التي دُمرت في الضربات الجوية الأخيرة، وبالنسبة لواشنطن، مضيق هرمز هو "أزمة مؤقتة"، لكن السلاح النووي الإيراني هو "تهديد وجودي" دائم، ولن تقبل بمقايضة المؤقت بالدائم.
لا يُعرف حتى الآن كيف ستتصرف واشنطن مع المقترح الإيراني الجديد، ولكنَّ مراقبين يرون أنه يواجه عقبات جوهرية، أبرزها إصرار واشنطن على ربط كل شيء بالملف النووي.
قال أدولفو فرانكو -المحلل الاستراتيجي في الحزب الجمهوري– من واشنطن إن "الأمر يكمن في التفاصيل"، مضيفا "ما هو واضح في الوقت الحالي أن كل الأمور والقضايا مرتبطة بموضوع اليورانيوم الذي تملكه إيران، وكل القضايا الأخرى -سواء إعادة فتح مضيق هرمز أو رفع العقوبات- هي جزء من المفاوضات، ولكنْ كل ذلك مرتبط بموضوع اليورانيوم".
جغرافيا الوساطة.. من إسلام آباد إلى مسقط
واستضافت باكستان يوم 11 أبريل/نيسان جولة محادثات بين الطرفين لم تُفضِ إلى اتفاق، ثم أعلن الرئيس الأمريكي بعدها تمديد الهدنة مع إيران بناء على طلب باكستان "إلى حين تقديم طهران مقترحها"، دون تحديد مدة لذلك.
دخلت باكستان بقوة على خط الأزمة كـ "وسيط ميداني" بحكم الجوار الجغرافي والمصالح الاقتصادية المتضررة من الحرب. زيارة عراقجي لإسلام آباد لم تكن بروتوكولية، بل كانت "طبخاً" لهذا المقترح. في الوقت نفسه، عادت سلطنة عمان (الوسيط التقليدي) إلى الواجهة، حيث تعمل مسقط كـ "صندوق رسائل" سري لفك شيفرات المطالب الأمريكية الصعبة.
الدور العماني يتركز حالياً على تقريب وجهات النظر في "المرحلة الثانية" (مضيق هرمز)، نظراً لإشراف السلطنة المباشر على هذا الممر المائي وحيادها التاريخي الذي مكّنها من حل أزمات المحتجزين والأموال في العقدين الأخيرين.
ملف الصواريخ.. المسكوت عنه في المفاوضات
من الملاحظ في المقترح الإيراني والرد الأمريكي الأولي، تراجع الحديث عن "تدمير البرنامج الصاروخي". ويرى المحللون أن هذا التراجع يعود لسببين:
الاعتراف بالواقع: أمريكا و"إسرائيل" أعلنتا عن تدمير مئات القواعد الصاروخية في فبراير، وبالتالي فإن الإصرار على هذا الملف الآن قد يبدو اعترافاً ضمنياً بفشل الضربات في تحييد هذا الخطر تماماً.
الخط الأحمر الإيراني: طهران تعتبر صواريخها "أداة ردع سيادية" غير خاضعة للنقاش، وقد نجحت في فرض هذا الاستبعاد حتى الآن.
خلاصة النظرة المستقبلية: أيُّهما يسبق الآخر؟
نحن اليوم أمام صراع إرادات يتمحور حول سؤال واحد: اليورانيوم أم هرمز؟
واشنطن تريد "اليورانيوم أولاً" لضمان أمن "إسرائيل" وحلفائها، وطهران تريد "هرمز أولاً" لضمان بقاء اقتصادها، والاجتماع المرتقب لترامب في "غرفة العمليات" اليوم الاثنين سيوضح ما إذا كان العالم سيتنفس الصعداء بانفراجة ديبلوماسية، أم أن طبول الحرب ستدقّ مجدداً لتعلن نهاية الهدنة الهشّة.
العالم يترقب، والاقتصاد العالمي الذي يَئِنّ تحت وطأة التضخم بسبب إغلاق المضيق، لا يملك ترَفَ الوقت. فهل تكون "وساطة إسلام آباد" هي المخرج الأخير قبل الهاوية؟ أم أن إصرار واشنطن على "تصفير التخصيب" سيعيد صواريخ فبراير إلى السماء؟

