صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لقواته داخل قلعة الشقيف التاريخية في جنوب لبنان، 31 مايو 2026
انفوبلس/ تقارير
لا تنفك الغطرسة الاستعمارية الإسرائيلية تبحث لها عن انتصارات وهمية تغطي بها على عجزها الميداني وفشلها الاستراتيجي المتراكم، ففي مشهدٍ يعيد التذكير بـ "عقدة النقص" التي تطارد قادة الكيان الصهيوني منذ اندحارهم المذل من جنوب لبنان عام 2000، أطلّ وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس ليُمارس استعراضاً مسرحياً مكشوفاً، مُطلقاً سلسلة من التصريحات الجوفاء حول ما وصفه بـ "احتلال قلعة شقيف" التاريخية، في سياق حرب نفسية مكشوفة تهدف إلى تزوير الحقائق وتصوير التسلل العسكري المحدود كأنه إنجاز إمبراطوري غير مسبوق.
عقيدة الإبادة والضم
في مؤتمر صحفي يعجّ بلغة التعالي والغطرسة التي ميّزت الخطاب الصهيوني طوال حرب الإبادة الجماعية المستعرة، زعم يسرائيل كاتس أن قوات الاحتلال "ستبقى في القلعة ولن تنسحب منها"، متوعداً بهدم آلاف المنازل في جنوب لبنان.
وبحسب خبراء، فإن هذا التصريح لا يمثل مجرد تهديد عسكري عابر، بل هو اعتراف علني صارخ بالسياسة الاستعمارية الإسرائيلية الثابتة التي تقوم على قضم الأراضي العربية وتوسيع حدود الكيان عبر التدمير الممنهج، ومحاولة فرض ما يسمى "المناطق الأمنية العازلة" في عمق الأراضي اللبنانية، تماماً كما يفعل الاحتلال في قطاع غزة المكلوم وفي الجولان العربي السوري المحتل.
ولم يتأخر وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش، عن الانضمام إلى هذه الجوقة الدعائية، مؤكداً على البُعد الأيديولوجي التوسعي للمشروع الصهيوني؛ إذ اعتبر أن "العودة إلى قلعة شقيف هي تصحيح لخطأ تاريخي"، في إشارة واضحة إلى مرارة الهزيمة التي تجرعها جيش الاحتلال في أيار/ مايو من عام 2000، عندما هرب جنوده تحت جنح الظلام بعد حرب استنزاف قاسية خاضتها المقاومة اللبنانية الباسلة، ليعكس هذا التصريح حجم الهوس الإسرائيلي بالاستيلاء على الأرض العربية مهما طال الزمن.
شقيف أرنون: صخرة التاريخ الشامخة
تقف قلعة شقيف، أو "شقيف أرنون" كما سماها المؤرخون العرب مستمدين الاسم من السريانية التي تعني "الصخر الشاهق"، كشاهد حي على عروبة هذه الأرض وأصالتها، حيث ترتفع القلعة نحو 710 أمتار عن سطح البحر في موقع استراتيجي وجغرافي فريد يشرف على مساحات شاسعة من شمال فلسطين المحتلة، وتهيمن بنظرتها الشامخة على مجرى نهر الليطاني بالكامل، والطرق الحيوية التي تربط الساحل الجنوبي بالبقاع ووصولاً إلى دمشق، كما تطل على جبل الشيخ وسلسلة جبال لبنان الشرقية والجولان السوري المحتل.
-
صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لقواته داخل قلعة الشقيف التاريخية في جنوب لبنان، 31 مايو 2026
وبحسب مختصين في لبنان، فإن هذه القلعة التاريخيةالتي سماها الفرنجة "بوفور" (أي الصخر الجميل)، تختزن في حجارتها ذاكرة الصمود والتصدي؛ فهي ليست مجرد جدران أثرية صماء، بل هي رمز وطني وإنساني يجسد هوية المنطقة وحضارتها.
من جانبها، أكدت بلدية أرنون في بيان، أن القلعة تشكّل جزءاً أساسياً من التراث اللبناني والإنساني الذي يجب حمايته وصونه من أي اعتداء صهيوني غاشم، مستنكرة في الوقت ذاته عمليات القصف الممنهج وتدمير المنازل والبنى التحتية المحيطة بها بعد تهجير الأهالي قسراً.
ملحمة 1982: دماء الفدائيين التي هزمت أسطورة "النخبة"
حين يتحدث قادة الاحتلال اليوم عن القلعة، فإنهم يحاولون قسراً القفز فوق التاريخ المعمد بالدم والبطولة؛ ففي عام 1982، وخلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان، سطرت مجموعة صغيرة من المقاتلين الفلسطينيين ملحمة صمود أسطورية داخل أسوار القلعة ضد وحدات النخبة في جيش الاحتلال (لواء جولاني).
وآنذاك، رفض الفدائيون الاستسلام وقاتلوا ببسالة نادرة حتى رمقهم الأخير، مستخدمين السلاح الأبيض في مواجهة الطائرات والمدافع، ومكبّدين العدو خسائر فادحة في الأرواح والعتاد صدمت كل قيادته العسكرية.
ويستذكر الباحث والكاتب الفلسطيني، معين الطاهر، الذي قاد "الكتيبة الطلابية" التابعة لحركة فتح خلال تلك الحقبة وقاتل في المنطقة حتى أُصيب، الأهمية المعنوية والتاريخية الكبرى لقلعة الشقيف؛ حيث يوضح أن القلعة، رغم قيمتها العسكرية كموقع مراقبة يطل على إصبع الجليل والجولان وجبل الشيخ، إلا أنها لا تمتلك قيمة عسكرية تكتيكية كبيرة باتجاه هضبة النبطية والداخل اللبناني، ولهذا السبب تحديداً قام الجيش الإسرائيلي بعد احتلالها عام 1982 بتسليمها لعملائه (جيش لبنان الجنوبي) ولم يتمركز فيها مباشرة.
تكتيك التسلل الخبيث.. جغرافيا معقدة وطرق ميتة
إذا قشرنا غلاف البروباغندا الإسرائيلية المضللة حول "السيطرة" الحالية، نجد أن جيش الاحتلال، بعد شهور من القصف الجوي والمدفعي العنيف والمكثف الذي أحال قرى الجنوب إلى أرض محروقة، عجز عن التقدم نحو القلعة من الجهة الغربية الحصينة، فما كان منه إلا أن استغل الطبيعة الجغرافية والتضاريس الوعرة ليتسلل عبر قوة مشاة مدعومة بالمدرعات وغطاء ناري كثيف من الجهة الشرقية، أي من ناحية مستوطنة "المطلة" المحتلة.
غير أن هذا التسلل لا يعني بأي حال من الأحوال استقراراً عسكرياً؛ فالخبير في الشؤون العسكرية والقانون الدولي، العميد أكرم سريوي، يشير إلى أن الطرق المحيطة بالقلعة طويلة، معقدة، وملتوية بشكل يجعل تأمين دخول الآليات والمدرعات معضلة حقيقية لجيش الاحتلال، مضيفاً أن الجهة الشرقية للقلعة عبارة عن منحدر سحيق وقوي جداً يمنع أي حركة طبيعية للمشاة، مما يجعل القوة المتسللة معزولة عسكرياً وعرضة للمحاصرة والنيران من المرتفعات الغربية المحيطة بها في النبطية وكفرتبنيت.
"الطريق الدامي" ينتظر الغزاة
يقول محللون لبنانيون: إن الجنود الإسرائيليون الذين خدموا في هذا الموقع سابقاً، يعلمون قبل دحرهم عام 2000، أن قلعة شقيف تحولت على مدار سنوات الاحتلال الصهيوني إلى مصيدة للموت؛ فقد أطلق جنود الاحتلال في تلك الحقبة اسم "الطريق الدامي" على الممرات المؤدية إلى القلعة، نظراً للكمائن القاتلة والعبوات الناسفة التي كانت تزرعها المقاومة اللبنانية ببراعة وتستهدف بها القوافل العسكرية للاحتلال، مما أجبر الجنود الصهاينة على قضاء فترات خدمتهم داخل غرف محصنة تحت الأرض خوفاً من الضربات الصاروخية.
ويؤكد هؤلاء، أن دخول جيش الاحتلال إلى القلعة دون خوض معركة مباشرة، كما أكد العميد سريوي نظراً لعدم تواجد مقاتلي حزب الله داخلها أصلاً، يعكس بوضوح استراتيجية المقاومة القائمة على حرب العصابات والاستنزاف اليومي، فالمقاومة لا تعتمد في عقيدتها القتالية على "التمسك اللوجستي بالأرض" كما تفعل الجيوش النظامية الغازية، بل تستغل التضاريس اللبنانية الوعرة لنصب الكمائن، وإدامة العمل العسكري المرن، مستخدمة أدوات نوعية حديثة ومتطورة، أبرزها في هذه المرحلة السرب المتواصل من الطائرات المسيرة الانقضاضية والمفخخة والصواريخ الموجهة التي تحيل أي نقطة ارتكاز إسرائيلية إلى جحيم مستعر.
معركة حماية التراث الإنساني
يتزامن هذا التصعيد العسكري الإسرائيلي المتسارع مع استمرار المفاوضات السياسية التي تقودها واشنطن، مما يؤكد أن الكيان الصهيوني يحاول يائساً تحسين شروطه التفاوضية بالدم والنار والتدمير، فبينما يعمق الاحتلال توغلاته البرية ويكثف غاراته الوحشية على البقاع الغربي والعمق الجنوبي، ترد المقاومة بضربات صاروخية مكثفة ومركزة طالت مستوطنات الشمال الحيوية وقواعده العسكرية، لاسيما في صفد ونهاريا وكريات شمونة، محطمة أوهام الاحتلال في إعادة مستوطنيه أو فرض الأمن بقوة السلاح.
وفي مواجهة آلة التدمير الصهيونية الممنهجة التي لا تستهدف البشر فحسب بل تسعى لمحو الشواهد التاريخية والحضارية للعالم العربي، يقود لبنان حراكاً دبلوماسياً وثقافياً مكثفاً؛ إذ سلم وزير الثقافة اللبناني، غسان سلامة، مذكرة خطية للمدير العام لمنظمة "اليونسكو"، خالد العناني، تطالب بتوفير حماية دولية فورية للمواقع الأثرية اللبنانية وعلى رأسها قلعة الشقيف.
الجدير بالذكر أن القلعة مصنفة رسمياً منذ عام 2024 تحت بند "الحماية المعززة" بموجب البروتوكول الثاني لعام 1999 الملحق باتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، مما يجعل الاعتداء الإسرائيلي عليها جريمة حرب دولية تضاف إلى سجل الاحتلال الأسود المليء بالجرائم ضد الإنسانية.