زيارة الأعرجي لقبر متنازع عليه في بغداد تثير الجدل.. تراث ديني أم حسابات سياسية؟
الأعرجي يزور قبراً مجهول الهوية

الأعرجي يزور قبراً مجهول الهوية
انفوبلس//.
أثارت زيارة مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم الأعرجي، إلى قبر مجهول في محلة قنبر علي ببغداد، جدلاً واسعاً حول أهدافها وتداعياتها التاريخية.
ويقع المرقد المنسوب إلى "حاخام يهودي" اسمه إسحاق جاؤون في محلة قنبر علي، والتي كانت تضم مجتمعاً يهودياً في بغداد، ويُعتقد أن إسحاق جاؤون كان حاخاماً يهودياً وأنه عمل صيرفياً في الماضي، بينما يعتقد آخرون أنه رجل دين مسلم، وبقي هذا المكان مزاراً يتبرك به المسلمون والمسيحيون واليهود على حد سواء، حيث كانوا يطلبون فيه النذور.
وتباينت آراء المؤرخين والباحثين حول هوية صاحب المرقد، بعض المصادر تشير إلى أن إسحاق جاؤون كان حاخاماً يهودياً، بينما تشير مصادر أخرى إلى أنه كان عالماً مسلماً، هذا الاختلاف في الروايات أدى إلى نزاع حول مرجعية المرقد، مما تسبب في إهماله وعدم ترميمه.
توقيت الزيارة
وتزامنت زيارة مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي، الى هذا المكان، مع توترات إقليمية متصاعدة، لا سيما مع استمرار الحرب الصهيونية على لبنان وفلسطين واليمن، ما جعل التوقيت يثير تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحرك.
وأثارت الزيارة موجة من التكهنات، حيث رأى البعض أنها قد تعكس محاولة من الأعرجي لتقديم نفسه كشخصية وسطية قادرة على التواصل مع مختلف الأطراف، بما في ذلك الطوائف الدينية التاريخية في العراق.
وتصاعدت الآراء المتباينة حول دلالات الزيارة، إذ ذهب البعض إلى ربما استجابة لضغوط خارجية على دول المنطقة لتبني سياسات أكثر اعتدالا مع الدولة العبرية، فيما أشار متابعون في التواصل الاجتماعي إلى التوقيت “المريب” الذي يحمل إشارات سياسية أعمق.
ورفض آخرون هذا التفسير، معتبرين أن الزيارة تأتي في إطار جهود الحكومة العراقية للحفاظ على التراث التاريخي والديني للبلاد.
وآراء ترى أن هناك فرقاً بين التعامل مع اليهود كجزء من تاريخ العراق وبين أي توجه نحو التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، التي يرفضها القانون العراقي رسمياً بموجب تشريع أُقر عام 2022 يعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد على أي محاولة تطبيع.
وتظل الزيارة محاطة بحساسية بالغة، إذ إن أي تلميح للتطبيع يواجه رفضاً شعبياً وسياسياً واسعاً، ما يجعل دوافعها الحقيقية موضع تساؤل مستمر.
القبر متنازع عليه
ما يسمى بـ "مرقد إسحاق جاؤون"، يقال إنه لحاخام يهودي أو الشيخ إسحاق كما هو معروف في محلة قنبر علي، أو سوق اليهودي حنون أو (حنوني)، كما كان يسميه يهود بغداد، وكان هذا السوق المخصص لبيع البيض والدجاج.
ويقول باحث في الشؤون التراثية، إن "هذا المقام (المرقد) مختلف عليه من قبل الطوائف الدينية، فمنهم من قال إنه لرجل يهودي حاخام، وآخر يقول إنه لرجل مسلم، على الرغم من تواجده منذ زمن بعيد في منطقة يهودية".
ويوضح، إن "الإشكال الذي حدث كان بعدما ترك اليهود العراق وبقي المكان مهجوراً، حتى بات مكبّاً للنفايات والأنقاض، فضلاً عن استيلاء البعض على مساحات من أراضيه".
ويتابع الباحث، "مشكلتنا تكمن في بغداد بصعوبة إثبات المواقع بعد مرور السنين، حيث إن الشواهد الموجودة على القبور بمرور الزمن تتكسر وتختفي التواريخ عنها والمعلومات والتفاصيل كافة، خاصة أن الكثير من القبور في العاصمة متنازع عليها".
صراع على مرجعيته
وبحسب قول أحد الساكنين في بيت كان مُلكاً ليهودي لا يعرف عنه شيئاً، عن هذا القبر، إن "الجهات الحكومية تتعمد إهمال هذا المرقد وعدم ترميمه بسبب الصراعات القائمة على مرجعيته، فكل جهة دينية سواء مسلمة أو يهودية تدّعي أن القبر يعود لها، من أجل السطو عليه، ما يمنع الاهتمام به".
ويسرد بعد أن قرأ ما دونّه في دفتر صغير يحتفظ به، كيف أن أحد معارفه جلب له يوماً كتاباً فيه سيرة "الشيخ" إسحاق جاؤون، ورد فيه أن أبو إسحاق إبراهيم بن علي يوسف السيراتي الفيروز آبادي، المُلقب جمال الدين وُلد 393 هجرية في فيرز آباد، وتوفي عام 1002 ميلادية، ليلة الأحد 21 جمادى الآخر 467 هجرية، ودُفن في بغداد بمحلة باب أبرز قبل أن يتحول اسمها إلى محلة التوراة، وهو من كبار علماء المدرسة النظامية في بغداد".
الأبعاد السياسية والاجتماعية
زيارة مستشار الأمن الوطني العراقي قاسم الأعرجي إلى محلة قنبر علي، وقراءته الفاتحة عند قبر الحاخام اليهودي إسحاق جاؤون، أثارت تساؤلات حول أبعادها السياسية والاجتماعية. لا يمكن النظر إلى هذه الزيارة بمعزل عن السياق الأوسع، حيث إن مثل هذه التحركات عادة ما تكون مدروسة وتحمل رسائل ضمنية.
وفي حديثه لوسائل الإعلام، أوضح مستشار الامن القومي قاسم الأعرجي أن "الزيارة تأتي في إطار الحفاظ على التراث العراقي بجميع مكوناته، والتأكيد على التعددية الثقافية والدينية في البلاد"، مضيفاً أن العراق "كان ولا يزال موطناً لمختلف الأديان والطوائف، ويجب الحفاظ على هذا الإرث".
سياسيون ومراقبون حذروا من أبعاد سياسية محتملة للزيارة، فقد أشار المحلل السياسي، محمد العزاوي، إلى أن "التوقيت يثير تساؤلات، خاصة في ظل الضغوط الإقليمية والدولية على العراق"، مضيفاً أن "زيارة قبر حاخام يهودي قد تحمل رسائل دبلوماسية غير معلنة تجاه أطراف دولية معينة".
تساؤلات مفتوحة
اختيار الموقع له رمزية خاصة، إذ إن قنبر علي ارتبطت تاريخياً بالوجود اليهودي في العراق، في ظل حكومة تسعى لإبراز التنوع الثقافي والديني، قد تكون الزيارة محاولة لتعزيز صورة العراق كدولة متعددة الأطياف، لكن في الوقت نفسه، يظل العراق تحت ضغوط سياسية داخلية وخارجية، أبرزها الحساسية الشعبية تجاه أي خطوة قد تفسَّر على أنها تقارُب مع "إسرائيل".
ومع استمرار الجدل، تبقى التساؤلات مفتوحة حول ما إذا كانت هذه الزيارة خطوة في إطار حفظ التراث، أم أنها تحمل في طياتها أبعاداً سياسية تتجاوز الظاهر. الأيام المقبلة قد تكشف المزيد عن خلفيات هذه الخطوة ومدى تأثيرها على المشهد السياسي العراقي.
في النهاية، تبقى الزيارة محاطة بالغموض، وقد تكون مقدمة لخطوات سياسية مستقبلية تتضح لاحقاً، سواء كانت رسالة داخلية لتعزيز صورة الدولة أو خطوة في لعبة التوازنات الدولية، فإن الجدل الذي أُثير حولها يثبت أنها حققت هدفها في لفت الانتباه.